الجمعة , 24 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

نحن لسنا فراعنة ولن نكون … بقلم: د. زكريا سليمان بيومي

محاولة صبغ مصر بالفرعونية بأبعاده ومدلولاته ليس وليد اليوم، بل وليد قرنين من الزمان يحاول خلالها أعداؤنا إعادتنا إلى هذه الهوية الضيقة وسلخنا من هويتنا الحقيقية.

يحاول أتباع الجمعيات السرية والمشبوهة لفرض إطارٍ من الانتماء كي يكون بديلاً عن ولائنا التاريخي للأمة الإسلامية ببعدها الديني والحضاري، والذي جعلنا جزءًا من التاريخ والجغرافيا والثقافة والعقيدة لهذه الأمة.

هذه الجهود الساعية لسلخنا من هذا الانتماء ترجع إلى التمثيلية السخيفة التي بدأت بادعاء الاكتشاف المفاجئ لحجر رشيد وفك رموز اللغة المصرية القديمة وصياغة ذلك في إطار فضلهم علينا وتنويرهم لنا، ثم تبعته أعمال العناية بالآثار حتى كان اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون 1922م وتصويره على أنه عمل علمي فريد فوقع بعضنا في فخ تصديقه، والذي يدعونا للشك والارتياب أنهم أعداؤنا ولا يريدون لنا أي خير، فمن دواعي الغرابة أن يهتموا بالأموات ويحرقون ويسرقون الأحياء.

وإذا كانوا بلغة المصالح أو التسطيح قد نجحوا في إقناع بعضنا بسلامة توجههم فإن الغالبية من أهل مصر يعرفون أنه لا ولاءَ لهم ولا انتماء إلا لوطنهم وتراثهم ودينهم الذي يعتنقه الأغلبية.

لقد جاءت الديانات السماوية بدءًا باليهودية والمسيحية والإسلام لتبدد ارتباط الفراعنة بالدين وتقضي على نظرية الحاكم الإله، وانتهى تأثير الفراعنة السياسي بعد غرق الفرعون وجنده على يد سيدنا موسى عليه السلام، وخضعت مصر بعد ذلك لدوائر حكم أممية أوسع من حدودها منذ عصر خلفاء الإسكندر من البطالمة ثم الرومان، وفتحت حدودها لأجناس شتى من اليونان والبربر والزنوج والفرس.

وبعد اعتناق المسيحية أصبحت كنيسة الإسكندرية مقصدًا لكل أتباعها ومَن يريد التعلم منها أو الارتباط بها، فوفد إلى مصر الكثير واستقروا بها من كل المناطق البعيدة والقريبة.

ثم كان اعتناق الكثير من أقباط مصر للإسلام فأصبحت جزءًا من أمة واسعة تمتد من حدود الصين شرقًا إلى الأندلس وبلاد السنغال غربًا، واستقبلت على أرضها جموع المجاهدين ليعبروها في طريق الفتوحات والوافدين عبر أراضيها للتجارة والحج وطلب العلم فيها، واستقر الكثير منهم بها لينهلوا من علمها الذي عرف قدر المنهج العلمي الإسلامي، وأصبحوا أعلامًا ثم دُفنوا في ترابها ليكونوا تراثًا، وليسوا في مجموعهم من أهل مصر، وتاهت الفرعونية إلا من أثر انحصر في الحجر لا في البشر.

لقد توافد على مصر مَن حكموها بالإسلام حتى العبيد من المماليك، ولو كان الأمر بعيدًا عن منهج الإسلام لما وجد المصريون سبيلاً للفخر بهذه الأزمنة من نصرٍ على الصليبيين أو التتار.

لقد ظلت حدود مصر مفتوحةً من كافة الجهات وعبر فترة زمنية طويلة ارتبط فيها الجميع بحرية التزوج والتنقل والتملك، فذاك تركي وهذا عربي شامي أو مغربي وهذا إفريقي، الكل في وعاء واحد صهرته مصر بنيلها وتراثها، ولم يعد للفرعونية أثر إلا بغرض الانكفاء على انتماء مغلوط يبعد بها عن هذا المحيط الثقافي التراثي الذي رسمته ديانات السماء ومنهج الله.

إننا باسم هذا التراث نؤكد أننا لسنا فراعنة ولن نكون أبدًا ما بقيت أجراس الكنائس ومآذن المساجد قائمة فينا تعبر وتحدد منهجنا وانتمائنا، ويبقى على الجهلاء والمنتفعين وأنصاف المثقفين أن يعوا هذه الحقيقة ويكفوا عن محاولاتهم التي لن تزيدنا إلا تأكيدًا لطبيعة وحقيقة انتمائنا.

——–

* أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر- جامعة المنصورة