الأحد , 19 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

رسالتي إلى الإخوان المسلمين.. سبعة عقود في رحاب الإخوان المسلمين

مهدي عاكف

الحمدُ للهِ الذي أَكْرمَ خَوَاصَّ عبادِه المؤمنينَ بالأُلْفَةِ في الدين، ووفَّقَهم لِحَمْل رسالةِ الإصلاحِ والخيرِ إلى العالمين، ووعدَهم التوفيقَ والنصرَ في الدنيا وحُسْنَ ثوابِ الآخرةِ يومَ الدين، وصلى اللهُ وسلَّم وباركَ على إمامِ المرسلين، وقُدْوةِ الدعاةِ المجاهدين، وعلى آلِه وأصحابِه وأتباعِه الهُداةِ المصلحين، ومَنْ سار في طريقهم وسلك سبيلَهم إلى يوم الدين.

أما بعد؛ فهذه رسالةٌ استثنائيَّةٌ بكلِّ ما تحملُه الكلمةُ من مَعَانٍ؛ إذْ هي الرسالةُ الأخيرةُ التي أكتبُها من موقعِ المسئولية في هذه الجماعةِ المباركةِ؛ وفاءً لمبادئي، والتزامًا بما أعلنتُه منذ أن شرَّفني وكلَّفني الإخوانُ المسلمون بتحمُّل المسئوليةِ في الموقعِ الأوَّلِ لقيادةِ هذه الدعوةِ المنصورةِ بإذنِ الله، ليعلمَ القاصي والداني أنَّ الإخوانَ المسلمين لا يتلوَّنون ولا يتغيَّرون ولا يقولون إلا ما يفعلون.

حاجة العالم إلى دعوة الإخوان المسلمين

أيها الإخوانُ الأحباءُ، أشقاءَ الروحِ، ورفقاءَ الدرب، وشركاءَ الطموح والآمال، لقد كان مِنْ توفيقِ اللهِ لي منذ وقتٍ مبكرٍ في حياتي وقبل زُهَاء سبعين عامًا؛ أن عرَّفني بهذه الدعوةِ المباركةِ، وشرَّفني بلقاءِ مرشدِها ومؤسِّسِها الإمامِ الشهيدِ حسنِ البنا رحمه الله، وبصحبةِ رعيلِها الأوَّلِ من عظماءِ الرجالِ الذين عرفهم تاريخُنا الحديثُ من مصر وغيرها. ومِن تمامِ توفيقِه سبحانَه أن ثبَّتني عليها برغمِ كلِّ الضغوطِ والتَّحَدِّياتِ، وأسألُه سبحانه أن يختمَ لي بالموتِ عليها، حتى يجمَعَنِي برسولِه- صلى الله عليه وسلم- والدعاةِ مِنْ خلفِه يومَ اللقاء.

لقد أدركتُ بيقينٍ أنَّ هذه الدعوةَ هي حاجةُ مصرَ، بل حاجةُ العربِ، بل حاجةُ المسلمينَ، بل حاجةُ الدنيا بأَسْرِها؛ لما حَمَلتْه مِنْ مبادئَ جدَّدَتْ بها الإسلامَ العظيمَ، وكشفتْ روْعتَه، وصوَّبتْ فهمَ رسالتِهِ، باعتبارِها رسالةَ إصلاحٍ شاملٍ لكلِّ مَنَاحي الحياة، على حدِّ قوله تعالى ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)﴾ (الأنعام).

فبَعْدَ أن كان قد شاعَ خطأً أنَّ الإسلامَ مقصورٌ على ضُروبٍ من العباداتِ والرُّوحانيَّاتِ، جاءتْ دعوةُ الإخوانِ المسلمينَ لِتُعْلِنَ أنَّ الإسلامَ دينٌ شاملٌ، ينتظمُ شئونَ الحياة جميعًا، ويُفتي في كل شأنٍ منها، ويضعُ له نظامًا مُحكَمًا دقيقًا، ولا يقفُ مكتوفًا أمامَ المشكلاتِ الحيويَّة والنُّظُمِ التي لا بُدَّ منها لإِصلاحِ الناس، “فهو دولةٌ ووطنٌ أو حكومةٌ وأمةٌ، وهو خُلُقٌ وقوةٌ أو رحمةٌ وعدالةٌ، وهو ثقافةٌ وقانونٌ أو علمٌ وقضاءٌ، وهو مادةٌ وثروةٌ أو كسبٌ وغنىً، وهو جهادٌ ودعوةٌ أو جيشٌ وفكرةٌ، كما هو عقيدةٌ صادقةٌ وعبادةٌ صحيحةٌ، سواء بسواء”.

وما أشدَّ حاجةَ العالمِ كلِّه إلى أن يفهمَ الإسلامَ على هذا النَّحْوِ العظيمِ، فعندئذٍ تتحقَّقُ آمالٌ كثيرةٌ، وتَنْمَحِي مفاسدُ عظيمةٌ، ويَحِلُّ على البشريةِ سلامٌ تامٌّ وأمنٌ مُطْمَئِنٌ، فيَا لَيْتَ قومي يعلمون!.

منهاج الإصلاح عند الإخوان

أدرك الإخوانُ أنَّ السبيلَ إلى تحقيقِ هذا الفهمِ الصحيحِ للإسلامِ في الواقعِ يبدأُ بإصلاحٍ يزيلُ مِنْ واقعِ الأمةِ الشعورَ الخامدَ والخُلُقَ الفاسدَ والشُّحَّ المقيمَ، فقصدوا أولاً إلى تربيةِ النفوسِ وتجديدِ الأرواحِ وتقويةِ الأخلاقِ وتنميةِ الرجولةِ الصحيحةِ في نفوسِ الأمة، وعلى هذا الأساس:

1- وُضع المنهاجُ العقديُّ للإخوانِ المسلمينَ، مُسْتخلَصًا مِنْ كتابِ الله وسُنَّةِ رسولِه- صلى الله عليه وسلم- الصحيحةِ، لا يَخْرُجُ عنهما قِيدَ شَعْرَةٍ، بما يجعلُ الإسلامَ حيًّا في أعصابِ المسلمِ، يقظًا في وعْيِهِ وضميرِهِ، مُوَجِّهًا لحركتِه وسلوكِه.

2- ووُضع المنهاجُ التربويُّ للإخوانِ، الذي يحققُ الالتزامَ الصحيحَ بكُلِّ عباداتِ الإسلامِ وشعائرِهِ؛ التي هي أقربُ السُّبُل إلى تزكيةِ النفوسِ وتطهيرِ الأرواح.

3- ووُضع المنهاجُ الثقافيُّ المتكاملُ، الذي يحقق الفهمَ الصحيحَ الوسطيَّ لحقائقِ الإسلامِ مِنْ غير إفراطٍ ولا تفريطٍ، ويَعْصِمُ مِنْ الخلْطِ والشَّطَطِ، ويُرسِي الأَساسَ السليمَ للوحدةِ العربيةِ والإسلاميةِ الجامعة.

4- ووُضع المنهاجُ العمليُّ، ليطبِّقَ الإخوانُ مبادئَ الإسلامِ وأخلاقَه في الواقعِ في تعاملاتِهم وسُلوكِهم ومجتمعاتِهم، وقدَّم الإخوانُ- حيث وُجدوا- نماذجَ رائدةً في كل مجالاتِ العملِ المِهَنِيِّ والاجتماعيِّ النافع.

5- ووُضع المنهاجُ الحركيُّ والسياسيُّ المُسْتَلْهَم من الإسلامِ، فدعا الإخوانُ ولا يزالونَ يَدْعُون إلى إصلاحٍ شاملٍ كاملٍ، تتعاونُ عليه قُوَى الأمةِ جميعًا بلا استثناءٍ ولا إقصاءٍ، ويشاركُ فيه الشعبُ والأمةُ بكلِّ فئاتِها، ويتناولُ كلَّ الأوضاعِ الفاسدةِ بالتغييرِ والتبديلِ، انطلاقًا مِنْ دينِ الأمة وهُوِّيَّتِها الثقافيةِ والحضاريةِ، وشاركوا وسوف يستمرون في المشاركةِ الفعَّالةِ والإيجابيةِ في كلِّ عملٍ أو تَجَمُّعٍ يَهْدِفُ إلى إعزازِ أمتِهم ووطنِهم في كل ميْدانٍ، على المستوى المحليِّ والعالمي.

6- ووُضع المنهاجُ الجهاديُّ الصحيحُ، الذي يُفَرِّق بين مجاهدةِ المحتلِّ للبلادِ عن طريقِ المقاومةِ المسلَّحةِ وبين المجاهدةِ السِّلْميَّة للأنظمةِ الوطنيةِ الفاسدةِ عن طريقِ النصحِ والتوجيهِ والإرشادِ وتصحيحِ المفاهيمِ والمشاركةِ في الأنشطةِ الاجتماعيةِ والاقتصاديةِ والسياسيةِ، بعيدًا عن العنفِ وحمْلِ السلاحِ ونشْرِ الفوضى في المجتمعات.

7- ووُضعت اللوائحُ التنظيميةُ، لاستكمالِ الهياكلِ، وإعدادِ الخُطَطِ، وتحديدِ الإستراتيجياتِ، واتخاذِ القراراتِ، وتطويرِ الآليَّاتِ، وضَبْطِ سَيْرِ العملِ، ومتابعةِ تحقيقِ الأهدافِ، ورصْدِ الأحداثِ والمتغيراتِ، وتصحيحِ الأخطاءِ، في ظلالٍ من الأُخُوَّةِ والمحبةِ والثِّقةِ والانضباط.

كلُّ ذلك والإخوانُ يُراجعون مناهِجَهم ولوائِحَهم حينًا بعْدَ حينٍ، فيستحدثون ما يُصَحِّحُ الخطأَ ويُقَوِّمُ المسيرةَ، ويسمعون لِنَاصِحِيهم ومُحِبِّيهم، كما يستفيدون مِنْ ناقِدِيهم وخصومِ دعوتِهم، ولا يَأْلُون جُهْدًا في مراجعةِ مواقِفِهم وتطويرِ آرائِهم حَسْبَ الجديدِ الذي يُواجهونه مِنَ المواقفِ والأفكارِ، في مُرُونةٍ لا تُناقِضُ الثوابتَ ولا تَنْقُضُ المبادئَ التي اقتنعوا بها، وهم يدركون أنهم لَنْ يزالوا بخيرٍ ما قَبِلُوا النصيحة، ورضيَ اللهُ عن أميرِ المؤمنينَ عمرَ بنِ الخطابِ الذي دعا لمَنْ دلَّه على عيبِهِ، فقال: “رَحِمَ اللهُ امْرءًا أَهْدَى إليَّ عُيُوبِي”.

دعوة الإخوان هي دعوة الإنقاذ لأمتنا الحبيبة

لهذا لا جَرَمَ أن أقول: إنَّ في دعوةِ الإخوانِ المسلمينَ لو فَقِهَها الناسُ لَمُنقِذًا، وإنَّ في منهاجِهم الربَّانيِّ لو اتبعتْه الأمةُ لَنَجَاحًا، وإنَّ في جهودِهم لو أُعِينُوا عليها لأَمَلاً، وإنهم لَماضُون في طريقِهم لخدمةِ دينِهم وأمتِهم بإذنِ الله، لا يَضرُّهم مَنْ خَذَلَهم ولا مَنْ ناوَأَهُم، حتى يأذنَ اللهُ لأمتِهم وللدنيا أنْ تسعدَ بالخير الذي يحملون إليها، ولعلَّ من المناسب هنا أن أُذَكِّر قومَنا وأذكِّر المتحاملينَ على دعوتِنا، والمشكِّكينَ في مبادِئِنا ووطنيَّتِنا؛ بما تنطوي عليه نفوسُنا، وعبَّر عنه الإمامُ الشهيدُ حسنُ البنا في رسالة (دعوتُنا) حين قال:

“ونُحِبُّ أنْ يعلمَ قومُنا أنهم أحبُّ إلينا من أنفسِنا، وأنه حبيبٌ إلى هذه النفوسِ أن تذهبَ فِداءً لعزَّتِهم إن كان فيها الفِداءُ، وأن تُزْهَق ثمنًا لمجدِهم وكرامتِهم ودينِهم وآمالِهم إن كان فيها الغَنَاء، وما أَوْقَفَنا هذا الموقفَ منهم إلا هذه العاطفةُ التي استبدَّتْ بقلوبِنا، ومَلَكَتْ علينا مشاعرَنا، فأقضَّتْ مضاجِعَنا، وأسالتْ مدامِعَنا، وإنه لعزيزٌ علينا جِدُّ عزيزٍ أن نرى ما يُحيطُ بقومِنا، ثم نستسلمَ للذلِّ، أو نرضى بالهوانِ، أو نستكينَ لليأسِ، فنحن نعملُ للناسِ في سبيلِ الله أكثرَ مما نعملُ لأنفسِنا، فنحنُ لكم لا لغيركم أيها الأحبابُ، ولن نكونَ عليكم في يومٍ من الأيام.

ولَسْنَا نَمْتَنُّ بشيءٍ، ولا نرى لأنفسِنا في ذلك فضلاً، وإنما نعتقدُ قولَ الله تعالى ﴿بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (الحجرات: من الآية 17).

وكم نتمنَّى- لَوْ تنفع الْمُنَى- أن تتفتَّحَ هذه القلوبُ على مَرْأى ومَسْمَعٍ من أمَّتِنا، فينظرَ إخوانُنا: هل يَرَوْنَ فيها إلا حُبَّ الخيرِ لهم والإشفاقَ عليهم والتفانيَ في صالِحِهم؟ وهل يَجِدون إلا ألمًا مُضْنِيًا من هذه الحالِ التي وصلْنا إليها؟ ولكنْ حسْبُنا أن اللهَ يعلمُ ذلك كلَّه، وهو وحدَهُ الكفيلُ بالتأييدِ الموفِّقُ للتسديد”.

المستقبل لدعوة الحق التي يحملها الإخوان المسلمون

أيها الإخوان المسلمون، إنَّ المستقبلَ لجماعتِكم ولدعوتِكم ولدينِكم؛ لأسبابٍ واقعيةٍ كثيرة:

1- أولُها: وعدُ اللهِ للعاملينَ المخلصينَ لدينِه ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (النور: من الآية 55)، ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ (41)﴾ (الحج)، واللهُ لا يُخْلِفُ الميعاد.

2- أنَّ المشروعَ الربانيَّ الإصلاحيَّ الحضاريَّ الذي تحملونه قد دلَّتْ كلُّ وقائعِ التاريخِ وحقائقِ العقلِ والواقعِ أنه الأنفعُ للبشريةِ والمنقذُ لها من التِّيه، ولذلك فهو يحملُ سِرَّ بقائِه؛ كائنةً ما كانت الظروفُ الإقليميةُ والدولية ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ (الرعد: من الآية 17).

3- أنَّ المشروعَ النَّهْضويَّ الإنقاذيَّ الذي تستمسكون به قد رُوِي بدماءٍ زكيةٍ من شهداءِ هذه الدعوة المباركة، بدءًا من الإمامِ الشهيدِ حسن البنا، والمجاهدِ الشهيدِ عزِّ الدين القسامِ، ومرورًا بدماءِ شهداءِ الدعوةِ في سجونِ الظلمِ والطغيان: محمد فرغلي، وعبدِ القادر عودة، ومحمد يوسف هواش، وإبراهيمَ الطيب، وهنداوي دوير، ومحمود عبد اللطيف، وسيد قطب، وعبد الفتاح إسماعيل، وكمال السنانيري، وعبد الله عزام، وغيرِهم من الشهداء، وانتهاءً بشهداءِ العزةِ في فلسطين الحبيبة: أحمد ياسين، والرنتيسي، وصلاحِ شحادة، وفتحي الشقاقي، ويحيى عياش، ونزار ريان، وسعيد صيام، وغيرِهم من أبطال الجهاد والمقاومة، فضلاً عن عشراتِ الآلافِ مِنَ الصابرينَ الصامدينَ الذين تعرَّضوا لأنواعِ الظلمِ في سجونِ الظلمِ والطغيان، أو تحت نِير الأَسْرِ في سجونِ الاحتلالِ، والذين سطَّروا أروعَ تاريخٍ لثباتِ الإخوانِ المسلمينَ، عَبْرَ عُقُودٍ من الجهادِ والدعوةِ في مصرَ وفلسطينَ وغيرِهما. وهذه دماءٌ وتضحياتٌ لَنْ تضيعَ بإذن الله، وقد رأيتُم بشائرَ ثمارِها من التفافِ الأمةِ حولَ دعوتِكم، وتأييدِها الجارفِ لمشروعِكم، حتى صارتْ دعوتُكم مِلْءَ السمعِ والبصر في عشراتِ الأقطارِ العربيةِ والإسلامية.

4- أنَّ دعوتَكم وجماعتَكم تضمُّ عددًا هائلاً من أرقى النُّخبِ والعناصرِ الفكريةِ والعلميةِ والأكاديميةِ والاقتصاديةِ والسياسيةِ والمهنيةِ الصادقةِ والمخلصةِ، قلَّ أنْ يتوفَّرَ على مثلِها- كمًّا أو نوعًا- أيُّ فصيلٍ آخرَ أو دعوةٍ أخرى في هذا العالم، رغمَ كلِّ الضغوطِ التي تمارسُها الأنظمةُ الفاسدةُ المتسلطةُ، وهذا يعني أنكم تملكون مفاتيحَ المستقبلِ بإذن الله.

5- أنَّ مشروعَكُم النَّهْضَوِيَّ الإصلاحيَّ يجمع بين الأصالةِ والمعاصرةِ، ويتَّصفُ بالمرونةِ الإيجابيةِ، فهو إذْ يحافظُ على المقدساتِ والثوابتِ الشرعيةِ لا يتردَّدُ في التجاوبِ معَ كلِّ جديدٍٍ من الأفكارِ النافعةِ والصالحةِ، وشعارُه حديثُ النبي- صلى الله عليه وسلم-: “الْكَلِمَةُ الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ، فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا” (الترمذي وابن ماجه). فنحنُ أيُّها الإخوانُ نطلبُ الحكمةَ ونبحثُ عنها بمنتهى الجِدِّ والصِّدْقِ كما يبحثُ الإنسانُ عن ضالَّتِهِ التي تاهتْ منه، فإذا وجدها كان أحرصَ الناسِ عليها، وكذلك الإخوانُ لا يُفَوِّتون شيئًا من الحقِّ فيه صلاحُ أمتِهم، ولا يتأخَّرون عن قَبُوِل الصوابِ والرجوعِ إليه والاستمساكِ به، وذلك من أهمِّ أسبابِ نجاحِهم وقُوَّتِهم.

6- أنَّ الذين اتخذوكم خصومًا من الأنظمةِ المستبدةِ والطُّغَمِ الفاسدةِ لا يقفون على أرضٍ صُلْبةٍ، ولا يمتلكون عناصرَ في مثلِ طُهْرِكم وسلامةِ صدورِكم ونظافةِ أيديكم، ولا يتمتَّعون بأي قبولٍ حقيقيٍّ لدى جماهيرِ الأمة، ولذلك فهم يَحْمُون بعصا الأمنِ كراسيَّهم وفسادَهم، ولا يملكون القدرةَ على مواجهتِكم في مَيْدَانِ الفكرِ والسياسةِ وخدمةِ الأمةِ، ولا حيلةَ لهم غيرُ اعتقالِكم، ومحاولةِ إرباكِ مشروعِكم، والحيلولةِ بينكم وبين جماهيرِ أمتِكم، والاستقواءِ بالأجنبيِّ عليكم وعلى الأمةِ، وبذلِ غايةِ الجُهْدِ في الإيقاعِ بينكم، وتشويهِ جهادِكم، وقد أثبتت الأيامُ أنَّ ذلك لا يزيدُ الإخوانَ إلا تَوَحُّدًا في صفوفِهم، وثباتًا على مبادئِهم، ومحبةً لدى شعوبِهم وأمتِهم، على حدِّ قول أبي الطَّيِّبِ المتنبِّي:

وإذا أتَتْكَ مَذَمّتي من ناقصٍ فَهْيَ الشَهادَةُ لي بأنيّ كامِلُ

7- أنَّ مشروعَ الإخوانِ المسلمينَ للنهضةِ والإصلاحِ يعملُ على تحريرِ الوطنِ العربيِّ والإسلاميِّ مِنْ كلِّ سلطانٍ أجنبيٍّ في كلِّ المجالاتِ الاقتصاديةِ والسياسيةِ والثقافيةِ والرُّوحيةِ، وتحريرِ الأرضِ العربيةِ والإسلاميةِ مِنْ رِبْقَةِ الاحتلالِ، لذلك فإنَّ مشروعَهم يقفُ ضدَّه المشروعُ الصهيو أمريكي الذي يتعلقُ به نفرٌ من بني جلدتنا اتخذوا من خصومةِ الإخوانِ وتشويهِ صورتِهم الناصعةِ ومحاربةِ المشروعِ الإسلاميِّ عنوانًا لهم، ومشروعُهم هذا يَفْقِدُ يومًا بعدَ يومٍ قُوَّتَه وسَطْوَتَه وأنصارَه، ويتآكلُ- بسببِ مواقفِه الخاطئةِ- في كلِّ يومٍ رصيدُه الجماهيريُّ والشعبيُّ لصالحِ مشروعِكم الإسلاميِّ الحضاريِّ الذي يلقى إقبالاً متزايدًا وتأييدًا جارفًا مِنَ الشعوبِ الحرةِ الشريفةِ، وبِخاصَّةٍ شبابُها الناهضُ ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88)﴾ (ص).

إلى العمل الدءوب أيها الإخوان

لهذا أدعوكم أيها الإخوانُ المسلمونَ إلى التَّمَسُّكِ بدعوتِكم ومبادئِكم، والعضِّ عليها بالنواجذِ، وعدمِ التردُّدِ أو التراجعِ أمامَ هذا الاستهتارِ الظالمِ بحُريَّاتِكم، والحربِ الظالمةِ عليكم، والتضييقِ الباغي على أرزاقِكم، والتشويهِ الظالمِ لدعوتِكم ورموزِكم، فتلك ضريبةُ السَّيْرِ في طريقِ الإصلاحِ، وعُرْبُونُ النصرِ القريبِ القادمِ على الظلمِ والظالمينَ بإذن الله ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140)﴾ (آل عمران).

فاقتحموا المستقبلَ بما لديْكم من إيمانٍ عميقٍ، وطاقاتٍ رُوحيَّةٍ وماديَّةٍ ومعنويَّةٍ عظيمةٍ، وبما تملكون من عناصرَ مباركةٍ من رجالٍ ونساءٍ وشبابٍ وفتياتٍ، اجتمعوا على الحبِّ في الله، والأُخُوَّةِ على الإسلام، والثقةِ في المنهاجِ الحكيمِ، لا يعرفون اليأسَ، ولا يُقِيمون على الضَّيْمِ، ولا يتأخَّرون عن التضحيةِ في سبيلِ دينِهم وأمَّتِهم.

وإذْ أعلنُ لكم وللدنيا عن عزمي تحقيقَ ما وعدتُ به من إخلاءِ موقعِ القيادةِ لدماءٍ جديدةٍ، فإنَّني على ثقةٍ من أنَّ الجماعةَ التي تضمُّ هذه الطاقاتِ والخِبْراتِ لجديرةٌ بتحقيقِ الآمالِ واختيارِ أفضلِ العناصرِ بإذنِ الله، فلا تهابوا التغييرَ، ففيه بركةٌ عظيمةٌ، وإيَّاكم والإلْفَ أو التوقفَ عن تجديدِ الدماء؛ فإنَّ ذلك يُعطِّلُ الطاقاتِ، ويؤخِّرُ الوصولَ إلى الغايات.

وأما إخوانُنا الأحباءُ المغيَّبونَ خلفَ أسوارِ البغْيِ والظلمِ، في محاكماتٍ عسكريةٍ ظالمةٍ، أو في اعتقالاتٍ همجيةٍ آثمةٍ، أو في قضايا ملفقةٍ واهيةٍ، فإنني أقدم لهم خالصَ التحية وعظيمَ التقدير على صبرِهم وثباتِهم، كما أُقدِّم التحيةَ لآبائِهم وأمهاتِهم وزوجاتِهم وأولادِهم.. وأسأل الله لهم فرجًا عاجلاً، ولدعوتِهم فتحًا قريبًا.

إلى القوى الإسلاميةِ والقوميةِ والوطنيةِ في الأمة

إنَّ الإخوانَ المسلمينَ يدركون تمامَ الإدراكِ أنهم لا يُمكنُهم وحدَهم تحقيقُ أملِ الأمةِ في النهضةِ والإصلاحِ، ولا يَرَوْنَ أنفسَهم إلا فصيلاً مهمًّا وكبيرًا ومخلصًا من فصائلِ الأمةِ وقُواها الحيةِ، وأنَّ النجاحَ إنما يتِمُّ بتضافُرِ الجهودِ وتآزُرِ القُوَى، ومِنْ ثَمَّ فإنهم ما فَتِئُوا يَمُدُّون أيديَهم لكلِّ المخلصينَ والشرفاءِ من كافةِ التياراتِ والتوجُّهاتِ الحزبيةِ والسياسيةِ والفكريةِ للمشاركةِ والتعاونِ في العملِ لصالحِ الأمةِ، وإنَّ بينَ المخلصينَ من كافةِ التياراتِ وبين الإخوانِ لَكَثِيرًا من المشتركاتِ التي تنتظرُ شَدَّ اليدِ باليد وضَمَّ الجُهْدِ إلى الجُهْدِ، لما فيه الخيرُ والنفعُ للجميع، وإنا لفاعلون، فهل أنتم فاعلون؟.

ودَعُوني أُكَرِّرْ مضمونَ ما قاله الإخوانُ باستمرار: نحنُ الإخوانَ المسلمينَ لا نعملُ إطلاقًا على إقصاءِ أحدٍ أو تهميشِ دَوْرِهِ، ونرفضُ بكلِّ قوةٍ أن يعملَ الآخَرونَ على إقصائِنا أو تهميشِنا، ونرى بمنتهى الصدقِ والإخلاصِ أنَّ الوطنَ العزيزَ الذي نركبُ سفينتَه جميعًا في حاجةٍ إلى جهودِ الجميعِ برُؤاهم المتنوعةِ لإنقاذِ هذه السفينةِ التي تحملُنا جميعًا من الغرق، في ظلِّ ديمقراطيةٍ سليمةٍ وشورى حكيمةٍ، تُرْسِي مبدأَ المشاركةِ بين أبناءِ الوطنِ؛ لا مبدأَ المغالبةِ والإقصاءِ لأحدٍ، أو على حسابِ أحد.

وأما أولئك الذين يُصِرُّون على خصومتِنا، ويَأْبَوْن إلا الاعتداءَ والافتراءَ علينا والنظرَ إلينا بعين الشكِّ والرِّيبة، أو بعين الاستكبار والعُلُوّ، فلا نملك إلا أن نقول لهم ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ (القصص: من الآية 55)، وندعو لهم بما دعا به النبي- صلى الله عليه وسلم-: “اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ” (متفق عليه).

شكر وتقدير

لقد حملتُ مسئوليةَ قيادةِ هذه الجماعةِ المباركةِ ستَّ سنواتٍ، ازدحمتْ بالأحداثِ والأعمالِ، وكان إلى جانبي ثُلَّةٌ كريمةٌ من خِيارِ الإخوانِ من أعضاءِ مكتبِ الإرشادِ، كانوا نِعْمَ العونُ والسندُ لي ولهذه الدعوةِ المباركةِ، منهم مَنْ قضى نَحْبَه، نسأل اللهُ أن يتغمَّدهم برحمتِه، ومنهم مَنْ غيَّبَتْه يدُ الظلمِ خلفَ الأسوارِ، ومنهم مَنْ تعرَّض للبطشِ والتنكيلِ والاعتقالِ المتكرِّرِ، فما وَهَنُوا وما ضَعُفُوا وما استكانوا، وما تردَّدوا في القيامِ بالواجبِ، والتضحيةِ بالأوقاتِ والراحاتِ والأنفسِ، فلهم من الله عظيمُ الأجر والمثوبة، ولهم مني خالصُ الشكر والتقدير، وأسأل الله أن يزيدهم توفيقًا لما فيه خيرُ الدعوة وخيرُ الأمة.

كما أتقدمُ بخالصِ شكري وتقديري لإخواني الكرامِ مسئولي الجماعةِ في الداخلِ والخارجِ، القابضينَ على دينِهم، الثابتينَ على دعوتِهم، القائمينَ برسالتِهم، وأسألُ اللهَ أن يجزيَهم عن الدعوةِ وأهلِها خيرَ الجزاء.

وفي النهايةِ فكلُّ بشرٍ تحصلُ منه الهَنَاتُ والزَّلاتُ، ولستُ بدعًا من البشرِ في ذلك، وكلُّ بني آدمَ خَطَّاء، وخيرُ الخطائين التوَّابون، وأسألُ اللهَ أن يقبلَ عملي، ويغفرَ زَلَلي، وأنْ يختمَ لي بخيرِ ما يختمُ لعبادِه الصالحين، وآخرُ دعوانا أن الحمدُ لله رب العالمين، والله أكبر ولله الحمد، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين… والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

محمد مهدي عاكف

المرشد العام للإخوان المسلمين