الجمعة , 24 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

لا تبخسوا المجتمع حقه

فهمي هويدي

لا يعيب قرار رئيس المجلس العسكري بوقف تنفيذ الأحكام التي أصدرها القضاء العسكري بحق 230 مصريا سوى تعليق المصدر العسكري عليه.

 أتحدث عن الخبر الذي نشرته صحيفة «الشروق» يوم الثلاثاء الماضي 30/8، بخصوص قرار المشير محمد حسين طنطاوي رئيس المجلس العسكري، والذي تضمن فقرة نقلت عن مصدر عسكري قوله إن العفو عن المحكومين عسكريا

«جاء بمناسبة العيد، وليس له علاقة بأي ضغوط أو مطالبات بالإفراج عن نشطاء سياسيين».

 كما تحدث الخبر عن قرار آخر صدر بتحويل 25 من المعروضين أمام النيابة العسكرية إلى القضاء المدني لعدم الاختصاص.

لا أخفي أنني فرحت لأول وهلة حين وقعت على القرار، لكن تعليق المصدر العسكري أصابني بغصة، وسرب إلى شعور بالانكسار والحزن.

فما أن فرغت منه حتى قفز إلى ذهني عدة أسئلة منها ما يلي:

 لماذا حرص صاحبنا على أن يذكر أن قرار المشير لا علاقة له بأي ضغوط شعبية،

ولماذا أراد أن يجعل قراره مكرمة منه، نابعا من تقديره الشخصي فقط؟

 ولأننا نعلم جميعا أن رفض المحاكمات العسكرية للمدنيين كان إحدى القضايا القليلة التي اتفقت عليها الجماعة الوطنية المصرية، فلماذا حرص المصدر العسكري على أن يتجاهل ذلك الإجماع، وأن ينأى بالمشير عن مظنة الاستجابة له؟

 ثم أيهما أفضل لمصر الجديدة أن يجيء قرار المشير بحسبانه صادرا بمعزل عن الإرادة الشعبية، أو أن يقدم باعتباره من قبيل التفاعل مع تلك الإرادة والاحترام لها؟

 أخيرا قلت: أليس هكذا تصنع الآلهة وتظهر بيننا الفراعين كل حين، حين تعمد البطانة إلى تصوير ولي الأمر باعتباره صاحب البصيرة والقرار، ومنبع الحكمة التي تتنزل عليه في عليائه إبان لحظات الصفاء والإلهام، فيبسطها على الرعية التي يقتصر دورها على استقبال المكارم والانصياع للأوامر؟

قبل أن أسترسل أنبه إلى أمرين،

أولهما أنني أسجل احتراما للمشير وأكرر تقديري لشخصه ولقراره،

وثانيهما أنني أثق في حسن نية المصدر العسكري أيا كان اسمه أو رتبته.

واعتبر أن انتقادي لتصريحه لا يخل بالثقة فيه أو الاحترام له، وإنما يسجل اختلافا في تقدير خلفيات قرار المشير، وعتابا على ما نسب إليه من تجاهل لدور الإرادة الشعبية في اتخاذ ذلك القرار.

عندي بعد ذلك ثلاث ملاحظات:

الأولى: أن ثورة 25 يناير حين أعادت الوطن من مختطفيه إلى أصحابه الحقيقيين، فإنها ردت للمجتمع اعتباره، وأتاحت لصوت الجماهير أن يرتفع في المجال العام، بعد طول تجاهل وانحباس. وقد انتابني شعور بالغيظ والاستياء حين وجدت أن المصدر العسكري ضنَّ علينا بإشارة تسجل أن صوتنا صار يسمعه أولو الأمر،

وقد كان بوسعه أن يترك القرار بغير تعليق من جانبه ويدعنا نظن أنه صدر استجابة للضغوط الشعبية، ولكنه لم يفعلها وقال قولته التي بدا منها وكأنه أراد أن يخرج لنا لسانه منوها إلى أن القرار لا علاقة لنا به.

ملاحظتي الثانية: أن تجاوب الحاكم مع إرادة الشعب فضيلة تحسب له وترفع من قدره، فضلا عن أنها تنسينا مرحلة الرئيس المستعلي والمعاند، ناهيك عن أن العدول عن الخطأ خير ألف من الاستمرار فيه.

ويذكر للمشير طنطاوي بكل التقدير أنه راجع بعض القرارات المشكوك في صوابها، ومنها إلغاء قرار تحويل الناشطة أسماء محفوظ للقضاء العسكري.

كما أن القرار الأخير الذي نحن بصدده يدخل في هذا الإطار. وإذا استمرت هذه السياسة فإنها تعطينا أملا في طي صفحة محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، وهو الخطأ الجسيم الذي نرجو تصويبه يوما ما.

الملاحظة الثالثة: أننا نتمنى في هذه المناسبة ليس فقط أن توقف محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، وإنما أيضا أن نعيد النظر في مجمل الدور الاستثنائي الذي يقوم به القضاء العسكري، الذي يعد بدعة لا يعترف بها أهل القانون.

 فهو مجرد جهة وليس سلطة ثم إنه ليس مستقلا لأنه بحسب قانونه أحد تشكيلات وزارة الدفاع،

بالتالي فهو يفتقد إلى المقومات الأساسية لأي قضاء معتبر في الدولة الحديثة، التي تقوم على الفصل بين السلطات وتشدد على استقلال القضاء، واعذرونا إذا أسرفنا في الحلم، بعدما عشنا طويلا في أزمنة الأحلام المجهضة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*