الأربعاء , 22 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

تذكرة بمفاهيم أساسية 1

بقلم د. محمد عبد الرحمن

هذه السلسلة من المفاهيم الإسلامية ، لم تأت بجديد أو تتناول موضوعات مستحدثة ، وإنما هي إعادة التذكير بمفاهيم أساسية ، وأن غياب المرجعية للأصول والقواعد هو الذي جعل بعض التساؤلات تظهر في وسائل الإعلام وبين بعض الناس ، وهي أيضا تساؤلات قديمة ولكن بألفاظ ورؤية عصرية لهذا فإن ما تقدمه هذه السلسلة من مفاهيم هي رد وتوضيح لبعض التساؤلات .

ولا يمكن أن نحيط بكل الجوانب ونستوعب المعنى الكامل إلا بالرجوع لتلك القواعد الأصول في الدعوة ؛ فهي الإطار الحاكم والمرجعية لأي تصور ، وقد أرسى ووضح أبعادها الإمام الشهيد حسن البنا .

وأخيرا نسأل الله عز وجل أن يوفقنا في حسن العرض ليصل المعنى الذي نريده واضحا ، وما كان في هذا الأمر من صواب وتوفيق فهو من فضل الله أولا وأخيرا ، وما كان غير ذلك فهو من القصور البشري والخطأ غير المقصود ، فليتسع صدر القارئ العزيز لنا ، ويغفر لنا هذا القصور ، ونسأله صالح الدعاء .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين . وهو الهادي لسواء السبيل .

مقدمة

يطالعنا البعض كل فترة بفتوى أنه لا يجوز في المجتمع تشكيل جماعات أو تجمعات بخلاف التي تحددها الدولة ويرضى عنها الحاكم، وينسب هؤلاء ذلك القول العجيب للإسلام دون دليل شرعى واحد، ودون مناقشة أو استدلال عن أن هذا التجمع أو ذاك على الخير أم على الشر ؟

وكأن الإسلام ونظامه السياسى يقوم على الاستبداد وعلى نظرية الحاكم الأوحد، وأن كل الحقوق الإنسانية والمجتمعية مرهونة برأى ورضى هذا الحاكم.

وكأن الحرية والديمقراطية حرام على أمة الإسلام من وجهة نظرهم أما دول الغرب الرأسمالية ، فهى التى يجوز لها أن تتمتع بهذه الحرية وتلك النعمة.

ونسى هؤلاء أنه لوقت قريب قبل قيام الثورة فى مصر وقبل نشوء قانون الجمعيات، كان يحق لأفراد المجتمع تشكيل الجمعيات والأحزاب والهيئات وتعرض أمرها على الشعب ليحكم عليه وعلى جدوى هذا التجمع، ويكون القانون الصحيح المعبر عن إراة الأمة والمعتبر شرعا (وليس قانون الحاكم وبطانته) هو الذى يحاسبها عندما تأتى بأفعال تستوجب المحاسبة.

ولم يخرج لنا أحد من العلماء وقتها، ببطلان هذا الحال، بل إن الشيخ محمد عبده كان من دعاة الإصلاح والحرية، فى المجتمع فى هذا الشأن.

وهذا الأمر الذى ذهب إليه هؤلاء قد لا يحتاج إلى ردّ لبيان مدى الخلل والفساد فيه، لكن للأمر انعكاسات وتساؤلات أخرى تلقى بظلالها مما يحتاج لإعادة الحديث عن المفاهيم الأساسية للدعوة وتوضيح لجوانبها، لتحديد الرؤية الصحيحة فى مجال الدعوة والعمل للإسلام والإصلاح فى المجتمع.

هل الإسلام هو مجرد أخلاقيات وسلوك شخصى يقف بذلك عنده واجب الفرد وانتماءه لدينه.؟ أم هو تشريع كامل ونظام متقن يقيم دولة ويربى مجتمعاً ويشكل أمة مترابطة لها قيادة مؤمنة،وشريعة وأحكام تطبقها ورسالة تعمل لها. يشير الإمام البنا إلى ذلك الأصل فيقول:(الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعاً،فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة..كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء.. ) وهذا ما ذهب إليه جميع علماء ا لأمة.

حول مسئولية الحاكم والفرد :

هل إقامة شرع الله وتطبيق أحكامه وحدوده وتشكيل الدولة التى تحمل الرسالة وتؤدى ذلك واجب الحاكم – فإذا توفر وقام بذلك كان بها، وإذا انحرف كان هو الذى سيحاسب عن ذلك فقط أما أفراد الأمة فلا يلزمهم مسئولية  تجاه ذلك ؟

إن المطالع لأحكام الشرع والتكليف بإقامة شرع الله يجدها لم توجه فقط للحاكم وإنما وجهت للمسلمين، ويكون أداءهم لهذا التكليف بإقامة الحاكم الذى ينوب عنهم فى التنفيذ، وواجبه الأساسى هو سياسة الدنيا وحراسة الدين وأنه نائب عن الأمة فى ذلك.

فإذا قام من يؤدى ذلك ويساعد عليه، أصبح من فروض الكفاية المتحققة، وإذا لم يقم هذا الأمر فى واقعها فإنها تأثم جميعاً ويصبح تحقيقه فرض عين، كلٌ على حسب علمه وطاقته وبالضوابط التى حددها الإسلام.

وقد رسم رسول الله r الطريق لذلك، فربّى الناس على الإيمان ورسخه فى قلوبهم حتى وصل بهم من الانتشار والتأثير أن تحول غالبية المجتمع فى المدينة المنورة إلى الإسلام وأقام بهم دولته.

والآن ونحن فى مجتمع ينتسب للإسلام وأمة ممتدة عبر العالم بمئات الملايين لكنها متفرقة مشتتة، لا يقام فيها شريعة كما أمر الله، ولا تحمل رسالتها بالمستوى الذى يرضى الله ورسوله ، وبالتالى يصبح والحال كهذه أمراً واجباً على كل مسلم أن يصلح نفسه وأن يـدعـو غيره ويطـالب القائميـن المتغلبين بالرجوع إلى نهج الله حتى يأتى الحاكم الذى تربى على الفهم الصحيح ويؤدى واجبه وينزل على إرادة الأمة.

ولا يقتصر هذا الإصلاح على الحاكم بل يمتد ليشمل كل جوانب المجتمع من إصلاح الفرد لنفسه وفى محيطه ومجاله، وبناء البيت المسلم وإصلاح المجتمع ليتمسك بالقيم والمبادئ الإسلامية والارتقاء به ثم إصلاح الحكومة حتى تكون إسلامية بحق ولا يكون هذا إلا بتربية الجيل المسلم تربية  صحيحة فيكون منه الحاكم المسلم والقادة والمسئولين.

والحقيقة الأخرى أن هذا الأمر من الإصلاح والدعوة والتربية يحتاج مع الدعوات الصالحة والكلمات الحماسية إلى عمل مرتب ومنظم، فإن تربية الشباب والأجيال لا تنشأ بمسار عفوى، ولكن بجهد جماعى منظم متدرج يكمل فيه اللاحق ما بدأه السابق.

 

ضرورة العمل الجماعى :

وينشأ السؤال التالى هل التجمع للعمل لأى جانب من جوانب الإسلام والدعوة، أو العمل الجماعى من سمات المجتمع المسلم ويتمشى مع منهج الإسلام ؟

إنه فى عهد رسول الله r كان هناك تجمعات لأعمال البر ، فهناك طائفة الذين عرفوا بالقرّاء وقد تعاهدوا على منهج تربوى وأعمال للبر والخدمة العامة للفقراء ، وقد مدحهم رسول الله r ، وكانت هناك مجالس للذكر ومدارسة القرآن .

وكان هناك – فيما بعد – المرابطون على الثغور وقد وهبوا أنفسهم للدفاع عن الإسلام وحماية الدولة .. الخ .

وهاهى أحاديث رسول الله r تشير إلى التجمع للعمل الصالح والثبات عليه، فيتحدث عن طائفة تعتبر تجمعاً وجزءاً من الأمة: ” لا تزال طائفة من أمتى علىالحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم أو  خذلهم حتى يأتى أمر الله وهم كذلك .. ” أو كما قال .

أتكون هذه الطائفة أفراداً متفرقين أم تجمعًا وكياناً منظماً؟

وفى الآيات القرآنية ما يشير إلى ذلك : ] فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِـي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ [ [التوبة:122] .

وفى قوله تعالى : ] وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ [ آل عمران:104] .

وقوله:]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ.كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ . إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ[ [الصف:2-4].

فهذا الأمر من روح الإسلام وطبيعته حتى فى الأمور الحياتية العادية يشير إلى ذلك رسول الله r: ” إذا كنتم ثلاثة فى سفر فأمروا أحدكم ” ، ” يد الله مع الجماعة ” ، ” إنما تأكل الذئب من الغنم القاصية ” .

لقد اتفق العلماء أنه إذا كانت دولة الإسلام قائمة مؤدية لرسالتها العالمية، وأحكام الشريعة مطبقة وتهتدى بسنة رسول الله r فى عملها ومجتمعها .. إذا كان الحال كذلك، فإن الدعوة إلى الله داخل المجتمع وخارجه تكون فرض كفاية يقوم بها ذوى الهمة ومن اتصفوا بالصفات اللازمة لذلك نيابة عن الأمة كلها.

أما إذا كان كل ذلك غائباً ودولة الإسلام مفككة الأوصال وتطبيق أحكام الشريعة فى أغلبه ليس قائماً، والأعداء قد احتلوا أو سيطروا على أراضيها ومقدراتها، وبغوا عليها وعلى مقدساتها، فإن الدعوة إلى الله والعمل لإقامة كيان الأمة الإسلامية وتطبيقها لمنهج الله ودفع الأعداء عنها، كل ذلك يصبح فرض عين واجب على كل مسلم ومسلمة كلٌ بحسب قدرته وإمكانياته، وبحسب ما يتولى من السلطة سواء من أصغر فرد فى الأمة إلى أعلاها سلطة ومنزلة . وأقله فيما يجب عليه أن يكون قدوة صالحة فى نفسه وفى من يعول وأن يمتلء قلبه بالرغبة فى تطبيق شريعة الإسلام فى كل المجالات واسترداد مجد أمته، وأن يتعاطف مع دعاته والعاملين له، وأن يكره الباطل والفساد وما يحدث من اعتداء على مقدرات الأمة.

لابد أن يحس المسلم أنه صاحب رسالة وأنه حامل هداية ونور، حتى ولو كان علمه قليلاً وإمكانياته معدومة وأن يستشعر أنه جزء من أمة هى أمة الإسلام لها رسالة لهداية العالمين.

هذا هو الواجب والحال الذى وضحته الشريعة وذهب إليه العلماء وأن التفريط فى هذا الواجب وإن كان لا يخرجه من دائرة الإسلام أو من انتمائه للأمة الإسلامية إلا أنه تقصير وتكاسل وانشغال عن هذا الواجب حسابه ومرده فى ذلك إلى الله الذى يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور .

وبالنظر إلى هذا الحال وإلى الواجب المطلوب تحقيقه، فإن كل وسيلة مجازة شرعاً توصل وتؤدى لتحقيق هذا الواجب الشرعى، تصبح هذه الوسيلة واجبة والقاعدة الأصولية ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب توضح هذا وبالتالى فإن التجمع والتساند والتعاون فى أدائها يصبح فرضاً لازماً على كل من قدر وارتضى العمل بالدعوة إلى الله، وهذا العمل الجماعى للدعوة والإصلاح ينتقل من مرتبة الجواز والندب وفرض الكفاية فى حالة وجود الدولة الإسلامية القائمة بواجباتها، إلى درجة أعلى تصل إلى الفرض والوجوب فى مواجهة هذا الواقع الأليم.

ويؤكد على هذا المبدأ أو الأصل متطلبات الواقع الذى تواجهه عملية الإصلاح وأن هذا ضرورى حيث أن حجم المطلوب ضخم يمتد لأجيال لا تنفع فيها مجرد الجهود الفردية المبعثرة.

وأن الأمة وهذا حالها تتعرض لهجمة شرسة من أعدائها – أعداء الإسلام – وتتعرض لمشروع غربى صهيونى يستهدف عقائدها وأخلاقياتها ورسالتها، ويطمع فى خيراتها وأراضيها ويسهر على هذا المشروع دولاً ومنظمات فلا يمكن أن يواجه بأسلوب فردى أو تجمعات غير منتظمة تسير بلا خطة أو هوية – لهذا كان وجود عمل وكيان جماعى منظم مكافئاً للواقع الموجود سواء فى أداء جزئية من واجبات الإصلاح، أو وفق نظرة شمولية لكل مطالب الإصلاح، يعتبر واجباً من ناحية الأصل فى ذاته ومن ناحية أنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب …. ومن ناحية أنه المكافئ للواقع والتحدى الموجود، وبالتالى فهو وسيلة واجبة.

وتكون بذلك الرؤية الشرعية أن العمل الجماعى المنظم فى أى مجال من مجالات الدعوة فريضة وواجب شرعى، ولا يمنع هذا الأفراد أن يقوم كل بما يقدر عليه.

من ضوابط العمل الجماعى فى المجتمع:

وإذا تساءل أحد كيف تنشأ جماعات داخل المجتمع المسلم، والأصل فى المجتمع أنه أمة واحدة؟فالمقصود هنا أنها ليست جماعة بديلة عن المسلمين أو أنها جماعة المسلمين، ولكنها جماعة من المسلمين داخل نظام الأمة تنهض بهذا الواجب لتؤدى هذه الأمانة وتعذر إلى الله، فهى تقوم بذلك كواجب عليها وفرض سوف تحاسب عليه وتدعو غيرها ليقوم به.

والتجمع والتساند هنا لا يقف عند مجرد التواجد والعلاقة الحسنة، بل قد يرتقى حسب الواجب العملى إلى التجمع كصف وقيادة، ويلزم لصحة ذلك شروطاً منها:

  1. ألا يكون بديلاً عن الانتماء الواسع العام لأمة الإسلام.
  2. وألا يرفع السيف على أمة الإسلام.
  3. وألا يكفر أو يفسق من لم يكن معه فى ذلك، ولا يعتبر من تركه وخرج أنه خرج من الإسلام.
  4. ألا يعتبر نفسه جماعة المسلمين،بل هو جماعة من جماعات المسلمين التى تشملها عمومية الانتماء لأمة الإسلام.
  5. أن تكون رؤيته وأهدافه ووسائله منضبطه بشرع الله .

6. ألا يدخل فى حرب أو خصومة مع غيره من التجمعات التى تعمل للإسلام وهى منضبطة بضوابطه العامة ولا تخرج على أصول الشرع.

المفهوم الخاطئ لجماعة المسلمين :

إن ما جاء من ألفاظ فى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية مثل حزب الله، جماعة المسلمين، الفئة المؤمنة، الأمة الإسلامية، الفرقة الناجية .. الخ المقصود بها عموم الأمة الإسلامية، وليس يخصّ بها شريحة أوفريقاً منها فهى وصف للمجتمع المسلم وما يجب أن يكون عليه سواء كان هؤلاء موجودين فى إطار سياسى ودولة واحدة مثل ما كان الأمر فى دولة الخلافة أو متفرقين فى دول شتى، لكن يبقى الانتماء الإسلامى وعموم لفظ الأمة الإسلامية شاملاً لهم.

ومفهوم الحديث الذى جاء فيه أنه ستفترق أمتى على ثلاث وسبعون فرقة او شعبة الناجية واحدة والباقى فى النار، المقصود بها هو الفرق الضالة التى خرجت عن أصل الدين الإسلامى وأصبحت خارج الملة الاسلامية بإجماع الفقهاء أما المذاهب الفقيهة والأراء المختلفة فليست هى الفرقة  الضالة المقصودة.

ودعوى الانعزال بحجة غياب جماعة المسلمين وإمامهم حسب فهم البعض الخاطئ لمعنى قوله فاعتزل كل تلك الفرق ولو أن تعض بأصل شجرة، خاص بالفرق الضالة (وقد ورد حديث آخر عنهم:دعاة إلى أبواب جهنم من أجابهم قذفوه فيها) وأنه لا عذر لمن سار وراءهم حتى ولو بقى بمفرده، وليس يفهم من الحديث اعتزال العمل والدعوة للإسلام

كذلك من الصور الخاطئة لمعنى التمكين فى الأرض، أن يدعى أفراد أو فصيل أو تجمع إسلامى أنه على مساحة مسجد أو ساحة قرية أو أى مساحة جغرافية أنه قد أقام إمارة الإسلام وأنه أصبح أمير المؤمنين وأن الواجب على كل مسلم فى العالم البيعة له، فهذا من الخلل الفقهى والشرعى الذى يؤدى إلى التنازع .

إنه لابد للمجتمع بوحدته الجغرافية السكانية والدولة التى تمثله وتنظم أموره أن تنحاز للإسلام وتقيم أحكام الشرع من منطلق الفهم والقناعة والإيمان قبل هذا الادعاء وتنصيب نفسه أميراً للمؤمنين على العالم، لا يجوز شرعا أو أن ادعاء من معه من أفراد قد أصبحوا هم أهل الحل والعقد للأمة الإسلامية يقررون ما شاءوا فهذا انحراف لأن تنصيب الخليفة وأمير المؤمنين يكون بالتوافق بين عموم الأمة الإسلامية ويسبق ذلك استعادة الكيان الدولى للأمة الإسلامية ووحدتها وإقامتها للنظام الذى تسير عليه أمورها.

وبعضهم يدعى أنه أصبح هو جيش الإسلام الذى أعلن الجهاد والحرب على الكفار ويتحدى دول العالم وأن على الجميع الخروج معه، فهذا الحماس الذى لا يستند لأصل شرعى أو إعداد حقيقى أو فهم للواقع وقدرة على مواجهته هو مغامرة فاشلة تضر ولا تفيد وتخدم الأعداء قبل أن تخدم الأمة الإسلامية.

فالإعداد الصحيح يسبق شرعاً الجهاد بمعنى القتال ويضبطه أحكام الشرع ومبادئ الإسلام وليس هوى الأفراد وحماسهم.

توضيح الموقف من الحكام المتغلبين وانحرافهم

ويرى البعض أن وجود جماعات وكيانات تدعو للإسلام وتعمل له،فى هذا العصر الذى تغلب فيه الحكام وتظاهروا بالظلم والفسق، هو مخالف لرأى السلف وأنه يجب السمع والطاعة لهؤلاء الحكام ويستدلون بأحاديث، لم يفهموا نصوصها.

إن النصوص التى وردت فى الأحاديث وإن رأى علماء السلف فى الأمة، هو تحريم الخروج بالسيف على هؤلاء الحكام المسلمين الذين قصروا فى أداء واجباتهم وظلموا الناس، وذلك حفاظاً على الدم المسلم وعدم إشاعة الفتنة والقتال بين أفراده حيث هؤلاء حكام متغلبون معهم القوة والجنود والأتباع، ولم يذهب الحديث النبوى أو علماء الأمة إلى عدم العمل والدعوة والتربية والإصلاح فى المجتمع حتى ولو خالف ذلك رأى الحاكم فقد قال رسول الله r ” لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق ” والقعود عن واجب الإصلاح لمن قدر عليه معصية، كما أنه r نهى عن متابعة هؤلاء الحكام فى ظلمهم بل والتبرؤ منهم، والقيام بالأمر بالمعروف ونهيهم عن المنكر والصبر عما يلحق بالداعية من جراء ذلك وقد قال r ” أفضل ا لجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر”.

وقد قال r ” سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى سلطان جائر فأمره ونهاه فقتله” أو كما قال .

وقد تحمل علماء الأمة من السلف الصالح الأذى كالإمام أبى حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل وابن تيمية وغيرهم كثير فى سبيل القيام بدعوتهم والثبات عليها، ولم يكن هذا مسوغاً لرفع السيف أو القعود عن أداء الواجب الشرعى بالنصح وبالتالى لابد من مواجهة استبداد الحكام والأنظمة وطغيانهم وتفريطهم فى مقدرات الأمة وحقوقها، وذلك بالوسائل السلمية المختلفة.

وكان هذا هو رأى ومنهج الإمام الشهيد حسن البنا، حيث كان يرفض استخدام القوة والعنف داخل المجتمع المسلم مهما حدث، وعندما أقدم بعض الأفراد على مثل ذلك من أنفسهم قال فى بيانه المشهور، أنهم ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين، وإنما تكون القوة والقتال لمواجهة الأعداء، والمستعمر الغاصب مثلما حدث من كتائب الإخوان على أرض فلسطين ضد العصابات الصهيونية، وضد الاحتلال الإنجليزى على ضفاف القناة.

———–

عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*