الخميس , 23 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

مستقبل الخطاب الإعلامي للحركات الإسلامية (2- 2)

مستقبل الخطاب الإعلامي للحركات الإسلامية (2- 2)

أولويات المرحلة

كان الخطاب الإعلامي للحركات الإسلامية قبل ثورة 25 يناير مختلفًا، وله أولويات فرضتها ظروف الحظر والتقييد والمطاردة الأمنية.

كان خطابًا متحديًّا يعلي من سقفه ونبرته الإعلامية، وكان خطابًا مدافعًا أحيانًا عن الهوية الإسلامية ضد محاولات الإقصاء والإلغاء.

اليوم وبعد ثورة مصر العظيمة تختلف أولويات الخطاب الإعلامي.

سيظل الخطاب الإسلامي مركزًا على القضايا التي تثبت الهوية الإيمانية أولاً قبل الهوية الإسلامية، بمعنى البحث عن المشترك مع الآخر المؤمنين بالله واليوم الآخر من أهل الكتاب وغيرهم.

هذا المشترك يشمل: الإيمان بالله رغم الاختلاف في طبيعة هذا الإيمان حتى بين بعض الطوائف المشتركة في دين واحد، فلا بد من اتحاد المؤمنين.

ويشمل التركيز على الأخلاق الأساسية التي جاءت بها كل الأديان، وتشترك معها فيها ثقافات وضعية؛ حيث لا يمكن لإنسان سويٍّ أن يُحرِّم الصدقَ أو يبيح الكذب، وكذلك الأمانة والخيانة، حتى هؤلاء الذين ينتهكون قدسية الحياة الزوجية وأصبحت سلوكًا مستقرًّا في حياتهم المجتمعية لا يمكن لهم أن يقولوا في العلن إن الخيانة الزوجية حلال، بل المشاهد أن تلك الخيانة تؤدي إلى انهيار مصداقية أي رئيس أو نائب برلماني.

وفي مجال القواعد الكلية للشريعة الإسلامية نجد أنها متفقة مع القواعد الكلية لكل المواثيق القانونية في الدول الكبرى، وعلى المستوى العالمي أيضًا.

ولا مجالَ للتفصيل هنا، ولكني أشير إلى بعضها: لا ضرر ولا ضرار، الضرر يُزال، المشقة تجلب التيسير، العبرة في العقود بالألفاظ والمباني.. الخ.

نحن- المسلمين- نؤمن بقول الله تبارك وتعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} (المائدة: من الآية 48)، ونؤمن بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} (الحجرات: من الآية 13)، ونؤمن بقوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا} (آل عمران: من الآية 64).

ونؤمن بقوله تعالى: {وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـهُنَا وَإِلَـهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)} (العنكبوت)، كما نؤمن بأن منهج الدعوة إلى الله الذى ألزمنا به ربنا: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل: من الآية 125) ونؤمن بقوله تعالى: {وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)} (فصلت).

ويأتي بعد ذلك التركيز على أن يكون التطبيق الإسلامي المعاصر للشريعة الإسلامية عن إقناع وإقبال وليس عن إلزام بسلطة القانون فقط.

لذلك على الخطاب الإعلامى للحركات الإسلامية أن يُركِّز على تقديم الإسلام في مجال المعاملات والعلاقات بين الناس، ونظَّم الحكم المختلفة والعلاقات الدولية إلى الناس، وإلى الخبراء، وأن يكون مجال المناقشة بموضوعية وعلم وبحث متعمق حول المبادئ الأساسية لتلك القضايا التي يسأل عنها الناس بعد أن غاب التطبيق الإسلامي لفترات طويلة عقب عصور الانحطاط في الفقه والفكر في البلاد الإسلامية، وبخاصة في مجال المعاملات والإدارة ونظم الحكم السياسية.

هذا خطاب متخصص للباحثين والأكاديميين والجامعيين الذين لهم بحوث رائعة وجيدة أعلم بعضها، واطلعتُ على الكثير منها، ولي سابق معرفة بهؤلاء بحكم دراستي في كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر بالقاهرة وبكلية الحقوق والآداب بجامعة القاهرة، وكان هؤلاء جميعًا يتم إقصاؤهم وعدم تسليط الضوء عليهم ولا على بحوثهم وإنتاجهم العلمي المتميز.

اليوم نحتاج إلى إبراز تلك الجهود مع ضرورة الانتقال إلى مجالات التطبيق العملي لهذه البحوث والدراسات في الحياة العامة، مع دراسة علاج المشكلات التي قد تنشأ عند التطبيق.

التحديات الكبرى التي يواجهها المسلمون الآن هي في مجالات: نظم الحكم وتطبيقاتها، نظم الإدارة العامة، الاقتصاد ومجالاته المتعددة، الإعلام وحرياته، الفنون بمختلف ألوانها، العلاقات الدولية والاتفاقات الدولية.

على كل أبناء الحركات الإسلامية وبناتها الذين يخاطبون الجمهور من خلال الوسائط الإعلامية والمنابر المختلفة، وبخاصة الشبكة العنكبوتية أن يوضحوا للناس أبعاد تلك القضايا، وأن ينتقلوا بالناس مع مواصلة خطاب الوعظ والإرشاد ودعم الإيمان والأخلاق- كما أسلفنا- إلى الحوار الموضوعي حول المبادئ العامة والركائز الأساسية لتلك النظم الحياتية.

على مقدمي البرامج ومحرري الصحف وصانعي الإعلام والشباب على شبكة الإنترنت والمدونين على شبكات التواصل الاجتماعي أن يقودوا الحوار نحو تلك الموضوعات الجادة بجانب الجوانب الخفيفة التي لا بد أن تستمر؛ لأن الحياة ما هي إلا مزيج بين هذا وهذا.

جانب ثالث مهم جدًا في الخطاب الإعلامي للحركات الإسلامية بعد الثورة أو قل الثورات العربية التي طرحت الحركات الإسلامية في صدارة المشهد السياسي والمجتمعي والإعلامي العالمي وليس العربي.

هنا لا بد للحركات الإسلامية أن تتبنى خطابًا إسلاميًّا عالميًّا موجهًا إلى العالم الحذر والقلق والمترقب لأداء تلك الحركات الإسلامية، والمتخوف من تطبيق الشريعة الإسلامية.

يجب علينا أولاً أن نُدرك أن ذلك الخارج ليس الغرب فقط، بل هو الغرب والشرق وإفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا، وأن لنا أصدقاء بين هؤلاء جميعًا، أصدقاء ضد الهيمنة الثقافية الغربية على العالم.

كما يحسن بنا أن ندرك أن الغرب ذاته ليس كتلةً صمَّاء بل هو تنوع ضخم ليس فقط بين الحكومات وبين الشعوب، بل حتى داخل تلك الحكومات نفسها.

وعلى الخطاب الإعلامي للحركات الإسلامية بعد الثورة أن يتوجه في المقام الأول إلى الجمهور الأوروبي والعالمي، وأن يُركِّز هنا على صانعي الأفكار والمؤثرين في الرأي العام من مفكرين وباحثين وجامعيين، خاصةً هؤلاء الصحفيين المتخصصين في الشئون الدينية والإسلامية.

جمعني لقاء مع جمعٍ من هؤلاء الباحثين وصل إلى قرابة الـ20، وعندما سألتُ الأخت التي نظَّمت اللقاء، وكذلك باتريك هاني من الطرف الآخر، عن الانطباعات بعد اللقاء أجمعوا على أنهم اندهشوا من تحميلي لهم مسئولية العداء الغربي الرسمي للحركات الإسلامية أو الانحياز الرسمي للعدو الصهيوني، وأنهم استنكروا أن أوجِّه إليهم الانتقادات التي نحب توجيهها للغرب، وأنني تكلمتُ بلغةٍ حسبوها حادةً.

إذن نحن نحدد أولوياتنا الآن، ولسنوات قادمة لمواكبة هذا التغيير الكبير الذي حصل، وعلينا أن نتطور مع تطورات الأحداث، ولكل حادثٍ حديث.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*