الجمعة , 24 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

الإمام البنا ومنهجه في التعامل مع الغير (1-2)

د. محمد عبد الرحمن

 الإمام البنا ومنهجه في التعامل مع الغير

كان الإمام البنا حريصاً على تحديد علاقات الجماعة، كجماعة وأفراد، مع الآخرين سواء كانوا كيانات وجماعات أو تيارات فكرية وسياسية، أو أفراداً داخل هذا الإطار.

وكان يحدد كل ذلك وفق منهجية استمدها من تعاليم الإسلام، ومن تقييم وإدراك الواقع الذى حوله.. وقد اتضح هذا فى رسائله وفى تطبيقه العملى لتلك المبادئ.

كان أسلوب الإمام الشهيد يتميز بالأسلوب الاستيعابى وليس التصادمى، مع عدم التنازل عن قول الحق وتوضحيه.

كان رحمه الله يبدأ بنقاط الاتفاق أولاً، وليس بنقاط الخلاف، مع توسيع مساحة هذا الاتفاق بالدعوة والتفاهم قدر الإمكان، ثم الأسلوب العملى الإيجابى الذى ينتج عن هذه المساحة المشتركة، ولا يقف عند حدود الكلام النظرى، بل حسن توجيه الآخرين لآداء عملى إيجابى يساهم فى إصلاح المجتمع.

و”الغير” الذى يشمله الحديث هنا، قاصر على الكيانات والتجمعات داخل الوطن والعاملة فيه بكل أنواعها، أما الحكومات والدول الآخرى فلها مجال آخر فى الحديث عنها.

وحسن التعامل مع الآخر ليس تكتيكاً أو موقفاً مرحلياً، ولكنه مبدأ تنطلق فيه الجماعة من الضوابط الشرعية والآداب الإسلامية فى التعامل مع الآخرين، والتعاون مع القوى الأخرى ليس وسيلة لمجرد تحقيق الاستفادة، وإنما مسألة مبدأ، فهى أى الجماعة أصحاب دعوة خير يستهدفون وصولها للجميع ومنهج للإصلاح يتعاون فيه الجميع.

ومع الحرص على هذه الضوابط، كان هناك كذلك الحرص على تميز الدعوة والجماعة فلا تذوب خلال هذا الحراك وذلك التفاعل، أو تنصرف عن خطتها الرئيسية وأهدافها الأساسية، أو يفقد أفراد الصف الرؤية والبوصلة التى يتحركون بها والمرجعية والولاء الذى يربطهم بجماعتهم وقيادتهم.

كما أنهم لا يتوقفون فى تحقيق أهدافهم وإنجاز دعوتهم على أحد مهما بلغ شأنه أو على أى كيان أرضى حتى ولو كان فى السلطة، بل يعتمدون ويتوكلون على الله فقط ولا تتعلق قلوبهم بغير ذلك مهما حدث من حولهم، ومهما تناولوا من أسباب ووسائل هم مطالبون بالاجتهاد فيها.

والاعتزاز بالدعوة واليقين بصوابها والثبات عليها، لا يتعارض مع التعاون والتعامل مع الآخرين، بل يدّعم ذلك، لأنه اعتزاز ينشأ معه حب الخير للناس والحرص علي وصول هذا الخير لهم، وإحساس بسمو الدعوة فتسمو معها أخلاقهم وتصرفاتهم، ولا يتأثرون بردود أفعال الناس نحوهم أو يشغلهم ذلك عن التمسك بالدعوة وأخذ أنفسهم بها.

يقول الإمام الشهيد فى مذكرات الدعوة والداعية عن سمو هذه الدعوة لأنها دعوة الإسلام التى نجهتد فى حملها وندعو الآخرين لحملها أيضاً ..” فدعوتكم أحق أن يأتيها الناس، ولا تأتى هى أحداً، وتستغنى عن غيرها، وهى جماع كل الخير، وما عداها لا يسلم عن النقص، إذن فاقبلوا على شأنكم ولا تساوموا على منهاجكم، واعرضوه على الناس فى عزة وقوة، فمن مدّ لكم يده على أساسه فأهلاً ومرحباً فى وضح الصبح وفلق الفجر وضوء النهار، أخ لكم يعمل معكم  ويؤمن إيمانكم وينفذ تعاليمكم ومن أبى فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه “([1]).

ويقول الإمام الشهيد أيضاً: ” موقفنا من الدعوات فى هذا البلد : دينية واجتماعية واقتصادية وسياسية – بناء على طبيعة دعوتنا – موقف واحد على ما أعتقد : نتمنى لها جميعاً الخير وندعو لها بالتوفيق، وأن خير طريق نسلكها ألا يشغلنا الالتفات إلى غيرنا عن الالتفات إلى أنفسنا، إننا فى حاجة إلى عدة وإلى تعبئة، وإن أمتنا والميادين الخالية فيها محتاجة إلى جنود وإلى جهاد، والوقت لا يتسع لنتطلع إلى غيرنا ونشتغل به، كل فى ميدانه والله مع المحسنين حتى يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق “([2]).

ويقول أيضاً: ” الإخوان يجيزون الخلاف ويكرهون التعصب للرأى ويحاولون الوصول إلى الحق ويحملون الناس على ذلك بألطف وسائل اللين والحب “([3]) .

والتمسك بالحق طالما ثبت أنه حق، ليس تعصباً وإنما هو ثبات على الحق، وإنما يكون التعصب : فى الرأى الناتج عن الاجتهاد البشرى القابل للتمحيص والمراجعة، ولا يعنى الثبات على الحق الاستعلاء على الآخرين، أو الانصراف عنهم، بل إفساح الصدر لهم ومناقشتهم بالحكمة والموعظة الحسنة لإقناعهم بهذا الحق.

والإخوان ليس من منهاجهم – كما رباهم الإمام الشهيد – احتكار الساحة العامة أو الانفراد بها، بل منهجهم – الذى يحرصون عليه – هو منهج : المشاركة، والتعاون وعدم الإقصاء، والاحترام المتبادل. رغم أن الواقع التاريخى منذ نشأتهم أظهر مدى ضيق بعض الآخرين بها، وحربهم لها، والتضييق عليها،والتشهير بها والحسد لما تحققه من نجاحات، وليس هذا تقولاً بالظن ولكنها حقائق التاريخ وأحداثه الثابتة، وسيظل بإذن الله هذا منهجهم وطريقهم مهما حدث لهم.

يقول الإمام الشهيد : “فدعوة الإخوان دعوة بيضاء نقية غير ملونة بلون، وهى مع الحق أينما كان تحب الإجماع وتكره الشذوذ، وإن أعظم ما منى به المسلمون الفرقة والخلاف وأساس ما انتصروا به الحب والوحدة “([4]) .

” وإنها دعوة بريئة نزيهة قد تسامت فى نزاهتها حتى جاوزت المطامع الشخصية واحتقرت المنافع المادية وخلفت وراءها الأهواء والأغراض” أ.هـ([5]).

كما تتعامل الجماعة بحكمة ووعى مع بعض الشخصيات التى تجرى وراء الشهرة وعلو الصيت لتجعل لها أنصاراً وأشياعاً يلتفون حولها لتنافس بهم الآخرين، وتحقق بهم مطامعها ورغباتها،وهذا وارد فى أى مجتمع .

لكنها لا تأخذ بالظن وتوزع الاتهامات أو تدخل فى صراع أو هجوم على أحد وتترك الجماعة للزمن وللمواقف والأحداث مما يظهر معه التمييز بين الغث والثمين،ويكشف عن مثل هذه النوعيات التى تتوهج فترة ثم لا تلبث أن تنطفئ”.

المبادئ التى تقوم عليها منهجية التعامل:

وضع الإمام الشهيد منهجية عامة فى هذا المجال تقوم على عدة مبادئ وأسس منها:

  1. مبدأ قبول الاختلاف .
  2. مبدأ الحوار والتفاهم.
  3. مبدأ التعاون .
  4. مبدأ الاحترام وعدم  التجريح.
  5. مبدأ توجيه الدعوة وحسن عرضها .
  6. مبدأ التوجيه الإيجابى والعملى .
  7. مبدأ الثقة والوفاء بالالتزامات .

وسنتناول بإذن الله بعضها بصورة مختصرة :

* إن اختلاف وجهات النظر واختلاف مناهج التفكير وبرامج الإصلاح، أمر أساسى لابد منه، لأنه ليس خلافاً فى الأصل والمبدأ، ولا يمكن أن نتحد فى كل الفروع والتصورات، وهذا الاجتهاد البشرى لا يكون سبباً للخلاف والشقاق والخصومة، وإنما يكون معه الحوار والتفاهم فى جو الصفاء والحب.

يقول الإمام الشهيد : ” ونحن مع هذا نعتقد ان الخلاف فى فروع الدين أمر لابد منه ولا يمكن أن نتحد فى هذه الفروع والآراء والمذاهب، لأسباب عدة”([6]) .

” نعتقد هذا  فنلتمس العذر كل العذر لمن يخالفوننا فى بعض الفرعيات، ونرى أن هذا الخلاف لا يكون أبداً حائلاً دون ارتباط القلوب، وتبادل الحب والتعاون على الخير “([7]).

* ” يعلم الإخون المسلمون كل هذه الحيثيات، فهم لهذا أوسع الناس صدراً مع مخالفيهم ويرون أن مع كل قوم علماً وفى كل دعوة حقاً وباطلاً، فهم يتحرون الحق ويأخذون به، ويحاولون فى هوادة ورفق إقناع المخالفين بوجهة نظرهم، فإن اقتنعوا فذاك، وإن لم يقتنعوا فإخوان فى الدين نسأل الله لنا ولهم الهداية”([8]) .

* إن مبدأ التعاون يكون فى المساحة المشتركة المتوافق عليها، ومجال الدعوة الإسلامية وكذلك شأن إصلاح حال الوطن،يمثل مساحة كبيرة وليست قليلة إذا خلصت النوايا،وهى لا تستلزم أن يتنازل أحد أو فصيل عن مبادئه أو منهجه الخاص به أو يتوقف عن العمل حسب رؤيته، فيكون “التعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا  بعضاً فيما اختلفنا فيه” .

وقد عرض رسول الله r التعاون فيما كان فيه حلف الفضول مع الآخرين، وكانوا كافرين وقال r “إن دعيت به فى الإسلام لأجبت”، أو كما قال.

* وإن مبدأ عدم تجريح الهيئات والمؤسسات والأفراد  من مبادئ الدعوة الأساسية التى تلتزم بها الجماعة وأفرادها تجاه الآخرين حتى ولو أساءوا إليها أو اختلفوا معها، وهى لا ترضى بمشاركة أحد فى هذا التجاوز أو تسكت عنه، وهى تتعاون وتتحاور مع الآخرين متمسكة بالخلق الإسلامى واحترام الآخر، فى التعامل والحديث دون استعلاء أو تباهى والبعد عن التسفيه واتهام النوايا، حتى ولو انتقل هذا الآخر الوطنى إلى  صف الخصوم للدعوة.

* كما أنه عند التعاون المشترك، تحدد الجماعة بوضوح دورها وتفى بصدق بالتزاماتها حتى وإن قصّر الآخرون فى التزاماتهم، ومن خلال الاحتكاك العملى ووضوح أسلوب الجماعة وشفافيته تنشأ الثقة بين الأطراف فيساعد هذا على مزيد من التعاون والعمل الصالح.

* والإخوان لا يتحزبون مع فريق ضد فريق، وإنما يشاركون لتحقيق مصلحة للوطن أو رفع ظلم وتجاوز تمّ فى حقه.

يقول الإمام الشهيد : ” ويخطئ من يظن أن الإخوان المسلمين يعملون لحساب هيئة من الهيئات أو يعتمدون على جماعة من الجماعات “([9]) .

* ومع هذا الاحتكاك والمشاركة العملية والتواصل الفردى والمؤسسى، يحرص الإخوان على عرض الدعوة العامة للإسلام ومنهجها للإصلاح كواجب عليها تجاه كافة المسلمين وأبناء هذا الوطن، ويكون هذا العرض من خلال الأسلوب العملى والحوار الهادئ والحب والاهتمام الذى يجب أن يكون عليه قلب الداعية، ومع هذا السمو الأخلاقى لا يسمح الداعية أن تهاجم أصول الإسلام دون أن يردّ، أو أن يُرتكب فى اللقاء ما يخالف إسلامه، كتناول البعض للخمر مثلاً .

نقاط حول هذا التعاون المشترك، نلفت النظر إليها :

أ) إن مستوى التعاون والتأييد يكون فى موقف من المواقف يتفق مع سياسة الجماعة، ومصلحة الوطن وفى هذا الإطار يكون التأييد الإيجابى من الجماعة مرتبطاً بهذا الموقف، أما التأييد على بياض لهيئة من الهيئات أو لأى تجمع، فليس بوارد فى فهم الإخوان وإذا حدث تزكية من الجماعة لهيئة من الهيئات، فيكون ذلك وفق ضوابط وأسس تتأكد فيها الجماعة عدم خروج هذه الهيئة على أصول الإسلام وغايته.

فقد ورد فى قرارات مجلس الشورى الثالث للجماعة عام 1353 هـ كما يذكر الإمام الشهيد: ” يجب على الإخوان المسلمين إذا أيدوا هيئة ما من الهيئات أن يستوثقوا أنها لا تتنكر لغايتهم فى وقت من الأوقات، .. والهيئات النافعة توجه إلى الغاية بتقويتها لا بإضعافها .. “([10]) .

ب) التعاون المشترك له درجات تبدأ بالتنسيق فى المواقف وبعض الأعمال، أو التعاون الفعلى فى نشاط معين، أو المشاركة فى تبنى قضية من القضايا، وقد تصل إلى التحالف فى مجال من المجالات .. الخ لكن تحديد هذه الدرجة ومدى المشاركة وحجمها وموقف الجماعة الفعلى لا يكون وفق رؤية فرد من الجماعة مهما بلغ شأنه، ولكن يكون بالمرجعية لمؤسسات الجماعة وقيادتها.

جـ) والجماعة ترحب بالمشاركة على قدم المساواة فى التعاون والتنسيق لإصلاح الأمة وعلاج مشاكلها، أما مجرد المشاركة ضمن منظومة الآخر لتحقيق أهدافه وغاياته المختلفة، أو أنه مفروض عليها أن تشارك فى كل الأمور حتى ولو خالفت سياستها، أو أن يكون ذلك على غير قدم المساواة، أو ينتج عن المشاركة مخالفة لأصول ومبادئ الدعوة فهذا ترفضه الجماعة، لأنه انتقاص من قدرها، وزحزحة لها عن خطها وأهدافها، وهذا حق لكل جماعة أن تضع ما يناسبها من ضوابط دون أن تتعرض للإقصاء أو التحزب ضدها.

د) والجماعة أيضاً مع حرصها على الإصلاح ومساعدة كل من يعمل له، لا تخدعها الشعارات أو المواقف الكاذبة، والدعايات المغرضة والأحداث المفتعلة بل تغوص وراء حقيقة الأمور وتزنها بميزان الشرع وتنظر للأمر من جميع جوانبه والتاريخ القريب ملئ بنماذج مختلفة تدل على ذلك.

فالجماعة برؤيتها وثقلها لا تجرى وراء كل صاحب شعار أو ناعق بأمر، أو تدور على هذا وذاك تستجدى التعاون والمشاركة ولكن بتعاملها مع الجميع ورؤيتها للواقع تستطيع أن تميز بين العمل الإيجابى وبين المغامرات وأصحاب الهوى.

هـ) ونقطة أخرى تمثل معوقاً فى سبيل التعاون المشترك نتيجة فقد الثقة أو التحزب والصراع الشديد بين الأطراف، فبعض القوى والكيانات تحوَّل خلافها مع الآخرين إلى صراع يطغى بمعناه المذموم على التعاون المشترك، وبالتالى يجعل هذه الرؤية الضيقة هى الحاكمة للتعاون الذى فيه مصلحة الوطن، فينظر بهذه الرؤية أن الأطراف الأخرى ستستفيد، وبالتالى يرفض هذه الاستفادة لها – رغم أنه أيضا سيستفيد – ولكن حرصه على منع ذلك عن الآخرين من واقع النظرة الضيقة، يجعله لا يستمر فى هذا التعاون ولو كان فيه مصلحة للوطن.

ففى الواقع الذى نعيشه نجد بعض الأحزاب أو القوى السياسية تتراجع عن التعاون المشترك بحجة أن هذا سيفيد الإخوان ويعطيهم بعض الشرعية فى نظرهم والبعض منهم يشترط أن يدفع الإخوان ثمناً أكبر نظير هذه الفائدة وان يحملوا الأمر برمته وتكاليفه، مما يؤدى أن يفهم بعض أفراد الجماعة نتيجة هذا الأسلوب أنهم يريدون توظيف الجماعة لحساب أجندتهم الخاصة ويدفعون ثمن ذلك أيضاً.

فى حين أن مبدأ الشرعية محسوم عند الإخوان فى منهجهم ولا يؤثر عليهم قبول النظام لهم أو وجود الغطاء القانونى من عدمه.

وأنه يجب على الأحزاب والقوى أن يحل بينها التفاهم والتعاون فى المساحة والقضايا المشتركة بدلاً من الصراع والتنافس، وأن المنهج الإقصائى ليس فى مصلحة الوطن او حتى فى مصلحة هذه القوى الوطنية، وأن الاستفادة المتبادلة لجميع القوى، كلها تصب لصالح العمل المشترك، وأن تعلو مصلحة الوطن على المصلحة الشخصية للأحزاب والقوى الأخرى، وأن يحترم كل فصيل رؤية  الآخرين ومنهجهم واستراتيجيتهم الخاصة . وضعف الثقة هذا علاجه يكون فى زيادة مساحة التعاون والمشاركة وفى الوضوح والشفافية.

و) والجماعة فى رؤيتها ورصدها من خلال تجاربها لهذه الممارسات، إلا أنها لا تيأس من منهجية التعاون والتواصل مع الآخرين، لأن هذا يشكل عندها استراتيجية ومبدأ ثابتاً – ينبثق من منهج الجماعة ورؤيتها فى الإصلاح وعدم الاحتكار أو الانفراد، وإذا تخلف عنها أحد أو رفض التعاون،فستمضى هى فى طريقها مع أيديها الممدودة، وصدرها المتسع،إلى أن يوجد من يقبل أن يمد يده لها ليلتقى معها، ولكنها لن توقف حركتها ودعوتها وأداء الواجب عليها.

إن الحوار والتفاهم الذى يناقش كل الجوانب بصراحة وشفافية دون توتر أو إخفاء نية ما، يعالج به هذا الأمر ويمنع هذه الرؤية المفرِّقة.

س) والإمام البنا يستثنى من التعاون المشترك مع الجماعة، فئة محدودة، تخالف أصل الدعوة، لكنه لا يلزم الآخرين بذلك، وهم:

1- الملاحدة من المسلمين الذين يتحركون كتيار وكيان يدعو إلى الإلحاد أو الذين يعملون لتشويه عقيدة الإسلام مثل البهائية والقاديانية.

يقول الإمام الشهيد : ” فذكروا أنفسكم أيها الإخوان دائماً بأن ملاحدة المسلمين فى مقدمة خصومكم وأن على رؤسهم قسطاً كبيراً من تبعة ما يقع الآن فى مختلف بلاد الإسلام.

ومن الواجب أن نحول دون تفشى أفكارهم الموبوءة بيننا، وأن نضرب على يد من يريد أن يحسن الظن بأعدائنا.. “([11]) .

ويقول ” وهم – أى الإخوان – يناوئون كل هيئة تشوه معنى الإسلام مثل البهائية والقاديانية ..” ([12]) ، وكذلك ما يعرف بالهيئات التبشيرية .

2- وكذلك الأعداء الذين يستهدفون الوطن وأمنه، او الذين يرتبطون بوضوح بهؤلاء الأعداء ويحسنون الظن بهم مثل الكيان الصهيونى الغاصب وعملائه.

3- وأضيف لهؤلاء لنفس السبب، الذين يستهدفون أمن المجتمع أو يكفرونه او يسفكون دماء أهله خروجاً على مبادئ الإسلام وأحكامه.

ص) والهيئات التى تختلف مع الدعوة ومبادئها فى التصور أو الوسائل والأساليب أو تعارضها فى مجال الدعوة والعمل، أو يتبنون الأفكار الغربية التى ترى الجماعة أنها ليست فى صالح الوطن.

يوجه الإمام البنا الإخوان إلى منهج التعامل معهم، بتوجيه النصح لهم والإرشاد لعلهم يرجعون، وتواجه الجماعة الفكرة بالفكرة، والدعوة بالدعوة، لا تسارع فى تكفيرهم أو تنادى باستئصالهم أو تعين ظالماً عليهم، فليس هذا أسلوب الدعوة.

ولا تتهم الأشخاص بالظنة ولا تلقى بأوصاف التآمر والعداء لكل من خالفها أو هاجمها وإنما تأخذ الناس بالظاهر وحسب أقوالهم وأعمالهم وأن يكون ميزان الشرع وضوابطه هو الأساس، وألا تهبط إلى مستوى الإسفاف حتى وإن لجؤوا هم إليه، وأن تترك ذوات الأشخاص والحكم عليهم.

ع) وعن موقف الهيئات الأخرى من الإخوان، يقول الإمام الشهيد: ” وستسمعون أن هيئة من الهيئات تتحدث عنكم، فإن كان الحديث خيراً، فاشكروا لها فى أنفسكم ولا يخدعنكم ذلك عن حقيقتكم، وإن كان غير ذلك فالتمسوا لها المعاذير،وانتظروا حتى يكشف الزمن الحقائق،ولا تقابلوا هذا الذنب بمثله، ولا يشغلنكم الرد عليه عن الجد فيما أخذتم أنفسكم بسبيله”([13])،فالذين يتوجهون بالاتهامات الظالمة ويسيئون للدعوة فإننا نقول لهم:”اتقوا الله أيها الناس ولا تقولوا ما لا تعلمون .. ” ([14]) .

ونوضح الحقيقة إذا اقتضى الأمر دون الدخول فى خصومة وجدال، لا نهاجمهم أو نشغل أنفسنا بذلك: ” ونحن لا نهاجمهم لأننا فى حاجة إلى الجهد الذى يبذل فى الخصومة”([15]). وسمى الإمام تضييع الجهد فى المصادمة معهم بـ “الكفاح  السلبى” .

ونبتعد تماماً عن التجريح الشخصى للهيئات أو الأفراد مهما بلغت درجة الخلاف معهم وهذا الصنف من الهيئات والأفراد إن تجاوزوا معنا فى الحوار، فإن سبيلنا معهم : أن ندعوهم إن قبلو النداء، ونحاورهم دون الجدال، ولا نتهم إخلاصهم ولا نرد على خصومتهم، ولا نترك منهج دعوتنا ندعو الله لنا ولهم بالهداية.

ويقول الإمام أيضاً فى مذكرات الدعوة والداعية : “..وأنا لا أعلم قاعدة أفادتنى كثيراً فى سير الدعوة والعمل وهى أن الإشاعة والأكاذيب لا يقضى عليها بالرد ولا بإشاعة مثلها، ولكن يقضى عليها بعمل إيجابى نافع يستلفت الأنظار ويستنطق الألسنة بالقول فتحل الإشاعة الجديدة وهى حق مكان الإشاعة القديمة وهى باطل”([16]).

ل) أما موقف الإخوان من الهيئات جميعاً فيلخصه الإمام فى هذا الموقف الابتدائى: “.. يجب أن يكون من موقفنا أمام الهيئات جميعاً: نريد لها الخير، ونلتمس لها العذر، ولا نطلب، ولا نرد،ولا تقولوا لمن ألقى السلام لست مؤمناً..”([17]).

” بل إنه ليسرنا أن يوفق كل عامل للخير وإلى الخير، ولا يحب الإخوان أن يخلطوا البناء بهدم وفى ميدان الجهاد متسع للجميع”([18]) .

——————–

د. محمد عبد الرحمن

عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين



([1]) مذكرات الدعوة والداعية، صـ263 .

([2])مذكرات الدعوة والداعية صـ262 .

([3])رسالة دعوتنا .

([4])مذكرات الدعوة والداعية صـ25.

([5])مذكرات الدعوة والداعية صـ13 .

([6])رسالة دعوتنا صـ25 .

([7])رسالة دعوتنا صـ 26 .

([8])رسالة دعوتنا صـ27.

([9])رسالة إلى الشباب صـ106 .

([10])راجع مذكرات الدعوة الداعية، صـ219 .

([11])من مقالة واجب العالم الإسلامى للإمام الشهيد .. نقلاً من كتاب الإمام الشهيد للأستاذ فؤاد الهجرسى صـ117 .

([12])مذكرات الدعوة والداعية صـ220 .

([13]) مذكرات الدعوة والداعية صـ264.

([14]) رسالة المؤتمر السادس صـ216.

([15]) رسالة المؤتمر السادس صـ215 .

([16]) مذكرات الدعوة والداعية صـ 95 .

([17])مذكرات الدعوة والداعية صـ263 .

([18])رسالة  المؤتمر الخامس صـ149 .

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*