الإثنين , 20 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

في العنف ضد المسيحيين بمصر.. النفاذ إلى الجذور

د. عصام العريان

بقلم: د. عصام العريان

في لحظة صدق نادرة بسبب الغضب العارم ألقى الأنبا “كيرلس” أسقف نجع حمادي بالمسئولية على الحزب الوطني وقيادته في الحادث الإجرامي البشع الذي راح ضحيته إثر قداس عيد الميلاد يوم 7 يناير 8 مواطنين منهم جندي مسلم والبقية كلهم كانوا خارجين من الكنيسة بعد الصلاة قبيل منتصف الليل، ويتردد أن الأنبا عجَّل بالقداس؛ لأنه وصله تهديد وعلم بأن هناك تربصًا، وأن الرواية الشائعة تحتاج إلى تمحيص.

كان للغضب ما يبرره وللصدق دواعيه الحقيقية، فالأنبا أكد قبل أن يتراجع عن تصريحاته في اتصالاتٍ هاتفيةٍ مع الإعلام أنه كان مستهدفًا شخصيًّا، والحادث إجرامي ليس له صلة بأي تنظيمات متطرفة، وليس له خلفية دينية، بل إن الدافعَ وراء الجريمة البشعة كان الانتقام بسبب حادث اغتصاب شاب مسيحي لطفلة مسلمة أو بسبب توزيع (CD) لنساء يرتكبن الفاحشة بأجر ومعظمهن من أُسر غضبت لهن، والجميع من فقراء البلد دون أن يتحرَّك الأمن أو المسئولون، ويسرعون لمحاكمة الجناة، ومنهم الشاب الذي اغتصب الطفلة الذي ثبتت عليه التهمة، وهو رهن الاحتجاز منذ شهور والنفوس مشحونة بالغضب القبلي والاجتماعي في بيئة تجعل لجرائم الشرف اعتبارًا خطيرًا لعله أشدُّ من الاعتبارات الدينية نفسها.

اشتدَّ الغضب في الجلسة المشتركة التي عقدتها اللجان المتخصصة بمجلس الشعب، وتم استبعاد اللجنة الدينية لمناقشة الحادث والبحث في دواعيه إلى الدرجة التي هاجمت فيها النائبة المسيحية “جورجيت قلليني” المحافظ المسيحي لقنا “مجدي أيوب”، متهمةً إياه بالكذب وأنه سيدخل النار لأنه يُرضي النظام والأمن على حساب الحقيقة.

في نهاية الجلسة التي رأسها رئيس المجلس د. فتحي سرور بنفسه تقرر تشكيل لجنة لتقصي الحقائق استرشادًا بما تم عام 1972م عندما تشكَّلت لجنة مماثلة تاريخيًّا عن حادث الخانكة والحوادث المشابهة له، ولكنه ظلَّ حبيس الأدراج، ولم يتم تنفيذ إلا أقل القليل من توصياته، وبذلك دخلت مصر عصرًا جديدًا في الشحن الطائفي وتوترات بين المسلمين والمسيحيين في إطار اجتماعي.

منذ ذلك التاريخ تواكبت مع اعتلاء البابا “شنودة الثالث” كرسي مرقس الرسول ليستمر إلى يومنا هذا قائدًا سياسيًّا طائفيًّا وليس مجرد مرشدٍ أو باب روحي.

ظلَّ الاتهام معلقًا فوق رأس الحركات الإسلامية العنيفة التي مارست بالفعل إجرامًا ضد المسيحيين، خاصةً في الصعيد خلال السبعينيات، وصل إلى درجة القتل والتصفية الجسدية، لكن ذلك العنف الإجرامي كان له هدفان أساسيان:

أولاً: الضغط على الدولة والنظام لتحقيق هدف سياسي: سواء لتخفيف الضغط الأمني ضد الجماعة الإسلامية بالصعيد أو الاستجابة لمطالب طلابية أو اجتماعية.

ثانيًا: الحصول على أموال بنهب محلات الذهب التي في الغالب يملكها تجار مسيحيون، وإذا اضطروا إلى القتل فالدم مستباح لأسباب دينية خاطئة.

كان الإخوان المسلمون منذ نشأتهم يحتفظون بعلاقةٍ طبيعية مع المسيحيين الذين كان البعض من رموزهم يشاركون في أنشطة الإخوان كمستشارين سياسيين للمرشد العام أو يحضرون حفلات الإخوان في كافة المحافظات، والصور القديمة شاهدة على ذلك، ويكفي أن شارك في تشييع البنا مكرم عبيد وإبراهيم هلال الذي أصبح فيما بعد زعيم جماعة الأمة القبطية، وكان الإخوان يعلمون أن أحد أهم العقبات في طريق مشروعهم الإسلامي للنهضة والإصلاح عقبتان: داخلية وهي الموقف من غير المسلمين، وخارجية وهي العلاقة مع الغرب، والآن هناك تحالف واضح بين فريقٍ من المسيحيين بالداخل والخارج والقوى الاستعمارية الأمريكية للضغط على النظام المصري الذي يقول للخارج باستمرار إنه علماني، ويقول للداخل بإصرار إنه يُرسي أسس المواطنة كأساسٍ لعلاقة المصري بحكومته، وهو في كلاهما مدَّعٍ يحتاج إلى إثبات صدقه، وهيهات.. هيهات.

اليوم وبعد أن تصاعد غضب المسيحيين شبابًا ضد رموز الدولة والنظام عندما حطموا قسم الشرطة والمستشفى وهاجموا رجال الأمن أنفسهم، وقيادات دينية وجهت الاتهام للقيادات الشعبية والحزب الوطني الحاكم، وقيادات سياسية هاجمت القيادات التنفيذية ممثلةً في محافظ قنا المسيحي الذي اتهمته جورجيت قلليني النائبة المعينة بأن المسلمين يحبونه والمسيحيين يكرهونه، وهو اتهام عجيب جدًّا؛ لأن معناه أن أغلبية جماهير محافظته راضية عن أدائه، وأن المسيحيين الغاضبين في الغالب كانوا ينتظرون منه انحيازًا لهم بسبب ديانته المسيحية؛ مما أثار كراهيتهم له، ودافع عنه النائب مصطفى بكري القناوي الذي يعرف البلد أكثر.

تحرَّك أمين التنظيم في الحزب الوطني المهندس “أحمد عز” بسرعة، وهو الرجل القوي الذي يعمل من وراء ستار، وهو مهندس إعادة مؤسسة الحزب، وداعية الفكر الجديد والماكينة التي تعمل بهمة ونشاط من أجل التوريث، فقام بزيارةٍ لتقديم واجب العزاء شخصيًّا باسم الحزب ولتهدئة خاطر الأنبا كيرلس، ولعله لم يذهب لأسر الضحايا المساكين، وبعدها تغيَّرت لهجة الأنبا، وبدأ يراجع أقواله للإعلام ويتراجع عن اتهاماته الخطيرة للحزب الوطني والحكومة.

كان موقف نواب الحزب الوطني بمجلس الشعب والشورى مخزيًا، يكررون نفس الأسطوانة المشروخة التي دأب النظام وأعلامه ومؤسساته ورجالته على ترديدها طوال 40 سنة متواصلة، يدافعون عن الأمن ورجاله الذين هم في الحقيقة ضحية سياسات النظام ويسقطون ضحايا أيضًا في الهجمات الإجرامية قديمًا وحديثًا، ويدافعون عن الحزب واختياراته التي لا ترشح مرشحًا مسيحيًّا واحدًا خلال العقود السابقة، بينما رشح الإخوان المسلمون والتحالف الإسلامي الأستاذ جمال أسعد عبد الملاك في دائرة القوصية بأسيوط على رأس قائمتهم لينجح ويفوز بإرادة شعبية بأصوات المسلمين قبل المسيحيين الذين يصوتون للحزب الوطني بأمر الكنيسة والبابا والأساقفة، والحزب يضمن الفوز بالتزوير الفاضح؛ بمعنى أنه يُعيِّن مَن يشاء في مجلسي الشعب والشورى، ولا ينافسه أحد إذا أراد حسم المنافسة أو إلغاءها بالقانون أو بالأمن.

الآن، وفي هذا الحادث الذي أدانه الجميع وفي مقدمتهم الإخوان المسلمون ولأول مرة الجماعة الإسلامية التي راجعت مواقفها السابقة في شجاعة محمودة منذ عام 1997م وجميع النقابات المهنية كالأطباء والصحفيين والمحامين والصيادلة، وطبعًا الحزب الوطني وقياداته وإعلامه الذي كان اهتمامه الأكبر والأشد بالشهيد الذي سقط على الحدود مع غزة في رفح برصاصٍ مجهولٍ حتى الآن، وترك النفاذ إلى الجذور في الحادث الذي سقط فيه 7 ضحايا برصاص معلوم ولأسباب معلومة ولتردي سياسات الحزب الوطني الذي يُسيطر على الإعلام المصري تمامًا العام والخاص، ويتكرر سنويًّا ويتسبب في احتقانٍ مجتمعي بالغ الخطر ويؤدي إلى تدخلٍ خارجي وصل اليوم إلى إدانةٍ صريحة من بابا الفاتيكان شخصيًّا الذي ضمَّ مصر إلى العراق إلى غيرها من الدول التي لا يتمتع فيها المسيحيون بحماية كافية بسبب دياناتهم، وهو ما يخالف الحقيقة؛ لأن ملايين المسيحيين يعيشون في مصر منذ قرون وعقود بصورة طبيعية، ولم تتفاقم الأحداث إلا في السنوات الأخيرة في عهدي السادات ومبارك بسبب جوهري، وهو فشل النظام في التحول السياسي الحقيقي نحو الديمقراطية والتعددية السياسية الحقيقية التي تحتوى كافة التناقضات الموجودة في المجتمع وتساعد على إدماج الجميع بمن فيهم المسيحيين والمسلمين في الحياة السياسية والاجتماعية؛ مما يخلق مناخًا صحيًّا للإصلاح والتغيير وحل المشكلات التي لا بد منها في أي مجتمع، وتداول سلطة حقيقي عندما تفشل الحكومة في تحقيق إنجازات ملموسة أو تنفيذ برنامجها.

الحادث الذي وقع ليس طائفيًّا وليس له خلفية دينية ولم يتم استهداف المسيحيين بسبب دياناتهم، ولكنه حادث إجرامي خلفيته وقعة الاغتصاب السابقة، وقام به مجرمون محترفون يتم التحقيق معهم الآن.

الجديد والخطير أن حوادث التوتر بين المسلمين والمسيحين خلال العقد الأخير انتشرت من أبو قرقاص إلى المنيا وبني سويف، ووصلت إلى الإسكندرية ووقعت في قنا وسوهاج بالكشح، أي تنتقل من مكانٍ إلى مكان بوتيرةٍ متسارعة، وإن خلفيتها ليست جماعات متطرفة، بل مواطنون عاديون أو مجرمون محترفون، وأسبابها متنوعة بسبب شائعات تنتشر أو قصص حب أو فضائح أخلاقية أو تهم بالتنصير والتبشير أو اختطاف فتيات.. إلخ، أسباب اجتماعية وخلقية ينفخ النار فيها مناخ اجتماعي محتقن، وانسداد سياسي وثقافة متخلفة، وتعصب ديني وشعور بالاضطهاد لدى المسيحيين.

الجديد هو إحساس بدأ يظهر لدى المسيحيين أن انحيازهم إلى الاستبداد والفساد والنظام الفاشل الذي لم ينجح في إصلاحٍ سياسي أو مجتمعي حقيقي لم يُسفر عن أي أمن أو أمان لهم.

هل أدرك المواطنون جميعًا أن استمرار تلك الأوضاع سيؤدي إلى فوضى عارمة وفتنة لا تبقي ولا تذر، وأن المخرج هو الالتفاف حول برنامج وطني للإصلاح يضمن للمسلمين حقهم في تطبيق شريعتهم دون اعتراضٍ مسيحي، ويضمن للمسيحيين حقوقهم كاملةً كمواطنين ومساواة في الحقوق والواجبات أمام القانون؟

نحن جميعًا في مركبٍ واحد إذا غرق غرقنا جميعًا، وإذا نجا نجونا جميعًا.

لطفك اللهم بمصر.

————

* عضو مكتب الإرشاد