الإثنين , 20 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

مصر في عالم يتغير

بقلم: د. عصام العريان

نهاية الحرب على الإرهاب

كنا من قبل نتحدث عن مستقبل مصر في عالم متغير؛ أي كأنه تغير واستقر ونحن نحتاج إلى التكيف معه.

الآن نتحدث عن مصر في عالم يتغيَّر باستمرار؛ أي أنه في حال تغيُّر متواصل ولم يستقر بعد على حال.

مصر تغيَّرت بالفعل وهي تتغيَّر باستمرار خلال الفترة الحالية، وفي طريقها إلى مزيد من التغيير بإرادة شعبها الحر التي هي من إرادة الله تعالى.

وشعوب العالم العربي تراقب مصر وتطورات الأحداث فيها؛ لكي ترى مستقبلها في مستقبل مصر، وقدرتها على بناء نظام سياسي اقتصادي واجتماعي جديد.

وطوال القرون كان تأثير مصر في محيطيها العربي والإسلامي كبيرًا وخطيرًا.

لقد وصل التغيير والتأثير إلى دولة العدو الصهيوني وإلى شواطئ المتوسط وأوروبا وأمريكا، طبعًا لعوامل داخلية في تلك البلاد، فلا يمكن لعاقل أن يدَّعي أن دور مصر وصل إلى داخل المجتمع الصهيوني الذي يغلي منذ زمن بعيد؛ بسبب التمييز الشنيع بين اليهود الغربيين “الأشكناز”، وهؤلاء الشرقيين (السفارديم)، بل بين جماعات “المستوطنين” الذين توالدوا بكثافة خلال سنوات حكم مبارك الذي كان كنزًا إستراتيجيًّا للعدو باعترافهم هم، وقد استهلكت “المستوطنات” قسمًا كبيرًا من ميزانية الدولة الصهيونية، وكان تأثير الأحزاب اليمينية والدينية المؤيدة للاستيطان والرافضة لأي مفاوضات أو إقامة دولة فلسطينية قويًّا وشديدًا على الحكومات المتوالية التي اتجهت إلى اليمين المتطرف الذي تحدَّى الإدارات الأمريكية مستغلاًّ مناخ الحرب على الإرهاب.

التغيير الاقتصادي والمالي الذي حدث في اليونان وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا أخيرًا ينذر بنُذُر مهمة وخطيرة على حوض البحر المتوسط؛ فهناك دول أفلست، وأخرى على وشك الإفلاس، وثالثة تتقشف بقوة لإنقاذ اقتصادها.

لقد وصلت نذر التغيير إلى المجتمعات الأوروبية ويكفي للدلالة على ذلك ما حدث من جريمة شنيعة في النرويج، وتم قتل حوالي 70 شابًّا وفتاة في معسكر للحزب الحاكم في أوسلو من شاب يميني متطرف يدَّعي أنه ينقذ أوروبا من خطر الإسلام والماركسية، وليس به جنون بل يقال إن له مؤيدين ورفاقًا في أوروبا.

ولا يزال شغب المراهقين الشباب البريطانيين في لندن و5 مدن أخرى يزعزع الاستقرار في المملكة المتحدة، وأرجع رئيس الوزراء ذلك إلى تدني التربية المنزلية والمدرسية للأجيال الجديدة.

ما السبب؟ لعل سيطرة الإعلام والثقافة العنصرية على عقول المراهقين أحد الأسباب؛ إذا ربطنا ذلك بالتحول الخطير في المزاج العالمي للأوروبيين والذي أدَّى إلى تصاعد اليمين المتطرف وحصوله على أصوات أهَّلته للمشاركة في الحكم في بلاد عديدة، وارتباط ذلك بالإسلاموفوبيا، مع دمغ الإسلام بالإرهاب والعنف كديانة وثقافة ومجتمعات كاملة؛ ما أدى إلى ترويج كراهية شديدة ضد المهاجرين والأقليات.

حتى أمريكا وصلها التغيير، أو أقول الزلزال بحق، وهو تخفيض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة الأمريكية درجة واحدة أدت إلى إرباك الأسواق المالية العالمية كلها، ووصلت ديون أمريكا إلى 14 تريليون دولار، والعجز عن السداد هدَّد أمريكا كلها بالتوقف عن سداد الفواتير الحكومية، وقد دفع ذلك إلى البحث عن المشكلة الأصلية وهي النمو الاقتصادي المتراجع وزيادة البطالة، وبذلك أصدر البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (المركزي) قرارًا بإبقاء سعر الفائدة في البنوك عند “الصفر” لمدة عامين قادمين؛ لدفع الاقتصاد، وتشجيع الاستثمار، وتحفيز الإنفاقين الشخصي والعائلي.

عند البحث عن السبب سنجد أن أمريكا كانت لأول مرة في نهاية عهد “كلينتون” حققت فائضًا في ميزانيتها بعد سنين عجز من عهد “نيكسون” إلى “كلينتون” (حوالي عشرين عامًا) وقد استهلك “بوش الابن” كل الفائض وحقق عجزًا هائلاً بسبب الحروب التي شنَّها على الإرهاب في أفغانستان والعراق وجنوب لبنان وغزة.

حتى اليابان أصابها زلزال حقيقي أدى إلى وفاة حوالي عشرين ألفًا، وتدمير مدن بأكملها، وتدهور اقتصادي وحالة نفسية مجتمعية جديدة على المجتمع الياباني الذي فوجئ بالكارثة التي هي الكبرى في تاريخه بعد كارثة الحرب العالمية الثانية وإلقاء القنابل النووية على هيروشيما ونجازاكي.

العنوان الرئيسي لهذا التغيير الزلزالي العالمي هو “نهاية الحرب على الإرهاب”؛ لقد اكتشف العالم- ولا يزال يكتشف- الوهم الذي عاش فيه، وهو أن هناك خطرًا عالميًّا يهدد الحضارة الإنسانية، وأن مصدر ذلك الخطر هو المسلمون وعقيدتهم العدوانية وثقافتهم التي تحتقر الإنسان والمرأة وتعتمد العنف والإرهاب.

هذا الوهم بدأ مع زيادة تهديد حركة المقاومة ضد العدو الصهيوني بانعقاد المؤتمر الدولي ضد الإرهاب في “شرم الشيخ” عام 1996م بحضور الرئيس الأمريكي “كلينتون” وقادة العالم العربي جميعًا تقريبًا، وكان هدفه الرئيسي هو مواجهة حركة “حماس”، وحركات المقاومة الأخرى في المنطقة، منها: الجهاد الإسلامي، وحزب الله، والإخوان المسلمون، وأعقب ذلك الإعلان عن إنشاء تنظيم “القاعدة” بعد خروج القادة العرب الذين جاهدوا في أفغانستان ضد الاحتلال السوفيتي من السودان إلى أفغانستان وباكستان عام 1998م.

ازدادت العمليات الإرهابية وانتشرت خلال تلك السنوات الصعبة والعسيرة من العالم العربي في اليمن والسعودية ومصر والجزائر وتونس والمغرب، إلى العالم الإسلامي في باكستان وإندونيسيا والهند، إلى أمريكا في الحادث الأشهر الإجرامي في 11 سبتمبر 2001م الذي دشَّن عالمية الحرب ضد الإرهاب؛ ليتحول العالم كله إلى ساحة مواجهة عنيفة تم فيها الآتي:

 

1- تخصيص ميزانيات هائلة للإنفاق على الحرب ضد الإرهاب في مجالات: الاستخبارات، الأسلحة، نقل القوات، إقامة المعسكرات الدائمة للقوات المسلحة.

2- غزو أفغانستان والعراق وشن حروب على جنوب لبنان وقطاع غزة برضا دولي وسكوت عربي.

3- خلق آلة إعلامية عالمية رهيبة قامت بخلق صورة ذهنية مشوهة عن:

– الإسلام نفسه كعقيدة وحضارة وثقافة.

– شيطنة المسلمين جميعًا؛ كإرهابيين محتملين.

– خلق صورة ذهنية عن غزو محتمل للإسلام في أوروبا وأمريكا تحت عنوان “إنهم يكرهوننا، ويريدون تغيير أسلوب حياتنا، ويهددون حضارتنا”.

 

1- دعم الاستبداد والديكتاتورية والفساد في بلادنا العربية والإسلامية؛ بذريعة أن هذه الشعوب غير مؤهلة للحريات ولا للديمقراطية، ولا تحترم حقوق الإنسان التي تم وضعها جميعها في سلة واحدة، سواء أكانت معتدلة أم عنيفة، وأنها ضد الإنسانية والحضارة والتقدم.

2- دعم غير متناهٍ للعدو الصهيوني بوصفه واحة الديمقراطية الفريدة في منطقة قاحلة صحراوية، وأنه رأس الحرية ضد الإرهاب، والتأييد المتواصل لسحقه للشعب الفلسطيني، وليس لحركات المقاومة فقط.

نحن أمام دور جديد لمصر الثورة التي أعادت الاعتبار إلى القيم الإسلامية الإنسانية والتي صححت الكثير من التشويه المتعمد ضد المسلمين والعرب والحركات الإسلامية، وهذا الدور يحتاج إلى معالجة أخرى.

 مصر تولد من جديد، وينتظرها دور عالمي إنساني.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*