الإثنين , 20 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

فهمناهم ولم يفهمونا … بقلم: فهمي هويدي

بقلم: فهمي هويدي

فهمناهم وحفظناهم لكنهم لا يريدون أن يفهمونا، إذ صار بوسع الواحد منا أن يتنبأ بكل الخطوات التى ستتخذها الأنظمة العربية لمواجهة تسونامى الغضب الذى يجتاح المنطقة من المحيط إلى الخليج، لكن سلاطين زماننا يصرون على ألا يستقبلوا رسائلنا، وإذا استقبلوها فإنهم يرفضون فضها وقراءة محتواها، والذين يقرأونها منهم إما أنهم لا يصدقون أعينهم أو أنهم يعجزون عن استيعاب مضمونها.

ما يلفت النظر، والمدهش حقا، أن ردود أفعالهم واحدة فى كل الأقطار. كأنهم يستلهمون قراءاتهم ومواقفهم من كتاب واحد وزع على الجميع، بحيث إن «السيناريو» الذى وقع فى تونس نجده قد تكرر فى مصر واليمن، وهو ذاته الذى تابعناه فى البحرين والأردن، وفى سوريا أخيرا. ولن أستغرب إذا وقعنا على المشاهد ذاتها حينما ينتفض أهل بقية الأقطار فى العالم العربى، الأمر الذى يعنى أنهم لا يكتفون بتجاهل رسائلنا فحسب، ولكنهم أيضا لا يتعلمون من خبرات بعضهم البعض، فيكررون نفس الأخطاء ولا يجددون فى استجاباتهم.

إذ ما من بلد علا فيه صوت الناس بالتعبير عن الاحتجاج والغضب إلا وسمعنا ثلاثة ادعاءات، أولها أن البلد مستهدف من القوى الشيطانية الخفية. ثانيها أن ثمة عناصر مندسة ــ أصوليون بالدرجة الأولى ــ تحاول تشويه طهارة المحتجين عبر إذكاء الفتنة وإشاعة التخريب فى البلاد. وثالثها أن فى الموضوع مؤامرة تحركها الأصابع الأجنبية. وبعد إطلاق تلك القنابل الدخانية، تخرج علينا التصريحات والأبواق الرسمية محذرة من الخروج على الشرعية (التى اصطنعها النظام وصممها بحيث تخدم أغراضه). وفى الوقت ذاته يدعى الجميع إلى وقف التظاهرات والانتقال من الشارع إلى ساحات الحوار، الذى تديره السلطة على أرضها وفى الساحة التى تحددها. ويتعزز ذلك الطلب بحجة الحيلولة دون تمكين «المندسين» من اختراق الصفوف وتهديد الاستقرار. بالتوازى مع ذلك تطلق السلطة إشارات أخرى تتحدث عن اعتزامها اتخاذ مجموعة من الخطوات باتجاه الإصلاح، واعدة بتحقيق الانفراج السياسى، الذى يشمل إجراء الانتخابات البرلمانية وإلغاء قوانين الطوارئ وإطلاق سراح المسجونين والمعتقلين السياسيين. وذلك جنبا إلى جنب مع التلويح بإمكانية تحسين الأحوال المعيشية وزيادة الرواتب فى مسعى غير مباشر لرشوة الناس وإغوائهم.

لأن الجماهير فقدت الثقة فى أنظمتها، وقد علمتها خبراتها أنها غير جادة فى الإصلاح، وأن ما تريده حقا هو الالتفاف على الإصلاح من ناحية، وكسب الوقت لإضعاف وجه الغضب من ناحية ثانية. فإنها لا ترى بديلا عن استمرار التظاهر وممارسة الضغط من خلال الكتل البشرية التى تخرج إلى الشوارع والميادين. وحينذاك يصبح الرد كالتالى: الخطوة الأولى تتمثل فى التعتيم على ما يجرى، من خلال منع الصحفيين من الوصول إلى أماكن التظاهر، وقطع الاتصالات الهاتفية وتعطيل شبكة الإنترنت فى البلد، مع التشويش على قناة الجزيرة ــ فى الخطوة الثانية تلجأ السلطات إلى اعتقال قادة المظاهرات. وتأتى بعد ذلك الخطوة التى تعتبرها أجهزة إدارة الأزمة حاسمة للموقف، وتعتمد فى ذلك على تحرك ثلاث فئات هى: شرطة مكافحة الشغب والبلطجية (فى اليمن يسمونهم بلاطجة والكلمة تركية الأصل، حيث البلطجى وصف كان يطلق على حامل «البلطة» (القريبة من الفأس) وهو من كان يتقدم صفوف الجند لإزالة الأشجار التى تحول دون تقدمهم). أما الفئة الثالثة فهم القناصة الذين يعتلون البنايات لإطلاق النار على المتظاهرين.

إن شئت فقل إن الانتفاضات التى حدثت فى العالم العربى جميعها بدأت بغضب جماهيرى رافض لمهانة الظلم الاجتماعى والسياسى. وقد واجهته الأنظمة بنيران القناصة وأسلحة البلطجية وهراوات قوات مكافحة الشغب المكهربة. الناس أرادوا إصلاحا وكرامة والأنظمة ردت بقمعهم وسحقهم، الأمر الذى ترتب عليه إسالة دماء غزيرة وسقوط مئات الشهداء. وبتلك الدماء كتبت شهادة وفاة أنظمة عدة، بعضها سقط والبعض الآخر فى الطريق إلى ذلك.

إنهم لا يريدون أن يفهموا أن صبر الشعوب على المهانة له حدود، ولا يريدون أن يعترفوا بأن الناس يريدون أن يعيشوا كمواطنين لهم الحق فى الكرامة والكبرياء، فى حين يصرون على التعامل معهم بحسبانهم مجرد رعايا لا يمارسون سوى «واجب» الامتثال والخضوع. ليس ذلك فحسب ولكنهم لا يريدون أيضا أن يتعلموا مما يجرى حولهم، الأمر الذى يوقعهم فى أخطاء غيرهم. لذلك فليس بمقدورنا أن نعذرهم أو نتعاطف معهم، وعليهم أن يدفعوا ثمن اختيارهم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*