السبت , 18 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

أحلامنا الكبيرة وحقيقتنا المرة

بقلم: فهمي هويدي

لم يصادروا الوطن فحسب، لكنهم صادروا أيضا حقنا فى الحلم بِغَدِه. ذلك أنهم حين اختطفوه فإنهم استأثروا بحاضره ومستقبله.

وليتهم سعوا إلى النهوض به، على الأقل كما يفعل أى صاحب «عزبة» بحيازته التى يملكها، ولكنهم شغلوا أنفسهم بنهبه واستحلابه.

كما يفعل أى محتل ينقض على ملك غيره. هذه الفكرة ظلت تلح علىّ طوال لقاء شهدته مع بعض الكتاب للاطلاع على المخطط الاستراتيجى لإعمار مصر.

إذ فوجئت بأن ثمة أحدا يفكر فى مستقبل البلد واستراتيجية إعماره، وكانت المفاجأة الثانية أن يستشار فى الأمر بعض أهل الرأى من المثقفين. أما المفاجأة الثالثة فهى ما رأيت وما سمعت. وهذه النقطة الأخيرة تحتاج إلى بعض التفصيل.

أدرى أن الأمر لم يخل من مسئولين من ذوى النوايا الطيبة حاولوا أن يفعلوا شيئا لصالح مستقبل البلد خلال السنوات التى خلت، لكن ذلك الجهد إما أنه أجهض ولم يكتب له الاستمرار، وإما أنه كان يتعامل مع الواقع المصرى من زاوية جزئية وليس من منظور شامل، وكانت النتيجة كما نراها الآن، أن النهابين للبلد ظلوا أضعاف البنائين.

وأن مصر توقفت عن النمو فى حين سبقها آخرون، ممن كانت بلدانهم قرى وأحراشا لا تُذكر على الخريطة، فى حين كانت مصر منارة يستضاء بها ومطمعا للمتغولين والفاتحين.

ظلت مصر كما هى، شعب مخنوق فى بلد فضفاض. ودولة فقيرة فى بلد غنى، إلى أن صارت جسما كبيرا بلا عافية، يركض فى مكانه طول الوقت لكنه لا يتقدم إلى الأمام، فلم يضيِّع نفسه فقط، لكنه ضيَّع من حوله أيضا.

إذ لا يعقل أن يظل الشعب المصرى على مدار تاريخه يعيش على نحو 6٪ من المساحة الكلية للبلد، وأن تظل 94٪ من أرض البلد صحراء جرداء خالية من العمران. ولا يعقل أن تطل البلد على سواحل بطول نحو 1700 كيلو متر (على البحرين الأبيض المتوسط والأحمر) وأن يقع فى قلب أهم مصادر الطاقة الشمسية فى العالم، وأن تكون 24٪ من أراضيه (على الساحل الشمالى) صالحة للتنمية بقليل من الجهد وكثير من الجدية والعزم.

ولا تسأل عما يتوافر له من معادن فى سيناء ومناطق أخرى، لا يعقل أن يتوافر للبلد كل ذلك إضافة إلى كثافة سكانه ورصيده من التاريخ والجغرافيا، ثم تكون حاله باعثة على الرثاء على النحو الذى لا تخطئه عين. إذ لا يليق به أن يعيش نحو ربع سكانه تحت حد الفقر، (نحو 20 مليونا بعضهم يسكن فى المقابر). وأن تبلغ نسبة الأمية فيه نحو 30٪ والبطالة عشرة فى المائة. وأن تصبح الفجوة بين أغنيائه وفقرائه صادمة ومفجعة كما هو الحال الآن.

اللقاء الذى أتحدث عنه دعا إليه الدكتور فتحى البرادعى وزير الإسكان. وخلاله تم توزيع نسخ من المخطط الاستراتيجى سابق الذكر. ورغم أنه جاء حافلا بالمعلومات الثمينة عن مختلف مصادر التنمية واحتمالاتها فى أنحاء مصر، فإن أهم ما فيه ثلاثة أمور:

الأول أنه جمع كل الدراسات التى سبق إجراؤها على أوجه التنمية فى مصر. الثانى أنه تناول فكرة التنمية من مختلف زواياها، العمرانية والاجتماعية والاقتصادية. أما الأمر الثالث والأهم فإن المشروع بدأ دعوة قوية لاستعادة عافية الوطن واستثمار طاقاته وقدراته البشرية والمادية. بمعنى أنه انطلق من فكرة الاعتماد على الذات أولا، وليس مد اليد إلى الآخر. وهو ذات النهج الذى سارت عليه ماليزيا وتركيا والبرازيل، الذى يختلف كثيرا عن النهج الذى اتبع مع باكستان وأفغانستان. وهما الدولتان اللتان بات يضرب بهما المثل فى العيش على أعطيات «الدول المانحة».

إحدى أهم الخلاصات التى خرجنا بها من الاجتماع أننا أمام مشروع كبير يتجاوز حدود وزارة بذاتها بقدر ما أنه يلبى طموح وطن يتطلع إلى حياة أفضل ومستقبل أكثر إشراقا. ومسئولية تحقيق ذلك الطموح تتحملها كل أجهزة الدولة وفعاليات المجتمع. والضمان الوحيد لتحقيقه يتمثل فى توفر الإرادة الجادة والحازمة لدى سلطة القرار. وبغير تلك الإرادة فلن يتوافر لذلك الطموح الاستمرار، وإنما سيتحول إلى حلم لاح فى الأفق. فهيج العواطف ودغدغ المشاعر ثم انزوى.

حين خرجت من الاجتماع وصادفت أكوام القمامة على طول الطريق المؤدى إلى بيتى. أفقت من الحلم الذى حلّقنا فى أجوائه على السؤال التالى: هل الذين فشلوا فى حل مشكلة القمامة فى البلد مؤهلون حقا للتطلع إلى النهوض به وإعادته إلى مجرى التاريخ؟!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*