السبت , 18 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

لماذا “برلمانية” وليست “رئاسية”؟

بقلم: محمد كمال

كان علميًّا- فضلاً عن كونه موضوعيًّا- ألا تتدخل لجنة “المستشار البشري” في تعديل (اختصاصات رئيس الدولة)؛ لأن هذه الاختصاصات تابعة للنظام السياسي المختار للدولة، وبما أننا- كثورة- لم نتفق بعد على شكل هذا النظام، فإن التدخل في رسم أحد معالمه- وهي اختصاصات الرئيس- يكون افتئاتًا على حقِّ الشعب في اختيار نظامه، هذا من جهة.

من جهة ثانية، فإن تحديد شكل نظام الدولة سيؤثر بالضرورة على صلاحيات الحكومة ورئيسها، وعلى صلاحيات البرلمان وحقوقه في مواجهة السلطة التنفيذية.. وهذا وغيره مما أصبح الكلام عليه واجبًا الآن.

والنظم السياسية الديمقراطية المعروفة في العالم الآن أربعة:

أولاً: النظام الرئاسي:

والنموذج الأمريكي هو النموذج الأصيل الممثل له..

وأهم خصائصه:

1- رئيس منتخب من الشعب يستأثر بالسلطة التنفيذية.. حيث ينتخب الرئيس مباشرةً, أو على درجتين, لكي يوضع في مكانة متكافئة تمامًا أمام البرلمان المنتخب من الشعب هو الآخر.

والرئيس يحكم، ويعيِّن إدارته (أي وزارته) ومعاونيه، وهم غير متضامنين معه في المسئولية, وله الحق- منفردًا- في إعفائهم.

2- الفصل (المطلق) بين السلطات.. وبموجبه فإن الرئيس:

– لا يملك حل البرلمان, ولا تأجيل أو تعطيل انعقاده, ولا التدخل في أعماله.

– ولا يملك حق تقديم مشروعات قوانين.

– وفي المقابل, يقوم مجلس النواب بالتشريع, دون الحق في محاسبة الرئيس وإدارته، ولا يملك حق توجيه أسئلة أو استجوابات للرئيس أو معاونيه، ولا سحب الثقة منهم، أو خلعهم من مناصبهم.

ولتلطيف هذا الفصل الحاد بين السلطة التنفيذية والتشريعية، وضع النظام استثناءين:

الأول (لتقوية السلطة التشريعية): منح مجلس الشيوخ شكلاً في مقاسمة الرئيس بعض صلاحياته، مثل:

1- تعيين كبار موظفي الاتحاد (وزراء- سفراء- قضاة المحكمة العليا).

2- إبرام المعاهدات الدولية.

الثاني (وهو موضوع عكس الأول ليقوي سلطات الرئيس).. فإذا كان الرئيس لا يحق له اقتراح قانون فإن الدستور منحه الآتي:

1- الحق في الاعتراض على القوانين التي يقرُّها الكونجرس, لكنَّ المجلس يستطيع إمرار القانون إذا حشد ثلثي كلٍّ من مجلسيْه.

وهكذا ترى أن النظام الرئاسي عيَّن سلطات واسعة للغاية للرئيس قد تقترب من سلطات الرئاسة فى دستور 71 المرفوض, لكنها تنشئ سلطةً تشريعيةً قويةً تتربَّص بالرئاسة تشريعًا ورقابةً مما يحدث التوازن، ولأننا على بداية الطريق في صياغة برلمان مسئول, كما أننا خارجون لتوِّنا من تجربة ديكتاتورية عتيدة, فليس من الأصلح لنا أن ننشئ نظامًا يعيد السطوة لشخص الرئيس, بينما لا تزال بوصلة مؤسسات الدولة مضبوطة على الأوضاع البائدة, بمعنى أنها جاهزة لولادة ديكتاتور جديد, وعلى أي الأحوال فنحن لا نأمن مثل هذا النظام- حتى ولو كان ديمقراطيًّا- على وطننا الذي جرب إطلاق السلطة الرئاسية فلم نحصد من ورائها نظامًا ديمقراطيًّا لانهيار سلطة التشريع والقضاء في مواجهة سلطة الرئيس، وبالتالي فليس من الحكمة ونحن ننزع مخالب هذا النظام من دولتنا، أن نمهد له طريقًا للعودة.. باسم الديمقراطية.

ثانيًا: النظام البرلماني:

والنظام الإنجليزي هو النموذج في هذا الإطار، ومعلوم أن هذا النظام استقر عبر قرون طويلة، وهو النظام الأصيل للنظم البرلمانية، وكان ملهمًا للبلاد المعاصرة الأخرى..

وملامح هذا النظام وخصائصه الكبرى هي:

أولاً: إسناد وظيفة السلطة التنفيذية إلى هيئة مركبة من عنصرين:

أ‌- رئيس الدولة: وهو غير مسئول سياسيًّا سواء أكان ملكًا وراثيًّا, أم جمهوريًّا انتخابيًّا، وليس له صلاحيات في تصريف شئون الدولة، أو أي تصرفات عامة إلا بتوقيع الوزير المختص.

– واختصاصات رأس الدولة كلها غير عملية، أو هي (يروتوكولية) مثل تكليف رئيس الوزراء الذي حظي بثقة البرلمان، بتشكيل الوزارة..

– وهو رمز للدولة مثل العلم والسلام الجمهوري, لكن المسئول أمام الشعب هو رئيس الحكومة.

ب- الوزارة: وهي هيئة جماعية تنتمي إلى حزب واحد، أو إلى فكر واحد.

وقد تكون ائتلافية من عددٍ من الأحزاب حال عدم حصول أي حزب على الأغلبية.

– ورئيس الوزارة يمثل الوزارة، فإن حجبت عنه الثقة حجبت عن الوزارة كلها، بل إن حجبت الثقة عن أحد وزرائه سقطت وزارته بالكامل.

– والنظام البرلماني- كما هو واضح- يسمح للوزراء بالجمع بين المناصب الوزارية والعضوية البرلمانية، بل يحبذها؛ لكي تستطيع الوزارة التأثير على البرلمان لإمرار مشاريعها.

– والوزراء- إذًا- رجال سياسة وليسوا موظفين (كما في النظام الرئاسي)، وهم يرسمون السياسة العامة ويشرفون على تنفيذها، والدفاع عنها أمام البرلمان.

ثانيًا: الفصل (المرن) بين السلطات أو (التعاون في أداء الوظائف):

– يقوم هذا النظام على فكرة التعاون بين الهيئات الحاكمة في وظائفها، مختلفًا عن النظام الرئاسي الذي يشترط الفصل الكامل بين السلطات في الدولة، ومن مظاهر هذا التعاون:

1- قيام السلطة التنفيذية بتكوين البرلمان (من حيث الإعداد للانتخابات- والدعوة للانعقاد والتأجيل).

2- حق اقتراح القوانين التنفيذية أو الاعتراض عليها أو إصدارها.

3- كما يسمح للبرلمان بالموافقة أو الرفض على تصرفات الوزارة, كالمعاهدات, وإعلان الحرب، والسياسة الخارجية.

ثالثًا: التوازن بين السلطات:

وهذا المحور تابع لما قبله..

فصحيح أن هذا النظام يتميز (بالتعاون بين سلطات الدولة).. إلا أنه يشكل (التوازن الذي يتيح لهيئة التشريع والتنفيذ وسائل تأثير متعادلة تكفل تحقيق التوازن بينها, بحيث يكون كل منهما قويًّا أمام الآخر).

ومن أهم ملامح هذا التوازن:

1- حق البرلمان في محاسبة الوزراء من خلال (تحقيق- سؤال- استجواب- إسقاط).

2- في المقابل.. للسلطة التنفيذية الحق في حل المجلس النيابي، وبذلك لا يتلاعب البرلمان بالحكومة, بإفساد مشاريعها, أو عدم التعاون معها لإفشالها.

وهكذا، وبهذا التعريف العلمي المبسط للنظامين الكبيرين (الرئاسي- البرلماني) يقع اختيارنا فورًا- ودون تردُّد- على (النظام البرلماني بإطار جمهوري)؛ ليحدَّ من السلطات الديكتاتورية للرئاسة، وليُسهِم في الحراك السياسي النشط والمتوازن بين سلطتي التنفيذ والتشريع.

وأخيرًا.. فقد أغفلنا الكلام عن النظامين الثالث والرابع، وهما النظام شبه الرئاسي ونظام (الجمعية)؛ نظرًا لتصورنا الخاص بأنهما لا يصلحان لمصر؛ لأن البيئة السياسية المصرية أسِّست على النمط البرلماني؛ لذا فالتجاوب معه سيكون أسرع وأكثر فاعليةً.

وقد وضعت بين يدي القارئ الفوارق العلمية الرئيسية بين النظامين الكبيرين؛ حتى يعلم طريقة الاختيار الصحيح، وحتى لا يتعرَّض لتعريفات غير علمية ما زال الإعلام يعرِّضنا لها حتى الآن.

—————————-

* Mohamedkamal62@ymail.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*