الأحد , 19 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

الثورات العربية والأمل القادم

الثورات العربية والأمل القادم

رسالة من: أ.د. محمد بديع المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن والاه وبعد.

الشعوب تريد الحرية:

انطلقت شعوبنا العربية في ثوراتها المباركة؛ لتستعيد كرامتها المسلوبة، وعزتها المهضومة، وحريتها المنهوبة، من يد طغاة تربعوا على عروشهم بالتزوير والتدليس، وقادوا البلاد بالقهر والاستبداد.

هذه الثورات تسجل اليوم تاريخًا جديدًا للأمة العربية، وتسطر صفحة ستكون نبراسًا لشعوب الأرض قاطبةً، من خلال ما نشاهده ونراه، من توفر عوامل النجاح والنصر الربانية من الله تعالى صانع النصر الحقيقي، لتحافظ الشعوب عليها من التفاف حول هدف واحد، وفي ذات الوقت لا يشغلهم عن العدو المتربص بهم، وهم يقدمون التضحيات الجسام يتمسكون بمكاسب الثورة وقضايا الأمة، من استقلالية وعدم تبعية، تجعلهم في وحدة متماسكة نحو تحرير الوطن الإسلامي، وفي القلب منه فلسطين، مما يدعم الأمن العربي ويحقق حماية المقدسات.

وبعد أن مَنّ الله على الشعب المصري والتونسي وأخيرًا بفضل الله الشعب الليبي بالنصر على حكامهم وبالحرية وامتلاك الإرادة، فإننا ندعو الشعوب والحكومات العربية والإسلامية إلى دعم حركة الشعوب التواقة إلى الحرية في اليمن وسوريا، ونأمل أن يكون لدى حكومات هذه البلاد الحس الوطني والإنساني الذي يدفعهم إلى تقديم مصالح الشعوب والأوطان على أي مصالح أخرى؛ لأن الشعوب والأوطان باقية وهم زائلون، وكذلك عليهم أن يعلموا أن الله سائلهم عما استرعاهم من مقدرات البلاد وحقوق العباد، وليختاروا إما أن يدعو لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يدعو عليهم؛ لأنه القائل: “اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ، فَارْفُقْ بِهِ، وَمَنْ شَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ” رواه مسلم، ونذكرهم بأن الشعوب التي تخرج مطالبةً بحقوقها الطبيعية في الحرية والعدالة لا يمكن أن تعود أدراجها ما لم تحقِّق الأهداف التي خرجت من أجلها، وبأن الدماء البريئة التي تسفكها النظم المستبدة؛ تزيد الثورة اشتعالاً، وترفع من سقف مطالب الثوار، وأن الظلم مهما طال به الزمن فهو إلى زوال: يقول تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ (إبراهيم: من الآية 42).

لقد كشفت الثورات العربية بعد قناعة الشعوب بالإسلام وشريعته أن الولايات المتحدة قلقة، وكل أصدقاء أمريكا في المنطقة يشعرون بالخطر، واتضح أن من أكبر “إنجازات” أمريكا في هذه المنطقة تحييد وتهميش دور مصر وإضعافها، والمشاهد العربي الذي تتبّع محرقة إسرائيل ضد شعب فلسطين في غزة، ورأى التنسيق المصري الإسرائيلي، وغلق الحدود، وتدمير الأنفاق ثم بناء جدار، أدرك وجود البنود السرية في اتفاقيات كامب دافيد؛ مما دفع المحللين إلى قولهم: (الشرق الأوسط الكبير يبدو كأنه يصنع نفسه بآليات جديدة هي الثورات الشعبية).

صناعة الأمل القادم

أولاً- استمرار التطهير:

إن استكمال مسيرة التطهير، أصبح مطلباً شعبيًّا، وضرورة ثورية، والذين يحاولون الآن العودة إلى الحياة السياسية البائدة واهمون، ولن يعودوا إلى ما كانوا عليه، فلا تزال الثورات المباركة تؤتي أكلها، وتقدِّم برهانًا عمليًّا على قوة الشعوب وحيويتها وتحضُّرها، وعلى أنها لا تزال متمتعة بكل عناصر القوة والصحة والسلامة، ولا تزال مهتمة بملاحقة رءوس وفلول الفساد التي قعدت بالأمة عن النهوض عقودًا طويلةً، وسعت في تدمير الشخصية العربية القوية لصالح أعداء الأمة مقابل منافع شخصية ومصالح ذاتية.

ثانيًا- وحدة الصف ضرورة:

وهو مطلب ضروري لا غنى عنه لأمتنا، وقد جاء الشرع بالتأكيد على هذا الأصل ورعايته، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)﴾ (آل عمران).

ونحن اليوم أحوج إلى وحدة الصف، لأن في الافتراق والخلاف ضعفًا وإضاعةً للجهود، وتشتيتًا للطاقات، خاصة وأمتنا تعاني تآمر المفسدين وكيدهم، فهل نخدمهم بفرقتنا ونخذل أمتنا؟ فالواجب على كل الثورات العربية أن تدرك خطورة التشرذم، وأن تعي أهمية الصف المتحد، وأن تعمل على تقويته بالمواقف لا بالأقوال، وإن اختلفت الآراء فلا تختلف القلوب، وإن تعددت الوسائل فلا تتعدد المقاصد، فاستمرار الحوار يقرب المسافات، ويرأب الصدع إن وجد، وهذه سنة الله في الحياة.

وعلى الثوار في أوطاننا ترك التخوين لبعضنا البعض أو محاولة كل فصيل الأخذ من رصيد الفصيل الآخر أو النيل منه، فلنتحد على الكليات الموحدة لنا ولنتعاون فيما اتفقنا عليه وليعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه. والمتفق عليه بيننا كبير بل وكبير جدًّا والمختلف عليه قليل جدًّا فلا ينبغي أن نجعل القليل يطغى على الكثير أو يؤثر عليه.

ثالثًا- العمل والبناء:

ومع استمرار التطهير ووحدة الصف، يستمر الضغط الثوري، بشرط أن يكون بمسئولية، فلا يعطل عجلة الإنتاج، حتى نفوت الفرصة على ممن يحاولون إفساد الثورات، ومن أولويات النهضة الحالية أننا بحاجة إلى انتخابات حقيقية، يختار فيها الشعب ممثليه، لنجد من يراقب باسم الشعب كل ما يدور في البلاد، فتكون سلطة رقابية على أي مسئول تسول له نفسه أن يخون الأمانة التي كلف بها.

كما نحتاج إلى دساتير جديدة في أسرع وقت ممكن بالإرادة الشعبية بعد الانتخابات التشريعية التي تفرز البرلمانات الحرة، لتبدأ مرحلة البناء والإعمار وإصلاح ما أفسدته النظم المستبدة طوال سنين عجاف، ولتعود للشعوب سيادتها وكرامتها المستحقة.

إلى المستقبل لبناء نهضة الأمة

ينبغي أن ننطلق لتحقيق الرسالة التي قامت الثورات من أجلها، وهي رسالة النهوض بهذه الأوطان، وإقامة دول حرة في هذه البلاد التي ضحَّى الشهداء والمصابون بدمائهم في سبيلها، ودفع الأحرار والشرفاء من حرياتهم وأعمارهم وأموالهم في سبيل الوصول إليها؛ مما يوجب العمل على استقرار أمور البلاد، وإعادة عجلة النشاط العام والنشاط الاقتصادي للدوران، ويوجب إزالة كل العوائق التي تحول دون الإسهام في هذا المشروع الكريم، ويوجب على كلِّ حرٍّ شريفٍ مخلصٍ لهذه الأمة أن يتقدم ليحمل نصيبه من العمل فيه: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (المائدة: من الآية 2).

إن الأمل القادم يعني بناء المستقبل، بمعنى أن نهضة الأمة تبدأ من بناء مؤسَّسات الدول وإدارتها وحكومتها، في كل المجالات السياسية والاقتصادية والقضائية والعلمية والإعلامية والاجتماعية والفنية والرياضية والعسكرية والشرطية وغيرها.. بناؤها بالتخصّصات والمتخصّصين الوطنيين الأمناء على اختلاف دياناتهم وثقافاتهم، تطبيقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (القصص: من الآية 26)، وخوفًا من تحذير وإنذار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- “إذا وُسِّدَ الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة” جزء من حديث رواه البخاري).

إن البناء الحقيقي والثابت والمستقر هو ما كان مبنيًا على قيم الإسلام العظيمة من عدل وحرية وشورى ووحدة وتعاون وانتماء وإحسان وإتقان وتمسك بالهُويَّة، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (النساء).

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله أكبر ولله الحمد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*