الثلاثاء , 21 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

مصر الحرة المستقلة الديمقراطية.. بوصلة العرب وأملهم

بقلم: د. عصام العريان

ليس للعرب حوار إلا حول مستقبل الثورة المصرية؛ لأن ما ستئول إليه التطورات سيكون له أبلغ الأثر وأخطره على مستقبل أكثر من 300 مليون عربي.

في التاريخ القديم والوسيط والحديث كان الدور المصري مهمًّا ومؤثرًا في المنطقة كلها؛ ما دفع كل القوى الكبرى في العالم إلى احتلال مصر أو التأثير في تحولاتها المصيرية.

زارتنا جيوش “قمبيز” الفارسي، و”أنطونيو” الروماني، و”بطليموس” اليوناني، و”فريزر” الإنجليزي، وآخرهم الاحتلال البريطاني عام 1882م.

ورحبت مصر بالفتح العربي الإسلامي بقيادة الصحابي الجليل “عمرو بن العاص”، وقاومت جيوش “سليم الأول” العثماني، ثم انخرطت في السلطنة العثمانية، وأصبحت أكبر ولايتها المؤثرة حتى نصَّب أهلها باختيارهم الحر “محمد علي باشا الألباني” واليًا رغم رفض السلطان العثماني.

وقام “الباشا الكبير” بعملية تحديث وتطوير هائلة كان قوامها الجيش المصري، جيش الفلاحين المطعَّم بالشركس والألبان والأفارقة والأتراك والفرنسيين، وأثبت الجيش كفاءته في حروب عديدة، انتصر فيها في البر والبحر، وقامت نهضة علمية وصناعية وتجارية على هامش تلك القوة الصلبة، فأنشأ المدارس والمصانع، وازدهرت التجارة والزراعة.

وأصبحت مصر دولة في طريقها إلى الحداثة مع احتفاظها بروحها الإسلامية، وتماسكها المجتمعي، وباتت قاب قوسين أو أدنى من دعم الإمبراطورية العثمانية من موقع مستقل مؤثر.

وكان الحصار الأوروبي بقيادة بريطانيا، وتحطيم أسطول محمد علي، منعا انتشار نفوذ مصر إلى أواسط إفريقيا عند منابع النيل، ثم دفع السلطان العثماني لمواجهة حربية مع مصر انتهت بعزل مصر إقليميًّا بعد أن تمددت إلى الحجاز والشام وسيطرت على المياه الإقليمية في البحر الأحمر والمتوسط، وامتد نفوذها إلى السودان وأواسط إفريقيا.

وجرت تحت الجسور مياه حتى أصبحت مصر في قبضة صندوق الدَّيْن، وتم عزل حفيد “محمد علي” الخديوي “إسماعيل”، وكانت انتفاضة “عرابي” وثورته؛ لاستعادة روح الاستقلال، وكانت النتائج التي نعرفها ودرسناها من الخيانة، ثم الاحتلال ونفي الزعيم، ومطاردة الثوار؛ حتى وصلنا إلى ما نحن فيه الآن.

اليوم يقف العالم مصدومًا ومندهشًا بما يحدث في مصر، ويريد حصار الثورة المصرية وإجهاضها وإرباكها.

ليس كل العالم له هذا الموقف، إنهم الاستعماريون الذين تصوروا أنهم ملكوا الدنيا وسيطروا على مقاليد الأمور.

هزم الحلفاء بقيادة أمريكا أعداءهم من “ألمانيا، وإيطاليا، واليابان” في الحرب العالمية الثانية، ثم أعادوا بناء تلك البلاد التي انضمت إلى “الحلفاء” وعاش العالم أجواء “الحرب الباردة” حتى حققوا نصرًا بلا حرب على الاتحاد السوفييتي والكتلة الاشتراكية، وخلال تلك الأزمان كان العالم الإسلامي وفي قلبه العالم العربي تحت السيطرة التامة بواسطة عوامل معروفة من أهمها:

أولاً: الجيوش التي تمَّ تسليحها لحروب إقليمية وللسيطرة على الحياة السياسية بحكم مباشر أو من وراء ستار؛ ولمنع الشعوب من الثورة أو التغيير عبر الطرق الديمقراطية.

ثانيًا: النخبة المتغربة التي انسلخت عن ثقافتها وهويتها، وأصبح منتهى حلمها أن تقلد المنتصرين في كل شيء، حتى في التحلل من الأخلاق والقيم والتقاليد.

ثالثًا: السيطرة التامة على الإعلام ووسائطه، والثقافة ومكوناتها، والتعليم ومناهجه.

رابعًا: الاقتصاد التابع الذي يكتفي بالفتات ولا يسعى إلى التنمية الحقيقية أو النهضة الصناعية، ولا حتى الاكتفاء من الغذاء.

خامسًا: الحصار الدائم والمستمر للمؤسسات الدينية الإسلامية، وللحركات الإسلامية الشعبية، ودفع فصائل منها إلى انتهاج العنف؛ حتى يسهل ضربها بقسوة وحصارها في المجتمعات المسالمة، والتخويف منها باستمرار.

سادسًا: السعي إلى تحديث زائف ينسلخ بالمرأة عن القيم الدينية والأخلاقية تحت زعم تمكين المرأة ورعاية حقوقها.

سابعًا: تغذية النزاعات الأهلية، خاصة الدينية، والمذهبية، والعرقية، ورعاية الحروب الإقليمية على حدود صَنَعها المستعمرون؛ بغية مزيد من تقسيم البلاد الإسلامية، كما حدث في (تيمور الشرقية) إلى السودان (انفصال الجنوب) إلى المغرب والجزائر وموريتانيا (الصحراء الغربية).

كما نرى الحروب الأهلية امتدادًا من باكستان التي انقسمت إلى شرقية وغربية (بنجلاديش)، ثم نراها في السودان الذي انقسم إلى الشمال والجنوب، ثم العراق الذي يعيش أجواء الانقسام.

اليوم وأنا ألتقي عشرات الوفود من بلاد العالم كافة، وأتابع وأقرأ تحليلات ومقالات في أهم مجلات وصحف العالم؛ خاصة الأوروبي والأمريكي أجد أن عقلية حصار الثورات العربية هي التي تسيطر على النخب السياسية والفكرية والصحافية، وأن رفض الأمر الواقع ما زال يخيِّم على عقول هؤلاء وأذهانهم.

هذا الرفض للثورات العربية ظهر في “ليبيا” التي باتت منقسمة وتحت سيطرة “الناتو” ومع كامل التقدير والاحترام للشعب الليبي، الذي قدَّم حتى الآن عشرات الآلاف من الشهداء، وللمجلس الانتقالي الذي تعترف به اليوم “لجنة الاتصال” المكونة من 30 دولة إلا أن الثمن الذي دفعه الناتو سيتم مقابلته بثمن باهظ من استقلال ليبيا، وأن الثمن الذي دفعه الشعب الليبي قد يضيع أدراج الرياح، وأن “الناتو” سرق ثورة نبيلة لشعب عظيم عانى أربعة عقود تحت حكم مجنون ومهووس أهدر كل فرصة لتحديث ليبيا وبناء نهضتها العظيمة، في مغامرات ومهاترات.

وها نحن نرى ما يحدث في اليمن، وحصار ثورة الشعب اليمني، وحماية الرئيس القاتل والمقتول، برعاية أمريكية وإقليمية.

وها نحن نرى سوريا وما يجري فيها والدور المشبوه لفرنسا وأمريكا؛ لسرقة ثورة الشعب السوري العظيم الذي سينتصر بإذن الله ويقيم سوريا الديمقراطية الحرة المستقلة التي سترعى المقاومة السورية والفلسطينية لتسترد الجولان، وتدعم حقوق الشعب الفلسطيني؛ ليسترد فلسطين بإذن الله، ويحافظ على السلم الأهلي في لبنان، ويسعى إلى وحدة الشام من جديد، ويدعِّم وحدة العراق؛ ليكون ردءًا للعرب وجسرًا بين العرب والمشرق الإسلامي كله.

أقول هنا لوحدة الأبحاث في مجلة “الإيكونوميست” وقد التقيت ببعضهم أكثر من مرة خلال السنوات الماضية، أنكم أخطأتم التقدير، إذا كان ما نُشر في أهرام السبت 16-7-2011م دقيقًا (ص 8) تحت عنوان:

(“الأيكونوميست” تضع ثلاث سيناريوهات لمستقبل الثورات العربية، مصر “بوصلة العرب” أيًّا كانت السبل التي تتبعها ما بين الديمقراطية أو العودة للديكتاتورية أو الغرق في الاضطرابات.
المنطقة تمر بأصعب مخاض منذ منتصف القرن العشرين.. ولكنها تتحرك خطوتين للأمام وخطوة للوراء”).

كانت هذه هي العناوين التي اختارتها الأهرام، وفي نص الملخص المنشور حصر الباحثون سيناريوهات المستقبل في 3 احتمالات:

1- “حصاد ديمقراطي هزيل” باحتمال وقوعه 60% ليتضمن مصائر ضبابية في مصر وتونس، وكوارث وحروب في باقي الدول.

2- “عودة الديكتاتورية” باحتمال 20%.

3- “تحقيق التغيير والديمقراطية” باحتمال 20%.

ورغم أن المجلة اعتمدت على معيار الديمقراطية لتصنيف الدول لعام 2010م، ورغم إدراكنا لأهمية المجلة ووحدة الأبحاث فيها، إلا أننا نقول لهم: إنكم أخطأتم التقدير، فهناك عامل لا يمكن قياسه ولا متابعته، هو الإيمان بالله عزَّ وجلَّ، والإصرار والعزيمة، والتماسك الشعبي، ووضوح الهدف أمام الشعوب العربية.

هناك عوامل هدم أخطرها هو العامل الخارجي الذي لا يريد أن يرى ديمقراطية في المنطقة؛ بسبب إصراره على حماية دولة العدو الصهيوني من مصيرها المحتوم، ورغبته في الحصول على أكبر كمية من البترول بأقل سعر ممكن في أقصر مدى زمني؛ لكي تنضب ثروات العرب، ورعايته للنزاعات والحروب والجيوش؛ كي تستمر النزاعات، ولا يزال يوظِّف قادة عرب يحميهم في سدة الحكم.

وهناك أموال تتدفق على نخب إعلامية وفكرية وسياسية تريد الإبقاء على المنطقة في الحظيرة الغربية الذليلة؛ لدوافع شخصية وطموحات سياسية إلا أن المستقبل بإذن الله ستضعه الشعوب التي غضبت وانتفضت وثارت ولن تهدأ حتى تحقق آمالها في مصر.. دولة حرة ديمقراطية مستقلة، تكون بوصلة العرب وأملهم في وحدة اقتصادية وعربية تمهد لعالم عربي جديد.

ولنا عودة إن شاء الله إلى المقال عندما أقرأ النص الأصلي، ولكنني أدعو الشعب المصري العظيم والنخبة السياسية الواعية إلى ضرورة التأمل فيما يحدث حولنا من تطورات، وأن تكون وفية لوطنيتها وللمبادئ التي قدَّم الشهداء دماءهم وأرواحهم من أجل بناء مصر الحرَّة المستقلة الديمقراطية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*