الخميس , 23 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

شهر القرآن ووحدة الأمة

رسالة من: أ.د. محمد بديع المرشد العام للإخوان المسلمين

الحمد لله ربِّ العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

 يقول الله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة: 185).

 مرحبًا بشهر رمضان وبشير الخير العميم ومشرق أنوار القرآن، وشَذَا نفحات الجنان، وواحة الاسترواح في صحراء العام، وراح الأرواح بالصلاة والصيام والقيام؛ وصدق رسول الله “إذا أقبل رمضان فتحت أبواب الجنة، وأغلقت أبواب النار، وصفّدت الشياطين، ونادى منادٍ من قبل الحق تبارك وتعالى: يا باغي الشر أقصر، ويا باغي الخير هلمّ“.

 لقد قدم رمضان هذا للناس “نبيًّا وكتابًا” قامت عليهما أعظم نهضة إنسانية عرفها الوجود، وتمَّت بهما أضخم رسالة رأتها الدنيا، فكان النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم، وكان الكتاب هو القرآن الكريم، وكانت الرسالة إكمال دين، وإحياءَ أمة، وإقامةَ دولة، مهمَّتُها في الوجود أن توحِّد الوجود تحت لواء المبادئ العليا، والمثل السامية، والفضائل الإنسانية الخالدة ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ (إبراهيم: من الآية 1).

 نعم لقد أخرج القرآن الكريم الناس من الظلمات إلى النور، ومن الضلالة إلى الهدى، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن التفرق والاختلاف إلى الوحدة والائتلاف، ومن التباغض والتقاتل إلى الحب والسلام.

 لقد جعل الإسلام من تلك القبائل المتناحرة خير أمة: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (آل عمران: من الآية 110)، وبوحدتهم واتحادهم حقق لهم النصر المبين، وأظهر دينه بسقوط كسرى وقيصر.. ودخل الناس في دين الله أفواجًا.. وسعدت البشرية جمعاء بعدل الإسلام ورحمته.

 ولقد بُني الإسلام على شرائع وعبادات، وفرائض وواجبات، كان من جميل صنع الله لعباده فيها أن أقامها على دعائم من الخير وقواعد من البر، تفيدهم في الدنيا وتنفعهم في العقبى، وتسعدهم في الآخرة والأولى.

 ومن أعظم ما ترسخه تلك العبادات الوحدة بين المسلمين، فالصلاة في جماعة وصف، والجمعة فرض يجمعهم في كل أسبوع، والصيام في شهر يجمع المسلمين في أنحاء العالم، والحج يوحدهم في الزمان والمكان، فيلتقي الجميع من أنحاء العالم على صعيد واحد وفي ثياب واحد وشعارهم واحد لبيك اللهم لبيك.

أيها المسلمون أجمعون

أيها المخلصون الصادقون

اعلموا أنه مع يقظة الشعوب المباركة، وشوقهم الشديد للحرية، وشغفهم بالعدالة، وحبهم للعزة والكرامة.. وتوقانهم للتحرر من كل سلطان أجنبي.

 مع كل هذا الخير الذي يهل على أمتنا في هذا العام المبارك.. فإنه لا سبيل لنيل هذه الرغبات، وتحقيق هذه الآمال إلا باتباع الهدي القرآني الكريم، والسير في نوره المبين، والتأسي بالرسول الكريم وصحبه الكرام – رضوان الله عليهم.

ولقد رسم لنا القرآن العظيم في آيات متواليات من سورة آل عمران طريق الحرية والعزة وتتلخص في:

 – تحقيق التقوى التي هي جماع كل خير، وهي ثمرة الإسلام الطيبة، يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)) (البقرة)، ويقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102)) (آل عمران)، بل إنها للغاية التي من أجلها كان الأمر بالعبادة: قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)) (البقرة)، وفي العبودية لله تمام الحرية وكمالها، فالعبودية لله تمنعه من أن يخضع لغير الله، وتخلصه من هوى النفس ورغبات الجسد، وفي الصيام أعظم تدريب على ذلك.

 – الاعتصام بحبل الله المتين: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا) (آل عمران: من الآية 103)، والعمل بما فيه هو السبيل لوحدة الأمة في هذه اللحظات التي نوجب علينا الاتحاد، والذي هو من فرائض هذا الدين: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52)) (المؤمنون).

 وبعد الهجرة أرسى رسول الله دعائم الأخوة بين المهاجرين والأنصار، وأقام المجتمع الجديد على المحبة والائتلاف بين جميع المسلمين، (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)) (الحجرات)، وما أجمل قول القاضي عياض: “والأُلفة إحدى فرائض الدين، وأركان الشريعة، ونظامٌ شملَ الإسلام”.

 وقد أشار إلى ذلك الإمام البنا رحمه الله فيقول: “أعتقد أن سلفنا الصالح- رضوان الله عليهم- وصلوا إلى ما وصلوا إليه من سعادة في الدنيا ومثوبة في الآخرة سجلها لهم الحق- تبارك وتعالى- في كتابه بقوله: ﴿فَآتَاهُمْ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ﴾ (آل عمران: من الآية 148) بأمرين اثنين أساسيين:

 أولهما: قوة إيمانهم بالله تبارك وتعالى، وحسن اعتمادهم عليه، وجميل استمدادهم منه واستنادهم إلى تأييده، وأملهم في نصره، واعتزازهم بهذه العزة الربانية المستمدة من هذا الإيمان ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: من الآية 8)، فكان أحدهم إذا تكلَّم، أو عمل، أو جاهد أو اغترب أو أقام.. شعر بأن الله معه أينما كان، ويراه ويراقبه، يحفظه ويؤيده ويرعاه ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (61)﴾ (يونس)، ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (المجادلة: من الآية 4).

 وثانيهما: شدة تماسك بنيانهم وقوة رابطة جماعتهم، قوة أساسها صفاء القلوب ونقاء السرائر، وتقدير معنى الوفاء والشعور بقدسية الأخوة، وإشراق القلوب بمشاعر الحب في الله إشراقًا سما بها إلى معنى الإيثار ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الحشر: من الآية 9)، حتى كان الرجل منهم يؤثر أخاه بماله وأهله وقوته وحياته وكل ما يملك.

 بهذين المعنيين انتصر هؤلاء النفر من السلف الصالح مع قلة عَدَدِهم وضعف عُدَدِهم، وتجردهم عن كل المنافسة لغيرهم ممن كانوا أوسع منهم سلطانًا، وأكثر أموالاً وأوسع عمرانًا، ولكن الإيمان والحب هما- ولا شك- أقوى في عدد النصر.

 – نشر الخير والمعروف بين الناس، واجتثاث بذور الشر وردم بؤر الفساد وتطهير المجتمع من الظلم والاستبداد: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)) (آل عمران)، وقال رَسُولَ اللهِ: “مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ”، ومن أجل ذلك كانت لنا الخيرية: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران: من الآية 110).

 – نبذ الفرقة والاختلاف والتنازع: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا) (آل عمران: من الآية 103)، وقد حذرنا ربنا من أن نسلك درب السابقين في الاختلاف فقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105)) (آل عمران).

 وما أخطر التنازع والاختلاف بين أفراد الأمة إنه يوردهم المهالك، ويسلمهم إلى الضعف والفشل والهوان: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)) (الأنفال: 46)، وقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أَذَهَبْتُمْ مِنْ عِنْدِي جَمِيعًا، وَجِئْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ إِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمِ الْفُرْقَةُ” وفي رواية: “فَإِنَّمَا أهلك من كَانَ قَبْلَكُمُ الاخْتِلافُ”.

 – لقد منحنا الله هذا النصر العظيم حين رأى وحدة أبناء الشعب المصري في كل الميادين- المسلم والمسيحي والرجل والمرأة والشاب والكهل- ولأول مرة تؤدى الشعائر التعبدية في مكان واحد، وفي حراسة الآخر، فالمسلم يصلي في حراسة المسيحي، والمسيحي يؤدي قداسه في حراسة المسلم، وهل أتاك حديث المسيحي الذي وقف قائلاً: الله أكبر ليبلغ تكبير الإمام لمن لم يسمع من المصلين.

 – وليعلم كل مصري ومصرية أنه لن تتحقق لنا الحرية والعدالة والعزة والكرامة التي ثرنا من أجلها، إلا بالمحافظة على وحدتنا، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الشخصية، وأن تكون مصر ومصالحها فوق الجميع.

أيها الإخوان المسلمون:

إن من الناس من يتبع القول بقول ويظل يدور في فلك الأقوال، ولا يعمل شيئًا، ومنهم من يتبع القول بالعمل، ومنهم من يتبع العمل بعمل ولا مكان عنده للكلام.. فاعملوا في صمت، وأخلصوا في عملكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون.

 وفي هذا الشهر الكريم جددوا العزم، وأخلصوا النية، وجددوا إيمانكم، واستبقوا الخيرات، وازدادوا إيمانًا بسمو دعوتكم، وأتبعوا العمل بعمل، واحرصوا على رباط أخوتكم، فهي عماد قوتكم، وسر نجاحكم، وإن الجماعة لا تحقق أهدافها إلا بالثقة في القيادة والطاعة المبصرة فى المعروف لها.. (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)) (التوبة).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*