الجمعة , 24 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

النظام المصري في مواجهة أحرار العالم.. هل يقدر على قمعهم؟

د. عصام العريان

بقلم: د. عصام العريان

بينما أقف على “فَرْشة” الجرائد صباح الإثنين، أتصفح العناوين عقب صلاة الفجر إذا بحديث يتناثر عن مظاهرة ليلية أمام السفارة الفرنسية في القاهرة، استمرَّت من العاشرة مساءً حتى الثالثة قبل الفجر، وأنهم ما زالوا معتصمين وأغلقوا الطريق قد اتضحت لهم حشود أمنية ضخمة تسد الطريق، وأن المتظاهرين هم من الأجانب جميعًا رجالاً ونساءً وشبابًا من جنسيات متعددة، غالبيتهم فرنسيون، وأن الهتافات كان معظمها للشعب الفلسطيني ولغزة وأهل غزة الذين يعيشون حصارًا قاتلاً منذ 3 سنوات، اشتد في السنة الأخيرة، وتشارك فيه مصر الآن بقوة ببناء جدار فولاذي تحت الأرض؛ لمنع تهريب الغذاء والدواء والحاجات الأساسية التي تمنع السلطات المصرية نفسها مرورها فوق الأرض عبر معبر رفح الذي تصر على إغلاقه طوال الوقت، ولا تفتحه إلا أيامًا معدودات كل شهر؛ لمرور بعض المرضى وبعض الطلاب والعالقين على الجانبين، ولا تمرر عبره إلا شاحنات قليلة تحمل ما يسد الرمق للفلسطينيين، ويمنع الانفجار الذي حدث من قبل.

سألت البعض: هل استخدم البوليس العنف والقوة أو ألقى القبض على بعض المتظاهرين؟

فتبسم ضاحكًا؛ وقال: هل يقدر على ذلك؟ إنهم أجانب!!

وتذكرت الحماية التي كان يضفيها الاحتلال البريطاني على الرعايا الأجانب في مصر، والذين تمتعوا بحريات واسعة، وكانت لهم محاكم خاصة قبل إلغائها.

وتذكرت أكثرْ تاريخًا أبعد عندما تذرَّع البريطانيون بحادثة اعتداء على “مالطي” بالإسكندرية، فتقدمت قواتها وأساطيلها لاحتلال مصر الذي دام سبعين عامًا، والظاهر أنه لم يرحل بالكامل عام 1954م أو حتى عام 1956 بل حلّ مكانه احتلال أجنبي من لون آخر ونوع جديد: مرة سوفيتي ومرة أمريكي؛ حيث ترابط كتيبة كاملة من المهندسين الأمريكيين لتنفيذ الجدار الفولاذي العازل، وتمر كتائب أخرى دورية لتفقد الأمور على الجانب المصري من الحدود مع فلسطين، ونسمع عن زيارات دورية لبرلمانيين من دول متعددة تفتش على الحدود؛ لتطمئن إلى قيام مصر بمهامها المتفق عليها، وتنفذ الاتفاقية الإستراتيجية التي وقعتها “ليفني” مع “كوندليزا رايس” قبل مغادرة الأخيرة وزارة الخارجية وفي آخر يوم عمل لها، يومها قالت مصر إنها ليست طرفًا في الاتفاقية وغير ملزمة بها، والظاهر أن ذلك كان كلامًا في الهواء، وأن مصر لا تستطيع اليوم أن تقول: لا.

ورحت أعيد تذكر ما قرأته في الصحف وتابعته على الفضائيات، فتبين لي أن هناك قافلتين قدمتا من مختلف أنحاء العالم للتضامن مع غزة في ذكرى الحرب التي مر عليها سنة، وقتلت 1400 شهيد منهم أكثر من 300 طفل، ودمرت القطاع بالكامل، واستخدمت الأسلحة المحرّمة دوليًّا كالفسفور الأبيض والقنابل العنقودية وغيرها.

جاءوا من البر والبحر والجو، واحتشدوا في القاهرة أو تسللوا فرادى إلى العريش أو على الحدود يريدون الوصول عبر رفح المغلق إلى غزة؛ لإعلان تضامنهم مع صمود المقاومة في وجه الاحتلال، ليعلنوا أن هناك إنسانية ما زالت باقية، وقلوبًا حيّة تتألم من أجل الإنسان؛ لأنه إنسان بغض النظر عن معتقداته أو موقفه السياسي.

حضروا من أكثر من 50 دولة، يمثلون حوالي ربع سكان العالم، لا يتحدون مصر ولا سيادتها ولا يهددون أمنها القومي، بل يتحدون العدوان والهمجية الصهيونية.

ليست هذه هي المرة الأولى، بل هذه قافلة “شريان الحياة 3” وسبقتها بالتالي قافلتان، يرأسها النائب الجريء البريطاني، “جورج جالاوي” الذي تحدى في بلاده رئيس حزبه “العمال” ورئيس الوزراء “توني بلير”، واحتفظ بمقعده رغم خروجه من الحزب، وترشحه مستقلاً، ثم أسس حزب “الاحترام” ليظل محتفظًا بمقعده، ومعه منظمة “تحيا فلسطين” المنظم الرئيسي للقافلة.

ها هو جالاوي يتلقى جوابًا على سؤال طرحه عليّ في لندن عندما التقينا في برنامج “قناديل في الظلام” الذي يقدمه “محيى الدين اللاذقاني” الكاتب المعروف على قناة (ANN)؛ حيث سألني على الهواء وبين الفواصل: “لماذا لا تتحدون أيها المصريون والسياسيون هذا النظام المستبد؟”.

هو الآن أمام المحاولة التي لا أشك أنها ستنجح؛ لكن فليتأمل قدر المعاناة التي يلقاها مع النظام القمعي الذي لا يستطيع اعتقاله ولا ضربه ولا سحله على الأرض ولا تلفيق قضية تزوير له، وفقط يضع العراقيل في وجهه هو وزملاؤه ورفاقه.

لا أشك أن قافلة “شريان الحياة 3” ستصل إلى غزة كما وصلت قافلتان من قبل، وكما وصلت قافلة أميال من الابتسامات، ولكن بعد لأي ونصب وجهد جهيد تبذله وساطة تركية محمومة، أمّا هؤلاء الذين تظاهروا في القاهرة أمام سفاراتهم، وقد علمت أن الإيطاليين تظاهروا أمام سفارتهم أيضًا فلهم شأن آخر، ليس معهم إعلام كافٍ إلا الـ(BBC)، ولا يتحدون النظام كما فعل جالاوي، بل بذلوا الكثير من الوقت للتفاوض الهادئ مع النظام في مصر وممثليه الدبلوماسيين في الخارج وممثليه الشعبيين في الداخل، وعندما وصلوا إلى طريق مسدود اضطروا اضطرارًا للتظاهر في قلب القاهرة أو التسلل فرادى إلى العريش، كما نقلت الصحف.

ينادون “الحرية لغزة” والظاهر أنهم يجب أن ينادوا أولاً بـ”الحرية لمصر”؛ وإذا منعهم النظام من الوصول إلى غزة فسيعودون إلى بلادهم لينضم إليهم العشرات والمئات والآلاف ليتظاهروا أمام السفارات المصرية ينددون بالقمع والمنع والعنت، وعندها لن يجد أزلام النظام الإعلاميون حجة بأن هناك من يسعى لتشويه صورة مصر ودور مصر؛ لأنهم هم الذين قدَّموا الدليل الناصع الذي لا يقبل الشك والبرهان القوي على تواطؤ مصر في حصار غزة، ومنع المساعدات الإنسانية عن شعبها.

اليوم يتظاهرون أمام السفارة الصهيونية في لندن يطالبون بمرور قافلة “شريان الحياة”، ويا له من عار كأنهم يؤكدون أن القرار ليس في القاهرة بل في تل أبيب، هل وصلنا إلى هذا القاع؟!

ها هو النظام المصري أمام تنظيم دولي حقيقي جديد.

والغريب أنه ليس على رأسه د. عبد المنعم أبو الفتوح، وليس يضم أحدًا من الإخوان المسلمين.

وها هو النظام المصري يواجه مظاهرةً عجيبةً للنشطاء الفرنسيين والإيطاليين والأمريكيين، بل وقليل من الهنود في قلب القاهرة، ويغلقون أحد أهم شوارعها، ويعتصمون من أجل المرور إلى غزة!!

(رأيت المظاهرة وأنا أكتب هذا الكلمات على شاشة الـ”BBC”).

ولم ألحظ في المظاهرة لا د. حمدي حسن نائب الإخوان ولا د. محمد البلتاجي أمين عام كتلة الإخوان، ولا حتى جورج إسحق أو عبد الحليم قنديل.

يقف النظام اليوم وقوات بوليسه وأدوات قمعه عاجزة عن التعامل مع هذه الظاهرة الإنسانية، فإذا أغلق الحدود البرية والبحرية؛ فكيف يقوم بفرز القادمين في الطائرات، وليس لديه قوائم بأسماء سكان العالم الذين تحرك مشاعرهم وقلوبهم إنسانية عظيمة ورحمة يقدمها الله في قلوب العباد، وقد خلت من قلوب حكامنا الرحمة وافتقدوا الإنسانية.

يا له من موقف عجيب؛ هل يقدر النظام المصري على قمع أحرار العالم؟

بل وضع النظام رجال الخارجية أمام موقف عصيب، فقد استمعت إلى حديث السفير “حسام زكي” باسم الخارجية المصرية، يتكلم بعصبية ولغة غير دبلوماسية إطلاقًا على عكس العهد به، يتهمهم بأنهم تسللوا إلى مصر بتأشيرات سياحية وليست لممارسة نشاط سياسي، وكأن هناك الآن تأشيرات سياسية للتظاهر أو زيارة المحاصرين في غزة.

ويتهمهم أنهم وضعوا السفير الفرنسي بالقاهرة في وضع حرج، وأنه لا يستطيع أن يفعل شيئًا، ويصمم بقوة على أن السلطات المصرية لن تسمح بمرور هؤلاء المتضامنين مع أهل غزة، إلا أنه تدارك الأمر بقوله إنهم رفعوا مذكرة إلى السيد الرئيس في إشارة إلى السلطة العليا التي يمكن أن تجب كل السلطات، وهذا يدل على أن التضامن مع غزة وأهلها ضد العدو الصهيوني بات أمر أمن قومي يحدده الرئيس بنفسه، وليس إستراتيجية ثابتة درجت عليها مصر طوال أكثر من ستين عامًا، حاربت فيها 4 حروب أو أكثر من أجل فلسطين.

——–

* عضو مكتب الإرشاد.