الأربعاء , 22 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

د. صلاح سلطان يكتب: بين ثورات إفريقيا ومظاهرات البحرين

د. صلاح سلطان

في تونس ومصر وليبيا ثورات شعبية حقيقية، وفي البحرين مظاهرات طائفية حتى النخاع.

في تونس ومصر وليبيا خرج الشباب والشيب، والرجال والنساء، والقاصي والداني، والفلاح والقاضي، والعامل والعاطل، من كل أبناء الوطن، سواء كان مسلمًا أو نصرانيًّا، متديِّنًا أو متحللاً، كلهم يرفعون شعار وطنهم وبلدهم، ويقدمون المطالب الشعبية المتفق عليها؛ في الحرية والكفاية والعدل والحزم مع المفسدين، وإسقاط الطغاة الظالمين، فنجحت ثوراتهم، وآتت بعض ثمارها، وتضاعفت آثارها، وما تزال ترابط لتحقيق أهدافها.. لكنَّ مظاهرات البحرين تميَّزت منذ اللحظة الأولى بالطائفية والتقليد معًا، فلم تستطع أن تخلع ثوب التحزُّب، ولم تستهوِ عموم الشعب البحريني، ولم تستطع- عندما حملت الشكل في ثورات إفريقيا- أن تخفي المضمون الطائفي.

في ثورات إفريقيا لم تبقَ قرية ولا مدينة ولا حارة ولا شارع ولا ميدان صغير أو كبير؛ إلا امتلأ بالمتظاهرين، واحتشد بالثائرين، على حين بقيت حوادث البحرين في ميدان دون الميادين، وفي مناطق تكاثرهم دون بقية محافظات ومدن البحرين، بل خرجت مظاهرات الوحدة الوطنية من جماهير السنة وبعض الشيعة أكثر عددًا وأظهر مواطَنة.

في ثورات إفريقيا صافح الشعب الشرطة والجيش وقدَّم لهم الورود، وقابلوهم بالابتسامات، فاستحمقت الشرطة في تونس ومصر، فأُقصي وحوكم وزير داخليتهم، وانضمَّ وزير الداخلية في ليبيا إلى المتظاهرين لما رأى بطش النظام، واستعمال المرتزقة من خارج بلده، وانضمَّت فيالق من الجيش إلى الشعب، فعصى قائد الجيش في تونس أوامر الطاغية بن علي في إبادة شعبه، وتوقف الجيش عن الاستجابة لمطالب مبارك وسليمان في سحق المتظاهرين، وانضمَّت كتائب من الجيش الليبي إلى الثوار الأحرار.. لكنَّ الجيش والشرطة في حوادث البحرين هما مع النظام والمواطنين، وهما على حذر من محاولات استدراجهما من الطائفيين الذين يعلنون عداءهم، والذين لديهم تاريخ من إحراق سيارات الشرطة وقتل رجالها، وانتبه الجيش للوقوع في الفخ أول خروج الطائفيين، وأدرك الخطة المرسومة لذا؛ فهو ما يزال يتعامل بحذر مع هذا الاستفزاز، ويُرجى أن يكون حازمًا في عدم جواز إراقة الدماء.

ثورة الشعوب في إفريقيا كانت على أنظمة طاغية مستبدَّة، استأثرت بالسلطة والمجالس التشريعية، وما سمِّي في ليبيا باللجان الشعبية، وتمَّ إقصاء المعارضة تمامًا ومطاردتها وتلطيخها وتشويهها ومحاكمتها محاكماتٍ استثنائيةً ظالمةً، ونفي أو قتل قادتها، على حين فُتح الباب للمعارضين سلميًّا في البحرين بمساحات من الحرية تمكَّنوا فيها من حصد أكثر من 40% من مقاعد مجلس النواب من الجولة الأولى في انتخابات 2006 و2010، ولهم جرائد منشورة وصفحات مبثوثة، ويحاكم الخارجون عن القانون في محاكم عادية، ثم يتوالى العفو بما زاد عن الحد وأغضب الموتورين، وأغار صدور الأكثرين، فالبطش الشديد الذي ولَّد ثورات في إفريقيا يقابله عفو عريض لا يُذكر فيه الجميل ولا يرضى عنه الكثير.

وإن كنا نرى أن بعض ألوان الفساد المالي توجب حزمًا وعزمًا وملاحقةً أكثر؛ حتى لا نمنح الطائفيين فرصة أن يركبوا مَتن هذا الفساد إلى ما هو أفسد منه من تمزيق البلاد وإنهاك العباد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*