الأربعاء , 22 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

إعادة بناء جهاز الشرطة

بقلم د. عصام العريان

أعادت أحداث الثلاثاء والأربعاء 27، 28/6/2011م أمام مسرح البالون ووزارة الداخلية، وفي قلب ميدان التحرير قضية “إعادة بناء جهاز الشرطة” إلى الواجهة من جديد.

لقد وضع نظام مبارك خلال الـ30 سنة الشرطة في مواجهة الشعب، وفي العقد الأخير وظّفت الأسرة جهاز أمن الدولة؛ ليقود الشرطة لخدمة مشروع توريث الحكم والوطن للابن وللمجموعة الضيقة من رجال المال والأعمال والإدارة الذين لا يتجاوز عددهم 500 أسرة.

وفي آخر حوار لي مع ضباط أمن الدولة بالجيزة عند خروجي الطبيعي لآخر مرة في عهد مبارك في أبريل 2010 قلت لهم مباشرة ومباغتة: لماذا تدعمون توريث الحكم لجمال مبارك؟
ردّ على وكيل فرع الجيزة للتطرف الديني (مسلمين ومسيحيين): وهل تريد أن نُدِّعم البرادعي أو أيمن نور؟

دار حوار طويل وغير منتج حول دور جهاز الشرطة وحدود وطبيعة هذا الدور، لم يكن الحوار منتجًا أو مفيدًا؛ لأن نظام الحكم كان استبداديًّا فاسدًا شموليًّا، الآن وبعد ثورة 25 يناير وبشائر النجاح التي لاحت للمصريين جميعًا أصبح السؤال مطروحًا بقوة، ولهذا الانحراف في دور الشرطة تاريخ طويل.

فمن الخطأ أن نتصور أن انحراف جهاز الشرطة المصري حديث العهد.

تستحضر الذاكرة الحكم التاريخي الذي أصدره عبد العزيز باشا فهمي في أواسط ثلاثينيات القرن الماضي واصفًا ما قام به مأمور مركز البداري بأسيوط في حق أحد عتاة المجرمين بأنه: إجرام في إجرام في إجرام.

إذن مشكلة الشرطة المصرية قديمة قدم تأسيسها، فقد نشأت في ظلِّ الاحتلال البريطاني لمواجهة الغضب الشعبي ضد الاحتلال، وكان مقتل حكمدار العاصمة “سليم زكي” إعلانًا بأن القوى الثورية فهمت المعادلة، وأن الشرطة المصرية يجب ألا تكون عصا في يد الاحتلال.

وكان تمرد الشرطة المصرية في 25 يناير 1951م أمام محافظة الإسماعيلية ضد الاحتلال (بلوكات النظام) إيذانًا ببدء مرحلة جديدة في تاريخ الشرطة.

ويذكر للراحل الكبير فؤاد باشا سراج الدين في سجل أعماله أنه شجّع هذا التمرد وباركه.

سرعان ما تعجَّل نظام “الضباط الأحرار” المخاض الطبيعي لثورة شعبية مصرية بدت بوادرها بعد فضيحة هزيمة الجيوش العربية بقيادة جلوب باشا أمام العصابات الصهيونية، وكان التعذيب السياسي قد بدأ على يد البوليس السياسي والقسم المخصوص فيما يُعرف بفضيحة “العسكري الأسود”، وبدأت جرائم الدولة بتوظيف أفراد في البوليس باغتيال الإمام الشهيد “حسن البنا” في جريمة دولة وليست قضية اغتيال سياسي كما حدث مع “بطرس غالي الجد” و”السردرلي ستاك” و”أحمد ماهر” و”النقراشي” أو جرائم اغتيال لدوافع سياسية مثل “الخازندار” ومحاولات الاغتيال الأخرى التي كان وراءها الجهاز السري لحزب الوفد في ثورة 1919م، والجهاز السري للحزب الوطني القديم والجهاز السري للإخوان المسلمين.

وظَّف نظام يوليو جهاز الشرطة لصالح إحكام القبضة على الشعب المصري؛ ليظل بعيدًا عن السياسة تمامًا، وينشغل بلقمة العيش في ظل خطة توظيف وتشغيل كبيرة ضخَّمت الجهاز البيروقراطي والإداري والعمالي في تكدس واضح لدولاب العمل في الدولة والمصانع الجديدة.

عانى المصريون أشدّ المعاناة تحت وطأة جهاز الشرطة الذي تضخم جدًّا، وخاصةً الدور الذي قام به البوليس السياسي الذي تم تسميته “المباحث العامة” ثم “أمن الدولة” وتغيرّ اسمه إلى “الأمن الوطني” ولم يعن تغيير الاسم شيئًا بالنسبة للمصريين، فقد تغير الاسم فقط، وبقيت السياسات كما هي، والمنهجية كما هي، بل ازدادت شدّة مع بقاء النظام كما هو، وتشبث الحكام بمقاعد الحكم بل وتوريثها للآخرين.

اليوم ونحن أمام تحدٍ عظيم وهو بناء نظام ديمقراطي جديد على أنقاض النظام الاستبدادي الديكتاتوري الفاسد، كيف نعيد بناء جهاز الشرطة؟ وما دور الشرطة كهيئة مدنية في ظل نظام ديمقراطي؟

تشعر الشرطة اليوم أنها انهزمت أمام الشعب في ثورة 25 يناير.

وهذا الشعور بالهزيمة هو أول ما يجب علاجه.

الشرطة تم توظيفها لصالح النظام والتوريث ولحماية الفساد.

الذي انهزم هو النظام والوريث والمفسدون.

الشرطة جزء من الشعب، وقد انتصر الشعب على ثالوث الاستبداد والفساد والتوريث ومع هذا الانتصار يجب أن يشعر جمهور العاملين بهيئة الشرطة أنهم في صف المنتصرين وليسوا من المهزومين.

يشعر العاملون في هيئة الشرطة بحيرة أمام التغييرات الهائلة التي حدثت، ويتخبطون في الأداء بسبب عدم وضوح الرؤية أمامهم، وعدم تدريبهم على العمل في أجواء ديمقراطية.

أهم التغييرات هو شعور الشعب بالعزة والكرامة، وأيضًا أن الشعب يفرض رقابته الشعبية على الأداء والعمل الشرطي، ولم يعد بإمكان أي ضابط أو أمين شرطة أو مخبر أن يعود سيرته الأولى.

كان بعض أفراد الشرطة يمارسون سياسة ابتزاز للمخالفين للقانون، غض الطرف عن تنفيذ القانون والمخالفات، مقابل الرشوة والرواتب الثابتة.

فساد في فساد، تغلغل الفساد إلى النخاع، وهذه ليست مسئولية الشرطة فقط، فالفساد متبادل من مخالفة القانون إلى عدم تنفيذ القانون.

أهم أدوار الشرطة في العهد السابق كان حماية النظام و ليس حماية الأمن العام.

الشعور العام كان انفصال الشرطة عن الشعب، فهي في مواجهة الشعب، ليس فقط السياسيون، بل حتى المجرمين الجنائيين، فهم عرضة لتلفيق القضايا رغم وجود قرائن وأدلة على ارتكابهم للجرائم الجنائية.

المعاملة في الأحوال المدنية والأقسام العادية لم تكن سلسة بحال من الأحوال.

دخول أقسام الشرطة كان بمثابة مغامرة عصيبة تحتاج إلى الواسطة لإنجاز أي بلاغ أو استفسار عن بلاغ أو شكوى.

الحديث عن السجون هو حديث الشجون؛ لأن عامة السجون تحت إشراف الشرطة تعاني الكثير بسبب التكدس وسوء الأحوال الصحية وسوء المعاملة رغم كل المحاولات في السنوات الأخيرة لإصلاح السجون، لكن دون إصلاح المنظومة كلها، فكأن الإصلاحات هي نفخ في قربة مقطوعة.

في البداية علينا أن نعقد ورش عمل متواصلة تصم متخصصين وخبراء في كل المجالات لبحث قضية محورية في الموضوع:

“دور جهاز الشرطة في ظل نظام ديمقراطي”

وعلى مائدة البحث يتم الحوار:

– ما الأقسام التي يجب الإبقاء عليها في هيئة الشرطة؟

– هل يجب فصل السجون وإلحاقها بوزارة العدل؟ وكذلك الانتخابات لتلحق باللجنة المستقلة؟

– هل يمكن استقلال الأحوال المدنية والجوازات والهجرة لتضم إلى هيئات أخرى أو تنشأ كهيئات مستقلة؟

– ألا يمكن الاستفادة بتجربة بريطانيا بفصل المباحث الجنائية عن الشرطة؟

– هناك اقتراح بإلحاق الأمن المركزي وقوة مكافحة الإرهاب بالجيش، أو إنشاء جهاز مستقل لها.

وعلى مائدة الحوار علينا أن نستقرأ تطورات الأوضاع في المستقبل القريب، فمن الواضح أن المظاهرات ستتوالى وتتصاعد والاحتجاجات ستنفجر في وجه الحكومات المقبلة، وعلى الشرطة أن تتعود على حماية المتظاهرين وليس قمعهم، فهي في صف ضبط الحق في التظاهر وليس منع المظاهرات، وهذا يحتاج إلى قانون واضح.

نحن في حاجة إلى توظيف الموارد التي كانت تخصص لأدوات القمع لتدريب رجال الشرطة في مجال حقوق الإنسان والبحث الجنائي وحماية الحريات العامة.

لنا تجربة سابقة مع مؤسسة وطنية أهم وأخطر أعدنا اكتشافها من جديد مع ثورة 25 يناير، الجيش المصري.

لقد تصور البعض أن جيش مصر العظيم انهزم في معركة 1967م، ولكن الحقيقة التي ظهرت كانت هزيمة النظام السياسي الذي كان يدير المعركة، أما الجيش الوطني فقد كان ضحية السياسة.

عندما تم اتخاذ قرار سيادي واضح بأن يصبح الجيش مهنيًّا فقط بعيدًا عن السياسة ليستعد للمعركة الفاصلة، وتم الحسم في ذلك بقرار من عبد الناصر وبإزاحة المشير ورجاله، ثم بقرار من السادات عندما حدث خلاف بينه وبين رجال عبد الناصر الآخرين.

استعاد الجيش ثقته بنفسه في حرب الاستنزاف العظيمة، ثم في حرب أكتوبر التاريخية، وقرر الجيش الاستمرار في مهمته الوطنية في ظل الدستور القائم.

وعندما قامت الثورة قرر الجيش الاعتراف بعدالة المطالب الشعبية، وقرر حماية الشعب حتى تتحقق مطالبه العادلة، وأنه ليس بديلاً عن الإرادة الشعبية، ولا تلك القوى التي تفرزها الانتخابات النزيهة الحرّة، بل أعلن التزامه التام بالجدول المقرر في الإعلان الدستوري بإجراء الانتخابات في نهاية سبتمبر.

أثبت الامتحان في ثورة 25 يناير نجاح الجيش وانحيازه إلى الخيار الديمقراطي.

نحن أمام تحدٍ أكبر؛ لأن الشرطة في الأصل تتعامل مع المجرمين المنحرفين وليس مع الأعداء الخارجين، وانحرفت عندما تم توظيفها ضد السياسيين، الجيش نظامي في الثكنات، بينما الشرطة في الشوارع مع الناس.

ومع ذلك فإن مصر قادرة على مواجهة التحدي وبناء رؤية ومنهجية جديدة لجهاز شرطة مدني يليق بمصر الثورة، مصر الحرّة، مصر الديمقراطية.

ذكرى المسيري

وجوه غابت عن أحداث ثورة 25 يناير مع أنها شاركت بقوة في الأحداث، غيبّها الموت أو المرض أو السفر.

أبرز هذه الوجوه الأخ والصديق الفقيد الراحل د. عبد الوهاب المسيري.

رحمه الله رحمة واسعة وأقرّ عينه في قبره بحرية مصر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*