الأربعاء , 22 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

ذكريات مع جهاز أمن الدولة (1)

بقلم: د. عصام العريان

سبحان المعز المذل.. سبحان ذي القوة والجبروت.. سبحان الذي يمهل ولا يهمل.. أخيرًا تنفس المصريون الصعداء.. وبدأ نسيم الحرية يتدفق إلى صدورهم.. دمعت عيون من الفرحة، ودمعت عيون من الأسى على السنين التي مرت تحت إرهاب ذلك الجهاز الرهيب الذي بثَّ الرعب في قلوب ملايين المصريين.

 

والحقيقة التي لا يمكن إغفالها أن ذلك الجهاز المرعب تدخَّل في حياة كل المصريين وفي كل قطاعات الدولة، ولم يكن ضحاياه من الإسلاميين فقط، كما يتصور البعض، فالثأر بينه وبين كل مصري ومصرية، بل أكاد أقول إن الفرحة عمَّت عموم رجال الشرطة من خارج ذلك الجهاز الذين كان زملاؤهم من رتبٍ أدنى بكثيرٍ يتعالون عليهم ويتعاملون معهم باستخفافٍ وازدراء.

 

حساب هؤلاء الضباط على جرائمهم الخطيرة يجب أن يبدأ فورًا، فلا يكفي حل الجهاز، الجرائم التي لا تسقط بالتقادم، وتلك التي أغلقت ملفاتها دون استكمال.

 

القتل خارج القانون، التعذيب حتى الموت، إحداث عاهات مستديمة بالأفراد، المادية والوحشية في المعاملة… إلخ.

 

ملفات بعض هذه القضايا موجود بالفعل، وهناك بلاغات سيتم تقديمها، والمحاكمة يجب أن تكون أمام القضاء العادي، وبعدالة كاملة حتى لا يُظلم أحد، ولا يفلت أحد من العقاب.

 

الحقيقة الكاملة يجب أن تظهر للعيان قبل المصالحة مع ذلك الجهاز الذي تسبَّب في تشويه صورة الشرطة المصرية.

 

تجارب الشعوب والدول من قبلنا يمكن الاستفادة منها مثل “جنوب إفريقيا”، المهم عدم تكرار ما حدث في التاريخ المصري الحديث خلال ستين سنة من القسم المخصوص إلى البوليس السياسي إلى المباحث العامة إلى جهاز أمن الدولة، مارس ضباط الأمن السياسي قمعًا للمعارضين السياسيين، وتنصتوا على كل مكالماتنا وتجسسوا على بيوتنا وراقبوا تحركاتنا، بل عدوا علينا أنفاسنا.

 

كان أخي د. سناء عبد الله أبو زيد- رحمه الله- يتلذذ بإرهاق مراقبين من ضباط أمن الدولة، بينما كنتُ لا ألقي بالاً لهم، وأتصرف بكل حريةٍ لأني كنت وما زلتُ أعتقد أن تصرفات السياسي في العلن يجب أن تتفق مع حركاته الخاصة، وأنه وإن كان لديه خصوصيات ويتحلى بالكتمان إلا أن ذلك يجب ألا يقيّد حركته ونشاطه أبدًا، وأتصور أن ملفي في “أمن الدولة” الحقيقي وليس الذي تسرَّبت منه أوراق من أضخم الملفات؛ لأنه بدأ منذ أربعين سنة يوم دخلت ساحة النشاط الطلابي ثم النقابي ثم السياسي ثم الفكري؛ حيث انتهت المراقبة بأسئلة حول أفكاري حتى في تحقيقات نيابة أمن الدولة في السنوات الأخيرة.

 

تراكمت لديَّ ذكريات أصبحت ملكًا للجميع اليوم، بعد أن كانت مثار حديث بيني وبين أسرتي أو بيني وبين إخواني.

 

أول سجن لي- وهذا للعجب- كان في مقر المجموعة (75) بالمخابرات العامة؛ بسبب مذكرة من أمن الدولة عندما دهموا البيت الذي أُقيم فيه لتفتيش شقة صهري صلاح الدين فضل- رحمه الله- فدخلوا شقتي المجاورة للبحث عنه، وأنا زوج شقيقته، فوجدوا أوراقًا أُعد منها نشرة صحفية وفكرية لطلاب الجامعات سميتها “أضواء”، فكأنهم وجدوا كنزًا على غير ترتيب، كنت وقتها مجندًا بالقوات المسلحة، سلاح الخدمات الطبية، في مستشفى للتأهيل بالهرم.

 

أرادوا القبض عليَّ واصطحابي، فرفضتُ لأني مجند، وكانت هناك مشكلة وقتها بين الجيش والشرطة.. بعد أيام قليلة تمَّ استدعائي للمخابرات التي سجنتني عدة أيام، ثم طلبني من سجني نائب رئيس المخابرات الذي حدثني عن الدور الوطني للمخابرات والجيش، ثم خرجتُ وأنا أفكر في مصير مدة تجنيدي التي قاربت على الانتهاء، فقد قضيت سنة تقريبًا، أخبرني بعدها مقدم المخابرات الذي اصطحبني إلى اللقاء أن خدمتي قد أُنهيت بالجيش، وهذا ما حدث بالفعل بعد شهرٍ تقريبًا مع تقدير “خدمة حسنة”، كان تقرير أمن الدولة هو السبب في إنهاء خدمة العلم الوطنية.

 

بعد سنة ونصف تقريبًا كانت المداهمة الثانية لنفس منزلي؛ ولكن بعد منتصف ليل 3 سبتمبر 1981م (الإثنين).

 

ومن الدار إلى التحفظ في مكان أمين سجن الاستقبال بطره مع 536 من رموز السياسة والدين والفكر والنقابات في مصر ازداد عددهم بعد مظاهرات غاضبة يوم الجمعة إلى 1531، فأصبحوا خليطًا عجيبًا، يستحق أن تُروى قصتها على مهل بعد ذلك.

 

قضيت سنة كاملة من سبتمبر 1981م إلى نهاية أغسطس 1982م، مرت خلالها أحداث جسام، أبرزها اغتيال الرئيس السادات في 6 أكتوبر 1981م.

 

بدأت تجربة جديدة مع “أمن الدولة” كانت مريرة؛ لأنها كانت تعذيبًا وحشيًّا في التحقيقات الخاصة باغتيال السادات.

 

تردد اسمي كثيرًا في التحقيقات الأولية؛ بسبب نشاطي الواسع في الجامعات المصرية من 1971- 1981م، وبسبب نشاطي السياسي والعام- بعد تخرجي- في دعم الجهاد الأفغاني الذي بدأ عام 1979م ضد الاحتلال السوفيتي لأفغانستان، وبداية الكتابة في المجلات والصحف ورحلاتي المتكررة، دعويًّا وسياسيًّا من الإسكندرية إلى أسوان، وكانت معارفي عديدة من كل التيارات، خاصةً شباب الجماعة الإسلامية بالمنيا وأسيوط.

 

كنا في سجن استقبال طرة تتطور بنا الأحوال تدريجيًّا حتى اتفقنا على نظام معقول للتريض، واتفقنا على تصور ليوم وقفة عرفات وعيد الأضحى مع العقيد محسن السرساوي، فإذا بنا قبيل ظهر يوم عرفات نُفاجأ بإغلاق السجن نهارًا ومنع التريض، ولم ندر ماذا حدث؛ لأننا لم يكن لنا أي اتصال بالعالم الخارجي سوى الجرائد القومية التي كانت إدارة السجن تحضر منها نسخة واحدة إلى زنزانتنا 1/2.

 

ليلاً تم القبض على مجموعات من الشباب عقب الاغتيال، وتم اقتياد بعضهم إلى سجن الاستقبال بطرة، وأودعوا في عنبر التأديب، وهناك صرخ أحدهم لقد قُتل السادات.

 

هاج السجن وتمَّ كسر عدد من أبواب الزنازين، ولم يتم إعادة الهدوء إلا بعد تعب، وتم إحضار راديو “ترانزستور” إلى زنزانتنا لمتابعة الأحداث، وكنت أقوم بعد قراءة الجرائد وسماع الأخبار من لندن والبرنامج العام المصري بقراءة نشرة أخبار لمدة 10- 12 دقيقة مرتين أو ثلاثة يوميًّا، وتم إغلاق السجن تمامًا لا تريض ولا فسح.

 

في يوم 16/10 تمَّ النداء على مجموعة بالاسم أذكر منهم: عصام العريان، حلمي الجزار، أحمد عمر، عبد الحليم مسلم، مجدي وردة، وتم اقتيادنا إلى عنبر التأديب، وبدأت مرحلة جديدة من علاقتي مع أمن الدولة، عنوانها التعذيب البشع في عنبر تأديب سجن الاستقبال لعدة أيام ثم أسبوعين تقريبًا في سجن المرج، ثم أكثر من شهر في سجن القلعة، كله كان للوصول إلى الحقيقة بشأن علاقتي والإخوان بحادث اغتيال السادات، ومدى الارتباط بيني شخصيًّا مع تنظيمات عديدة ظهرت للعيان بعد عمليات القبض العشوائية أو التي تداعت بسبب التحقيقات والتعذيب.

 

كانت بداية التعذيب بالصفع والركل والإهانات البشعة؛ لأن سجن الاستقبال لم يكن مهيَّأً لممارسة تعذيب منهجي، ولأن جهاز أمن الدولة كان توقَّف عن ممارسة التعذيب لبضع شهور أو سنوات؛ ما أدَّى إلى تعليق المسئولية على اللواء عليوة زاهر رئيس الجهاز في ذلك الوقت وتمت إقالته، وتولى اللواء حسن أبو باشا مسئولية الجهاز بعد أن أُبعد عنه.

 

كانت أعيننا يتم عصبها، وأيدينا يتم تكتيفها، ونُقاد مثل السوائم مع الشتم والضرب والركل إلى حجرات التعذيب، وكانت الأسئلة تدور حول علاقتي بالشباب في أسيوط والمنيا، وكذلك يتردد اسم عبود الزمر؛ لأنه من ناهيا، بلدي.

 

لم تمر سوى أيام قليلة حتى تم اقتيادنا إلى جهةٍ لم نعلم بها إلا بعد وصولنا، وكانت هذه الجهة هي سجن المرج شمال القاهرة، وهناك كان التعذيب على صورةٍ أخرى.

———-

* عضو مكتب الإرشاد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*