الأحد , 19 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

د. رفيق حبيب يكتب عن: المبادئ الدستورية الحاكمة

د رفيق حبيب

مر الجدل حول الدستور الجديد بمرحلتين، ففي المرحلة الأولى والتي سبقت الاستفتاء على التعديلات الدستورية، كان الجدل يدور حول المادة الثانية من الدستور والخاصة بالمرجعية الإسلامية، حيث علت العديد من الأصوات المطالبة بتعديلها أو إلغائها، وفي المرحلة الثانية بعد إعلان نتيجة الاستفتاء على التعديلات الدستورية، أصبح الجدل يدور حول المبادئ الدستورية الحاكمة، والتي سميت في البداية مبادئ فوق دستورية. والمتابع لهذا الجدل، يفهم منه أن هناك فئات لديها مخاوف أو هواجس أو رفض للمرجعية الإسلامية، وأن هذه الفئات حاولت البحث عن طريق لوضع دستور جديد، من خلال لجنة معينة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة، يكون لها فيها نصيب معتبر بحيث يكون لها تأثير على الدستور الجديد، بدون اللجوء للانتخابات، والتي لا تتوقع أن تحصل فيها هذه الفئات على نسبة معتبرة تساعدها على التأثير على الدستور الجديد، وبالتالي لن تتمكن من إلغاء المادة الثانية أو تعديلها بصورة تفرغها من مضمونها. لذا كان الاستفتاء على التعديلات الدستورية، هو استفتاء على خريطة الطريق لوضع الدستور الجديد، ولكنه كان في الوقت نفسه استفتاء على طريق يساعد على إنفاذ الإرادة الشعبية الحرة، والتي يتوقع أن تؤكد على المرجعية الإسلامية للدولة، وطريق آخر يساعد النخبة العلمانية على القيام بدور في صياغة الدستور الجديد، بأكثر مما لديها من قاعدة شعبية، مما يساعد على تغيير الهوية الإسلامية للدولة، وجعلها إما هوية علمانية إذا أمكن، أو هوية علمانية إسلامية مختلطة.

بعد الاستفتاء على التعديلات الدستورية تغير الموقف، حيث أدركت النخبة العلمانية أن الوقوف في وجه المادة الثانية من الدستور هو وقوف في وجه الإرادة الشعبية الحرة، والتي غالبا لن تسمح بأي تعديل للمادة الثانية. لذا بدأت النخبة العلمانية تحاول البحث عن طريق ثاني، فلجأت لفكرة المواد فوق الدستورية، وعندما رفضت هذه التسمية، أصبحت تتكلم عن المواد الدستورية الحاكمة. ثم ظهرت العديد من الوثائق التي تتناول هذه المواد الدستورية، التي يفترض أنها تمثل المواد الدستورية الأساسية بالنسبة للنخبة العلمانية، ووضعت فيها المادة الثانية، والتي أصبحت مادة مشتركة بين كل الوثائق المعلنة من القوى السياسية المختلفة.

والناظر إلى هذه الوثائق جميعا، ومنها الوثيقة الصادرة عن الأزهر الشريف، يجد أنها وثائق متماثلة في مضمونها. فكل الوثائق تتناول قواعد واحدة تقريبا. وكلها تتكلم عن دولة دستورية ديمقراطية حديثة، تلتزم بالمواطنة والمساواة، وتحمي الحقوق والحريات، وتلتزم بالمرجعية الإسلامية. فإذا كانت الوثائق الصادرة عن نخب علمانية تتناول ما تناولتها وثيقة الأزهر، وتتحدث عن نفس المبادئ التي تتحدث عنها الحركة الإسلامية والأحزاب القائمة على المرجعية الإسلامية، إذن يفترض أن التوافق الوطني قد حدث بالفعل، ولم يعد هناك مجال للجدل. فالاختلاف الوحيد بين النخب العلمانية والقوى الإسلامية كان على المرجعية الإسلامية، فإذا كانت النخب العلمانية أدركت أن المرجعية الإسلامية لا يمكن تغييرها، إذن لم تعد هناك فروق بين مختلف القوى الإسلامية والعلمانية، ومع ذلك مازال الجدل قائما، بل ومشتعلا.

وبعض النخب العلمانية تتصور أن الأحزاب الإسلامية عندما تحصل على الأغلبية في البرلمان القادم، سوف تعمل على إلغاء المواطنة والمساواة، وهذا أمر غير محتمل ويتعارض مع برامج هذه الأحزاب. فحزب الحرية والعدالة قدم تصورا للدولة، يتوافق مع فكرة الدولة الدستورية الديمقراطية الحديثة، الملتزمة بالمواطنة والمساواة والحقوق والحريات وملتزمة بالمرجعية الإسلامية. وبقية الأحزاب والقوى الإسلامية تتكلم عن نفس التصور. وهذا التصور يقوم على تطبيق المواطنة والمساواة وحماية الحقوق والحريات وإقامة دولة الحرية والكرامة والعدل، من خلال تطبيق المرجعية الإسلامية، وليس من خارجها، مما يعني تحقيق مطالب المجتمع واختياراته جميعا، أي تطبيق توقعات المجتمع من خلال الهوية التي اختارها للدولة، وليس من خارجها. والناظر إلى المجتمع المصري، يجد بالفعل أن الراغبين في دولة دستورية ديمقراطية إسلامية حديثة، يمثلون قطاعا قد يصل للأغلبية، مما يعني أن أي حركة أو حزب يحاول بناء دولة تفتقد للمساواة والحرية والحقوق والمواطنة، لن يجد تأييدا جماهيريا، مثله مثل أي نخبة أو حزب يحاول بناء دولة حديثة ولكن علمانية، فلن يجد أي تأييد يذكر له، بل سيجد رفضا واسعا. مما يعني أن الدولة الدستورية الديمقراطية الحديثة القائمة على المواطنة والمساواة وحماية الحقوق والحريات والملتزمة بالمرجعية الإسلامية، تمثل في الغالب شكل الدولة التي ترضى بها الأغلبية، مما يؤكد أن أي تيار إسلامي لن يستطيع الخروج عن هذا الشكل الذي ترتضيه الجماهير.

وكل هذه الوقائع تؤكد أنه لا محل للجدل حول المبادئ الدستورية، ومحاولة فرض وثيقة على البرلمان القادم وعلى اللجنة التأسيسية التي سوف تضع الدستور، هي محاولة مرفوضة بكل المعاني، لأنها تجاوز للإرادة الشعبية الحرة. ولكن استمرار الجدل بهذا الشكل، وأيضا بعض النصوص في الوثائق المقدمة للمبادئ الدستورية الحاكمة، يوحي بأن المطلوب هو نص دستوري يعتمد المواطنة والمساواة، ويحصن هذه المواد ضد أي تعديل، ويعتبرها فوق المواد الدستورية الأخرى، بحيث تصبح المرجعية الإسلامية مبدأ هامشي أو فرعي، ولها وضع دستوري أقل من غيرها من المبادئ. ثم يحاول البعض تخصيص بعض المبادئ التي تقوم القوات المسلحة بحمايتها. والمقصود من هذا، أن تكون هناك مبادئ لها وضع مختلف عن المبادئ الأخرى، فإذا كان البعض يقصد من هذا أن تكون الدولة الدستورية الديمقراطية الحديثة القائمة على المواطنة والمساواة والحريات والحقوق والمرجعية الإسلامية، محصنة من التغيير، فهي بالفعل تمثل في تصوري الإرادة الشعبية الراهنة، ولكن تحصينها ضد الإرادة الشعبية في المستقبل، تجاوز في حقوق الأجيال القادمة. وإذا كان البعض يريد تحصين بعض المواد في مواجهة المرجعية الإسلامية، فإن هذا محاولة للالتفاف على الإرادة الشعبية، وخداع للجماهير بوضع المرجعية الإسلامية لإرضاء الجماهير، وفي نفس الوقت تقييد هذه المرجعية بحيث تكون بلا تأثير.

لذا فالطريق الوحيد لوصول إلى دستور يعبر عن التوافق الوطني، هو احترام الإرادة الشعبية الحرة، وبناء دستور يعبر عن كل مكونات المجتمع، ويحترم الهوية التي يختارها المجتمع بإرادته الحرة. والثقة في اختيارات المجتمع المصري، هي مفتاح الحل، فأمر المجتمع ليس بيد حركة أو حزب، ولكن بيد الأغلبية، والتي تؤمن بقيم ومبادئ تجعل من غير المتوقع في أي مرحلة من المراحل أن تقوم الأغلبية بما يغضب فئة من المجتمع، أو يلحق بها الغبن، فقيم المجتمع وتقاليده هي الحامية لمستقبله، واختيارات الإرادة الشعبية الحرة، هي الضمانة الحقيقية لبناء نظام رشيد يحقق الحرية والعدل للجميع.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*