الأحد , 19 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

ساعة في جابر بن حيان

بقلم: الدكتور جابر قميحة

ابتداءً من الخمسينيات من القرن الماضي كان أمل المصريين- وخصوصًا المعلمين- أن يتعاقدوا أو يعاروا عن طريق الحكومة للعمل بإحدى الدول العربية؛ وذلك لرفع مستواهم المادي والاجتماعي، فالمرتبات المصرية  كانت ضئيلة للغاية، وأذكر أنني بعد حصولي على ليسانس دار العلوم سنة 1957م عيِّنت معلمًا للغة العربية بمرتب شهري قدره 13 جنيهًا.

وطريقة الإعارة أن يتقدم المدرس بطلب عن طريق مدرسته، ويتم الموافقة على طلبه مع تحديد الدولة المبعوث إليها؛ وذلك اعتمادًا على مسوغات موضوعية كتقديراته الفنية، وإنتاجه، وسلوكه في عمله، وبعد استيفائه كل مسوغاته لا بد من حصوله على موافقة الأمن على إعارته، وهو ما نسميه “تصريح الأمن” أو “تصريح العمل”، وهي تسمية ملطفة من التسمية السابقة.

**********

 

وبعد هذا المدخل العام أتحدث عن حالتي الخاصة، فيما يتعلق بالإعارة:

كنت مدرسًا بالمرحلة الثانوية، ووافقت جهات الاختصاص على إعارتي إلى الصومال، وبعد استيفائي كل مسوغاتي فوجئت بالأمن يمنعني من السفر؛ أي يحرمني من الحصول على “تصريح العمل”.

وفي العام الذي تلاه رشِّحت للإعارة إلى السودان، وتكرر السيناريو نفسه: أستوفي كل المسوغات المطلوبة، ثم يمنعني أمن الدولة من السفر.

وفي العام التالي رشحت للعمل في ليبيا السنوسية، وتكرر السيناريو البغيض.

وفي العام الذي تلاه رشحت للعمل في ليبيا القذافية، ولم أسافر؛ لأن نشامى الأمن- كالعادة- رفضوا منحي تصريح العمل.

هذا ما لقيته من “أمن الدولة” بلا سبب، واستقرأت سجلَّ حياتي فلم أجد فيه واقعةً واحدةً تخدش ولائي للوطن.. لا.. لا.. هناك سبب “وجيه جدًّا”، وهو أنني عضو في جماعة الإخوان المسلمين، أو المحظورة (كما يطلقون عليها).

 

وترتب على هذا المنع عدة نتائج، أهمها:

1- أن كثيرين من زملائي المدرسين كانوا يتفادون الحديث إلى والجلوس معي؛ حتى لا ألقي عليهم “شبهة” تحرمهم تصريح العمل إذا رشحوا للإعارة.

2- أن في ذلك إساءةً لسمعة مصر في الخارج، بمقولة أن مصر تمنع أبناءها- لسبب أو لأسباب واهية ولا إنسانية- من السفر للبلاد العربية، للنهوض بالتعليم فيها.

3- ولا أخفي أنني عشت هذه السنوات الأربع أعاني ألمًا نفسيًّا عميقًا، لا لكسب فاتني، ولكن لشعوري بأنني أعيش غريبًا في وطني، وكانت أسرتي تشاركني هذا الشعور.

**********

 

وفي بداية السبعينيات- وكنت أعمل مدرسًا أول للغة العربية بمدرسة الأورمان الثانوية للبنات بالجيزة- قلت لنفسي: فلأجرب حظي هذه المرة، وتقدمت وأنا أكاد أعرف النتيجة مقدمًا، ولكني كنت بارد الشعور هذه المرة بعد تجربة السنوات الأربع، وتذكرت قول المتنبي:

رماني الدهر بالأنصال حتى  =  فؤادي في غشاء من نبــال

فكنت إذا أصابـتني سهـام   =  تكسرت النصال على النصال

وفوجئت في منتصف سبتمبر 1970م باستدعائي إلى المباحث العامة بشارع جابر بن حيان التي سُميت فيما بعد (مباحث أمن الدولة)؛ وذلك لمقابلة الضابط (إلهامي . س)، واستقبلني الرجل استقبالاً كريمًا، وشد على يدي وهو يقول:

 

– مبروك.

– الله يبارك فيك، هل وافقتم على منحي تصريح العمل؟!

– لا.. لأ.. بل ما يفوق ذلك بكثير.

– عجيبة!!!!!

– لا عجيبة ولا حاجة.. شوف يا سيدي، إحنا عارفين أنك راجل عبقري وذكي ومخلص في عملك؛ لذلك اخترناك دون غيرك لهذا العمل الإنساني.

– خير إن شاء الله؟!!

– شوف يا سيدي، أنت هتروح الكويت، ستجد بعض زملائك المصريين بيشتموا الرئيس عبد الناصر أو نظام الحكم، كل اللي هتعمله أنك سترسل لنا أسماءهم؛ لنزيل متاعبهم دون أن يشعروا، ولن يؤذَى واحد منهم، وسترسل ما ستحصل عليه من بيانات ومعلومات على عنوان غير عنواني، واسم غير اسمي، هتعرفهم الآن، ولكن قبل كده هسمَّعك آخر رسالة وصلتنا، وهي من الراجل بتاعنا في الكويت.

 

(وأخرج من درج مكتبه مظروفًا، واستأنف حديثه):

– نص الرسالة: السيد.. مرسله إليكم.. من إخوان “منية النصر دقهلية”.

– شكرًا لكم مرتين إذ وافقتم على إعارتي، وإذ أسندتم إليَّ المهمة الإنسانية إياها، وآخر الأخبار أن ثمانية من إخوان منية النصر شكَّلوا خلية لدراسة فكر الإخوان، والترويج له، ومهاجمة الرئيس، ونظام حكمه، وهؤلاء الثمانية هم: … و … و … إلخ.

فما رأيك يا أستاذ جابر؟ أعتقد أنك موافق.

– طبعًا لا؛ لأني لا أصلح لهذه المهمة “الإنسانية”، إنها تحتاج لشخصية اجتماعية، كثيرة الاختلاط بالآخرين، أما أنا فكل همي محصور في عملي وقراءاتي وكتابة مقالاتي.

– إذن لن نوافق على إعارتك.

– ليكن؛ فأنا مؤمن بقوله تعالى: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوْعَدُونَ) (الذاريات: 22)، ومؤمن بقول الرسول- صلى الله عليه وسلم- “للرزق أسرع إلى أحدكم من أجله” .

وتركت السيد الضابط، وأنا على يقين أن الرسالة التي قرأها عليَّ من وضعه وتزييفه وتزويره، وهذا اليقين مبنيٌّ على ما يأتي:

 

1- أنني أعرف كل إخوان منية النصر معرفة شخصية، وليس فيمن ذكرهم الضابط واحد منهم.

2- جاء فيما قرأه عبارة “… قاموا بتشكيل خلية إخوانية… “، والإخوان يستعملون مصطلح “أسرة” لا خلية.

**********

 

ومع ذلك كانت إرادة الله أقوى، فتمكنت من الحصول على تصرح العمل، وغادرت مص إلى الكويت في 27 من سبتمبر 1970م، وفي اليوم التالي توفي جمال عبد الناصر.

ولكن السؤال المر الذي يطرح نفسه: كم من المواطنين رفض مثل هذا العرض الخسيس؟ وكم من البيوت خربها أبطال مباحث أمن الدولة؟ وكم من المواطنين الشرفاء أُوذوا في أرزاقهم وأسرهم وسمعتهم على أيدي هؤلاء الأبطال؟!

(وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58)) (الأحزاب).

——–

* gkomeha@gmail.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*