السبت , 18 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

10 سنوات على أحداث سبتمبر.. وانقلب السحر على الساحر

بقلم: د. عصام العريان

مرت عشر سنوات على أحداث سبتمبر التي لا يزال يلفها الغموض وراح ضحيتها آلاف الأمريكيين الأبرياء ولم تتم محاكمة عادلة لأي من المتهمين حتى الآن، وتسببت في حربين مدمرتين في أفغانستان والعراق قتلت حوالي 2 مليون مسلم و7 آلاف أمريكي وأوروبي، وأهدرت مليارات الدولارات من ثورات العرب والمسلمين، فضلاً عن 4 تريليونات دولار أمريكي في نفقات مباشرة وغير مباشرة، وكانت سببًا للانهيارات المالية والاقتصادية في أمريكا وأوروبا والعالم، رغم عدم الاعتراف بذلك من الساسة الأمريكيين.

الكل خسر في تلك الحرب الدامية التي انتقلت إلى كل أنحاء العالم من بالي في إندونيسيا إلى لندن ومدريد في أوربا إلى مندوبي رواد السلام في إفريقيا مرورًا بباكستان والهند في آسيا إلى الدار البيضاء والجزائر وتونس والسعودية في العالم العربي.

تصور الصهاينة أنهم أكبر الرابحين في تلك الحرب العالمية على الإسلام وعقيدته وحضارته باسم الحرب على الإرهاب.

ونجح العدو الصهيوني في خلط الأوراق بحيث تم وضع حركات المقاومة الفلسطينية والعربية على قوائم الحركات الإرهابية.

تأتي الذكرى العاشرة لأحداث سبتمبر وسط أحداث عربية ثورية أعادت بوصلة العالم العربي إلى الاتجاه الصحيح، ففي الوقت الذي يتذكر فيه الأمريكيون ضحايا الأحداث ونتائجها على الجيش والشعب والاقتصاد الأمريكي يعيش العرب ربيع الثورات العربية التي تنتقل من بلد إلى بلد؛ حيث لا تزال تونس ومصر وليبيا في مرحلة انتقالية نحو إرساء حياة ديمقراطية تعيد الاعتبار إلى الشعوب العربية وتجعل القرار السياسي والاقتصادي في يد الشعب وليس ملك حاكم طاغية رئيسًا كان أم ملكًا أم أميرًا.

وقد انتقل تأثير الثورة من تلك البلاد إلى سوريا واليمن كمحطات إستراتيجية مهمة جدًّا في المنطقة العربية، وخلال شهور ستنتصر الشعوب وتصبح المنطقة كلها على أبواب مرحلة جديدة.

الحرب على الإرهاب خلال الـ 15 سنة الماضية مرت بمحطات مهمة كان أهمها:

1] قيادة أمريكية صريحة تحت عنوان “من ليس منا فهو ضدنا” أدت إلى إرهاب الدول جميعًا في المنطقة العربية وأوربا والعالم أجمع للانضواء خلف اللواء الأمريكي وحشدت خلفه جيوشًا وعتادًا لتدمير بلدين والاستيلاء على ثروات مناطق شاسعة من العالم خاصة، بترول بحر قزوين وبترول العراق، ووضع أكبر احتياطي نفطي عالمي تحت وصايتها المسلحة ورعاية قواعدها العسكرية في الخليج العربي.

2] ازدياد وتيرة العنف في العالم كله كذريعة لاستمرار الحروب المدمرّة واستنزاف الثروات العالمية.

3] توريط أوربا وحلف الناتو تحت الضغط الأمريكي في تلك الحروب ووضعها في بؤرة الاستهداف للعنف العشوائي ضد المدنيين وعدم تعويضها من كعكة إعادة الإعمار أو حتى سياسيًّا، ويكفي إهانة رامسفيلد لأوربا بقوله “إن أوربا القديمة ما زالت تسيطر على عقول الساسة الأوروبيين” ويكفي الإشارة إلى “توني بلير” كأنه كلب بوش المدلل في الإعلام البريطاني للتدليل على حجم الإهانة التي ألحقتها الإدارات الأمريكية منذ كلينتون وبوش الابن بأوربا كلها وإلغاء أي دور قيادي لأوروبا.

4] ازدياد وطأة الحكام الديكتاتوريين في المنطقة العربية والإسلامية لتنفيذ سياسات الحرب ضد الإرهاب التي شملت الاعتقال دون سند من القانون، والتعذيب البشع لحساب غير الخاصة وكالة الاستخبارات الأمريكية، وإلغاء أي إصلاحات ديمقراطية أو سياسية، والسير في ركاب السياسات الصهيونية.

5] الاستثمار الصهيوني الكبير لتلك الحقبة الإرهابية، وحصار الشعب الفلسطيني وقتل زعيمه “عرفات” ومطاردة حركات المقاومة البطولية، وحصار وتجويع قطاع غزة، وشن حربين مدمرتين ضد جنوب لبنان وقطاع غزة.

انقلب السحر على الساحر

الآن ومع الذكرى العاشرة لأحداث سبتمبر انقلب السحر على الساحر فها هي الثورات العربية أعادت الأمور إلى المسار الطبيعي.

الشعوب العربية انتفضت وثارت ضد الديكتاتورية والقهر والطغيان والاستبداد والإفساد والفساد.

أطاحت الشعوب حتى الآن بثلاثة من عتاة الديكتاتوريين الضالعين في الحرب ضد الإرهاب.

مبارك الكنز الإستراتيجي الذي قاد العالم العربي لتدمير العراق وحصار غزة، وبن علي الذي حاول تجفيف منابع الإسلام نفسه في تونس الخضراء، والقذافي الذي موَّل حركات التمرد والانفصال في السودان والصومال وإفريقيا، وكان عميد الحكام الإرهابيين الذين مولوا حركات العنف في كل أنحاء العالم.

أوربا تريد التخلص من السيطرة الأمريكية وهيمنة اليمين المتطرف في الإدارات والأحزاب الأمريكية، وتريد الانتقام من الذين همشوها وأهملوها في إعادة إعمار العراق وورطوها في المستنقع الأفغاني وها هو ساركوزي وكاميرون يقودان أوربا والناتو في غياب القيادة الأمريكية في الحرب على القذافي بذريعة حماية المدنيين ويريدون الاستئثار بالكعكة النفطية الليبية بعيدًا عن أمريكا والصين وروسيا، وها هم أيضًا ًيديرون الملف السوري الذي لا يحمل غنائم نفطية؛ ولذلك لا نتوقع أي تدخل عسكري لتدمير سوريا كما تم تدمير ليبيا.

الحكام العرب الباقون في سدة السلطة ارتبكت حساباتهم واختلت بوصلتهم خاصة مع انهيار منظومة الأمن الإقليمي التي رعتها أمريكا والعدو الصهيوني، ولا بد أن يدرك الجميع أن المصلحة العربية العليا تقتضي النظر بأهمية قصوى إلى آمال بقية شعوب العالم العربي والإسلامي إلى الحرية والعدالة الاجتماعية والحياة الكريمة وإقرار حق الشعوب في الديمقراطية السياسية وحكم أنفسهم بأنفسهم، وإجراء تنمية اقتصادية واجتماعية حقيقية تستثمر ثروات العرب في بلاد العرب والمسلمين لصالح شعوبها.

العدو الصهيوني يعيش حالة من الذعر والقلق، خاصةً بعد اقتحام السفارة الصهيونية بالقاهرة، والتحول الخطير في العلاقة الإستراتيجية مع تركيا، وبروز محور جديد تفرضه الإرادة الشعبية التي تتشكل الآن وتتطور مع الوقت، وتصاعد دعوات المقاطعة الأكاديمية والاقتصادية في أوروبا نفسها ضد المستوطنات، وحالة العزلة المتنامية للحكومة اليمنية (اليمينية) المتطرفة، وتصاعد الاحتجاجات الشعبية للفئات المحرومة داخل المجتمع الصهيوني نفسه.

إذن نحن في تلك الذكرى التي راح ضحيتها ملايين في أنحاء العالم بسبب السياسات الإرهابية التي غذت هجمات العنف في مختلف أنحاء العالم نترقب بزوغ فجر جديد من الأمن والسلام في العالم بعد تلك التحولات المهمة التي تعيشها الشعوب العربية والدماء الزكية للشهداء في مصر وتونس وليبيا وسوريا.

(وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا) (الإسراء: من الآية 51).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*