الجمعة , 24 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

قراءة في المشهد العام 27/1/2010م

تقرير أسبوعي يرصد باختصار أهم التغيرات الداخلية والإقليمية والعالمية

أولاً: الشأن الداخلي

1) حول خطاب الرئيس في عيد الشرطة

ركَّز الخطاب على قضية الأمن القومي بأبعاده الداخلية والخارجية، وقد شغلت هذه القضية الجانب الأكبر من الخطاب، وربما يرجع ذلك الاهتمام إلى تزايد التحديات والمهام الأمنية التي تواجه النظام في المرحلة الحالية، ويمكن توضيح ذلك في الآتي:

(أ) أكد الرئيس مرتين دوره كرئيسٍ للدولة والمسئول عن حماية الأمن القومي، وقد جاءت المرة الأولى في سياق الحديث عن التحديات الناجمة عن عدم الاستقرار على المستوى الإقليمي، والاتساع المتزايد للعنف والإرهاب- على حدِّ قوله- في المنطقة من أفغانستان وحتى السودان، وأشار هنا إلى أن التعامل مع هذه التحديات يكون من خلال الحسم وليس بأنصاف الحلول، أما المرة الثانية فقد جاءت في سياق التحذير من المساس بالوحدة الوطنية، وتأكيد أن هذا التحذير يأتي من رئيس الدولة، وأكد أن التعامل مع الأحداث التي تأخذ بعدًا طائفيًّا سيكون بحسم.

(ب) ومن حيث ترتيب القضايا فقد شغلت الأحداث الطائفية ما يقرب من 40% من محتوى الخطاب، حاول التأكيد من خلالها على خطورة البعد الطائفي على استقرار الدولة، والرفض التام للتدخلات الخارجية ومحاولات الاستقواء بالخارج، ولم يخلُ الخطاب من توجيه النقد للكنيسة لتدخلها في الشئون الداخلية للدولة.. وقد جاءت قضية تأمين الحدود الشرقية؛ لتكشف عن إصرار النظام المصري على استكمال بناء الجدار الفولاذي، لوقف التهديدات العابرة للحدود، كما يزعم هذا النظام.. وقد جاءت الإشارة لانتشار الفكر السلفي في سياق الحديث عن انتشار الشبكات الإرهابية والفكر التكفيري، وبهذا المعنى، يعتبر النظام أن الجماعات السلفية تشكل تهديدًا له، وتشير مواقف الدولة من “النقاب” إلى جانب من رؤية ومواقف النظام المناهضة للفكر السلفي (كما يعرفه هذا النظام).

(ج) وعلى الرغم من وضوح هذه التحديات من وجهة نظر النظام القائم فقد اقتصرت معالجتها على الدولة والسلطة بشكلٍ رئيسي مع الإشارة بشكلٍ مقتضب وسلبي إلى دور الأزهر والكنيسة.. كما أشار إلى دور المثقفين و”عقلاء الأمة” في تأكيد قيم المواطنة والدين كإطار روحي، وكان الأجدى أن ترفق هذه الدعوة بوضع مسارات للتعاون بين الدولة والمجتمع والقوى السياسية وجماعة الإخوان المسلمين صاحبة المنهج الإسلامي الوسطى المعتدل لوضع حلول للتحديات التي تواجه الأمة (إن صحَّ هذا الزعم).

الخلاصة: لم يظهر من محتوى الخطاب أنه تأثَّر بطبيعة المناسبة (عيد الشرطة)، ولكن المشكلات التي ذكرها تشكل تحديات حالة ومباشرة، وتتطلب توضيح وتحديد المواقف الرسمية تجاهها، ويبدو أن سياسة الدولة تجاه هذه القضايا سوف تتحدد في:

(1) الضغط على الكنيسة لوقف سياسات التعبئة والتعصب لدى المسيحيين في الداخل والخارج، غير أن التحدي الذي سوف يواجه السلطة يأتي من انتشار الامتدادات الخارجية للكنيسة الكاثوليكية والإنجيلية وارتباطها بالسياسة الخارجية الأمريكية والأوروبية.

(2) إن السياسة الأمنية الداخلية سوف تُركِّز في المرحلة القادمة على مواجهة الأفكار والاتجاهات التي تؤدي إلى التطرف (من وجهة نظرهم)، ومن المرجح أن تعيد السلطات تقدير مواقفها من الجماعات السلفية.

(3) إن هذا الخطاب يوضح أبعاد الانكشاف والضعف الأمني لدى النظام؛ حيث إن التباين والتفاوت بين حجم التحديات والتهديدات التي يدركها وبين قدرته المحدودة للتحرك والمعالجة، يوضح اتساع فجوة القدرات والإمكانات.

(4) ومن كل ما تقدم يتأكد أن الحلول الأمنية لمشكلة الاستقرار الداخلي والأمن القومي داخليًّا وخارجيًّا لا تجدي وتقف عاجزةً، كما كانت دائمًا ويجب على العقلاء في هذا النظام أن يدركوا أن إطلاق الحريات وتوفير المناخ السلمي والاستقرار الاقتصادي ومواجهة الفساد وأهله بحسم وعدل وإتاحة المشاركة الفعَّالة والكاملة بحسم وعدل وإتاحة المشاركة الفعالة والكاملة لكل الأفراد والمؤسسات والأحزاب والجماعات السلمية طبقًا للقانون والدستور وعمل إصلاح سياسي حقيقي.. إلخ، هو السبيل الوحيد لاستقرار الوطن وتحقيق الأمن الداخلي وتقوية الأمن القومي كله ضد العدو الحقيقي للأمة متمثلاً في الصهيونية العالمية والمتمركزة في فلسطين.

2- حوارات النخبة حول التطور السياسي:

إذا كانت حوارات النخبة السياسية والفكرية تكشف عن مؤشرات أولية للحراك السياسي، فإنها في ذات الوقت تعكس حالة الصراع والاستقطاب السياسي في الدولة، وبشكلٍ عام توضح الحوارات التي أجريت خلال الفترة الماضية، وخاصةً على صفحات الجرائد، وجود اتجاهين للتغيير والإصلاح السياسي في مصر، فالاتجاه الأول: يذهب إلى ضرورة صياغة النظام السياسي وفق قواعد جديدة بما يزيد من المشاركة السياسية للمواطنين وتوفير فرص أفضل لممارسة الحقوق السياسية والاقتصادية.

وقد ذهب هذا الاتجاه- وتمثله شخصيات عامة لا تنتمي لاتجاهٍ سياسي- إلى أن الدستور الحالي يحول دون حدوث التطور السياسي في الدولة، ومن ثَمَّ يرى هذا الطريق أن الإصلاح السياسي وإعادة بناء القوة الشاملة للدولة، يتطلب ليس فقط صياغة دستور جديد، ولكن أيضًا توفير مناخ من الحريات العامة يستوعب كافة الفئات الاجتماعية والشرائح الفكرية، ويقضى على حالة الاستبعاد والتهميش.

وفيما يبدو أنه رد وتعقيب على هذه الحوارات، نشرت حوارات أخرى للنخبة السياسية القريبة من السلطة، وهي في مجملها تمثل الاتجاه الآخر للنقاش حول المستقبل السياسي في الدولة، وعلى خلاف حوارات المجموعات الأولى، تنطلق حوارات المجموعات الثانية من الوضع القائم وتدافع عنه، وتبحث عن العراقيل التي تحول دون توسيع الفرص في المشاركة السياسية، وتكرار الحديث عن الصعوبات التي تواجههم في هذا الشأن.

وفي سياق الحديث عن التغيير السياسي، ترى هذه المجموعة أن التغيير السياسي في مصر سوف يكون محكومًا بالإطار الدستوري الحالي، إلا أنها أدخلت العوامل الخارجية كطرف مؤثر في التوجهات السياسية المصرية؛ حيث ثمة إشارة إلى أن الخيارات الإستراتيجية (كمنصب الرئاسة) تتأثر بالمواقف الأمريكية والصهيونية.

وبغض النظر عن حقيقة الخلاف بين التيارين، فإن الظهور المتتابع لمواقف وآراء الاتجاه الثاني، يكشف عن رغبة السلطة والقريبين منها في استمرار الاستحواذ على كل المقومات السياسية للدولة والوقوف بها عن مسار التطور.

ثانيًا: الشأن الإقليمي

اللقاءات المتناثرة حول القضية الفلسطينية:

رغم إجراء العديد من اللقاءات والمقابلات حول القضية الفلسطينية خلال الشهور الماضية، لم يتم التوصل إلى الحد الأدنى بين الأطراف المختلفة بشأن وضع أجندة للمفاوضات؛ حيث كان من المتوقع أن تخطو المباحثات الأمريكية- المصرية خطوةً في هذا الاتجاه، إلا أنها كشفت عن محدودية ما أنجزته تلك اللقاءات وغيرها.

ورغم التفاؤل قبل زيارة الوفد المصري إلى أمريكا، فإن تصريحات الخارجية كشفت عن وجود فجوة كبيرة مع السياسة الأمريكية، إذْ أشارت أولاً إلى أن تلك الجولة كانت استكشافية لنقاط الحوار بين الأطراف العربية والولايات المتحدة، وثانيًا أن الأمر لا يعدو كونه مطالبة أمريكا بتحديد موقفها من أربعة موضوعات (1) الأسس التي تقوم عليها المفاوضات، (2) جدول أعمال المفاوضات، (3) الإطار الزمني، (4) ملامح الرؤية الأمريكية للتسوية.

وبهذا المعنى، فإن الحديث عن وجود مبادرات أو مقترحات قابلة للتنفيذ يعد أمر غير ذي جدوى؛ حيث إن المسائل الأساسية والمتعلقة بالمفاوضات، لا تزال- في ظل تغير الحكومات في أمريكا والكيان الصهيوني- قيد المناقشات التمهيدية، وليس من المتوقع في المستقبل حدوث تطورات نوعية تؤدي إلى الدفع بأحد الخيارات المطروحة- أيًّا كانت- نحو التفعيل والتنفيذ، وإذا كان هذا الوضع يعكس الجمود السياسي الإقليمي والدولي تجاه القضية الفلسطينية، فإنه في ذات الوقت يعكس عددًا من التباينات والخلافات السياسية التي يجب النظر إليها قبل إعداد مسرح المفاوضات.

وهنا تأتي أهمية وحدة الموقف العربي وإعادة النظر في المبادرة العربية؛ حيث إن تكوين موقف عربي متماسك من شأنه الضغط على الأوروبيين والأمريكيين لأخذ الأمور بأكثر جدية ممكنة، ومن الممكن هنا الاستفادة من المناخ الإقليمي الجديد الذي يوفره التعاون التركي- العربي في تكوين إطار جديد للعلاقات والمصالح الإقليمية والعالمية (هذا إذا كان النظام العربي الرسمي يرغب بالفعل في إيجاد حل للقضية الفلسطينية).

والمسألة الثانية والتي لا تقل أهميةً، هي ما يتعلق بالمصالحة الفلسطينية؛ حيث إن المضي في إتمام هذه المصالحة سوف يدعم الموقف العربي، ولذلك فإنه ليس من المصلحة التحيز ضد طرف فلسطيني لحساب طرف آخر، فسياسة التحيز تؤدي إلى إجهاض كل القدرات دون فائدة، وهذا التحيز واضح؛ حيث إن معظم الأنظمة العربية تنحاز إلى فتح ضد حماس والمقاومة، وخاصةً النظام المصري.

يبدو أن ما يعتقد أنه مسألة طائفية مرشح ليصير قضية دولية، وخاصةً مع تزايد حدة الانتقادات لأحداث نجع حمادي، وتصويرها على أنها أحداث طائفية وعنصرية تستند لمرجعية دينية إسلامية، وهو ما يؤثر سلبًا على التكوين الثقافي والسياسي للمجتمع المصري، وقد اتضح ذلك من الانتقادات المباشرة من جانب الكاثوليك، سواء في الفاتيكان وإيطاليا أو فرنسا، وقد كان موقف الفاتيكان في بيانه منحازًا وملتبسًا؛ حيث التمس العذر لأعمال التطرف والعنف من قِبل المسيحيين والأقباط، واعتبرها تصرفات فردية ولا تمثل توجهات للدول التي تحدث فيها، في حين أكد أن الإسلام السياسي وصعود تياره في العالم العربي والإسلامي هو أصل مشكلة الطائفية والتطرف، ودارت الانتقادات لأحداث “نجع حمادي” حول أن الحكومة والسلطات المحلية لا توفر الحماية الكافية لضمان سلامة “المسيحيين الأقباط” وتتركهم عرضة للتهديد والاعتداء والقتل، وهو ما يعتبر اتهامًا سياسيًّا للحكومة المصرية بالتقصير في القيام بمهامها نحو شريحة من المواطنين، مع الإشارةِ إلى أنها سياسات متعمدة وعنصرية.

من جهتها، اعتبرت الخارجية المصرية الانتقادات الأوروبية والكاثوليكية مسيئة إلى الدولة وتعد تدخلاً في الشئون الداخلية، كما اعتبرتها نوعًا من الوصاية على السياسة المصرية؛ ولذلك كانت التصريحات والردود المصرية عنيفة؛ لأن الانتقادات مست النظام حيث اعتبرت المواقف الأوروبية غير مرغوبة ومفاجئة؛ وذلك وفقًا لتصريحات وزير الخارجية التي أشار فيها إلى “.. أننا فوجئنا بالمواقف الإيطالية..”.

وإلى جانب المواقف الأوروبية، صدرت مواقف داخلية تتوافق مع ما ذهبت إليه دولة الفاتيكان؛ حيث أشارت إلى اتهام الدولة المصرية بالتقصير تجاه الأقباط والتحيز ضدهم، وهذا التلاقي وإن كان يعكس تقاربًا ومصالح مشتركة، إلا أنه في ذات الوقت يكشف عن مدى القابلية لحدوث أزمات اجتماعية ودينية أخرى؛ حيث إن قبول البعض بالانتقادات الخارجية والترحيب بها ودون الاهتمام بالبحث في أسباب المشكلة وعلاجها، يعد من العوامل المساعدة على بعث الأزمات الاجتماعية في صور وأشكال متعددة.

لقد جاءت الانتقادات الرسمية من مركز الكاثوليكية في العالم (الفاتيكان وإيطاليا وفرنسا) لتثير حالةً التنافس بين الكنائس المختلفة على قطاع الأقباط المصريين، وخاصةً بعد توسع أنشطة الكنيسة الإنجيلية، وهو ما سوف يكون خصمًا من الأرثوذكس، ويزيد التوتر الاجتماعي ليس فقط بين المسلمين والأقباط ولكن أيضًا فيما بين الأقباط أنفسهم، وبشكل يهدد تماسك الدولة والمجتمع.

وإذا كانت الدول الأوروبية تتباكى على الحريات الدينية في مصر والعالم العربي، فإن مواقفها الرسمية تجاه مواطنيها المسلمين تكشف عن مدى قمع الحرية الدينية، فخلال العام الماضي رفضت الكنيسة الكاثوليكية تدريس مقررات الدين الإسلامي للمسلمين في المدارس الأوروبية الإيطالية بسبب أن الإسلام لا يعد من مكونات الثقافة الإيطالية، كما يرفض العديد من الدول الاعتراف بالحقوق الدينية للمواطنين المسلمين، وما قضيتا منع الحجاب في فرنسا ومنع بناء المآذن في سويسرا عنا ببعيد.

2) المعايير الأمريكية المزدوجة تجاه الحريات:

ما زالت الأيديولوجية السياسية الأمريكية تراوح- على مستوى الخطاب الرسمي- بين الحرية والرقابة، وهو أمر يكشف عن الجوانب النفعية في السياسة الخارجية الأمريكية وتجاوزها للمبادئ التي تدعيها.

فقد شهد الأسبوع الماضي موقفَين متناقضين للسياسة الأمريكية تجاه مسألة الحريات الإعلامية وتداول المعلومات، فبينما تدخلت وزارة الخارجية لحساب شركة “جوجل” ضد محاولات الصين فرض رقابة على “الإنترنت”، فإنها بدأت في ذات الوقت في إجراءاتٍ للضغط على شركات الأقمار الصناعية لوقف بثِّ قنوات فضائية لا ترضى أمريكا عنها، فقد أصدرت الخارجية بيانًا (حوالي 5000 كلمة) يتناول قضايا حرية المعلومات، ودورها في تحقيق التقدم والتواصل بين الشعوب، وفي هذا السياق أشار إلى أن الولايات المتحدة لن تتخلى عن مساندة الشركات الأمريكية التي تعمل في مجال “الإنترنت”، وهو ما يعني ممارسة ضغوط على “الصين” لتقليل الرقابة أو إلغائها.

ومن ناحيةٍ ثانية، أصدر الكونجرس قرارًا يدعو إلى الرقابة على شركات الأقمار الصناعية العربية للرقابة على محتوى البثِّ الفضائي للقنوات المسجلة على هذه الأقمار، ومن المتوقع أن يأخذ هذا القرار مكانه في السياسة الخارجية الأمريكية، وهو بشكل عام يهدف إلى وقف بثِّ القنوات التي تنتقد السياسة الأمريكية، وتفضح ممارسات البيت الأبيض ضد الحريات في العالم.

ومن الواضح أن السياسة الأمريكية تركز على جانبين؛ الأول: هو السعي المستمر لفرض الثقافة الأمريكية وتذليل العقبات التي تحول دون نشرها لأجل تفكيك المجتمعات ذات الثقافة المختلفة، أما الثاني: فهو ما يتعلق بكبت الأصوات المعارضة للسياسة الأمريكية، والتي تُشكِّل وعيًا ثقافيًّا وسياسيًّا لا يتسق والأهداف الأمريكية الصهيونية العالمية.