الأحد , 19 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

استرداد مصر.. مؤسساتها وثرواتها

بقلم: د. عصام العريان

تتزاحم الواجبات اليوم أمام كل المصريين والمصريات، بعد أن أزاح المصريون العقبة الكؤود التي كانت تقف في وجه أحلامهم وطموحاتهم، علا صوت المطالبات وارتفع هتاف الحرية في كل مكان، وتزاحمت الأولويات أمام كل مصري ومصرية.

بعد أن أفاق المصريون على فجر تحطيم قيود الأغلال التي كانت تكبّل حريتهم وتمنع حركتهم إذا بهم ينطلقون في حركة لا تتوقف ولكنها في كل اتجاه فإذا بالمحصلة ضعيفة أو لا تكاد تذكر.

الكل ينادي بحقوقه المشروعة التي عصف بها النظام البائد وحرم الجميع منها عندما سيطر على البلاد وتحكم في العباد بسطوة الأمن وأغلال القوانين والتعديلات غير الدستورية وجمّد الدماء في عروق مؤسسات الدولة والمجتمع الأهلي بمصادرة الحريات واستنزاف الثروات وتأميم النقابات العمالية وتجميد النقابات المهنية، ومنع الانتخابات الطلابية والجامعية وإهدار مئات الأحكام القضائية.. إلخ.

ونظرًا لأن العهد البائد كان يطالب المصريين والمصريات دومًا بأداء الواجبات ويصادر حقهم المشروع في المطالبة بالحقوق والحريات، إذا بالحركة تأتي اليوم ومنذ إدراك الجميع أن ذلك النظام انقضى إلى غير رجعة في الاتجاه المضاد تمامًا، فالجميع يطالب بالحقوق والحريات وينسى ولو في غمرة حماس المطالب أن عليه أن يؤدي في نفس الوقت الواجبات، فلا يوجد حق لا يقابله واجب.

علينا أن نعيد ترتيب الأولويات في ظل تزاحم الواجبات والمطالبات.

الواجب الأول: علينا الآن هو بناء مصر.. دولة المؤسسات التي تستطيع أن تحقق لنا ولأولادنا وأحفادنا آمالنا في حياة حرة كريمة.

والواجب الأول مكرر الآن هو استرداد ثروات مصر وتنميتها تنمية حقيقية تكفل لنا وللأجيال القادمة العيش الكريم والمكانة اللائقة بنا كمواطنين وببلدنا كوطن.

البرنامج الذي يجب أن نلتقي عليه كمصريين الآن هو اختيار ممثلين للشعب في كل مؤسسات المجتمع المصري من قاعدته إلى قمته، في حرية ونزاهة وكفاءة بأكبر توافق وطني ممكن يؤدي إلى تمثيل كل قطاعات الشعب المصري العريضة من عمال وفلاحين ومهنيين وطلاب وأكاديميين وكل التيارات السياسية والفكرية في تلك المؤسسات من إسلاميين ويساريين وليبراليين وقوميين ومستقلين.

هذا الاتفاق والوفاق الوطني العام هو الذي يؤدي إلى إزالة الاحتقان والاستقطاب الحاد في هذه المرحلة من الثورة المصرية المستمرة والتي لم تنته ولن تنتهي إلا بتغيير النظام البائد تغييرًا شاملاً، فلم يكن شعار الثورة العظيمة “الشعب يريد إسقاط النظام” من أجل الدخول في مرحلة الفوضى أو عدم الاستقرار أو أن الشعب أراد إسقاط الرئيس وعائلته وحزبه فقط ولو أدى ذلك إلى إعادة إنتاج سياسات النظام نفسها، وطريقته الأمنية والاستبدادية في إدارة شئون البلاد أو استمرار نفس السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي أفقرت الغالبية العظمى من المصريين الذين يعيشون حتى الآن تحت خط الفقر، أو أن الشعب يريد استمرار نفس التردي في المرافق والخدمات خاصة في قطاعات خطيرة كالصحة والتعليم والنقل والمواصلات، أو أن الشعب يريد أن يتعامل معه الجهاز الإداري البيروقراطي بنفس الاحتقار والإهمال والتسيب، مما أدى إلى اغتراب المصريين في بلدهم، ولا أتصور أن الشعب المصري غير قادر على إعادة البهاء والرونق إلى شوارع مصر وميادينها في كل قراها ومدنها بتنظيف الساحات وتنظيم جمع القمامة التي أدت إلى تشويه صورة مصر التي كان من أهم ملامح ثورتها النظافة في ميادين الثورة.

لقد بدأت عجلة بناء المؤسسات تدور وتنطلق، ورغم كل السلبيات التي يمكن أن تشوب الإجراءات التي تتم الآن فإن البدايات مبشرة ويمكن تصحيح الإجراءات الديمقراطية بالوسائل الديمقراطية، بالحوار والإقناع، بالتوافق والاتفاق، بالانتخابات الدورية لتحسين الاختيار.

لقد نجح الإعلام الباحث عن العناوين المثيرة في تشويه صورة آخر انتخابات قاعدية في نقابة المعلمين رغم أهمية الدلالات التي حملتها تلك الانتخابات وفي مقدمتها أمران.

الأول: قدرة القوى الوطنية على اختيار قوائم توافقية.

الثاني: وعي المعلمين بأهمية الانتخابات وحسمهم للقرار بهزيمة الذين احتكروا تمثيلهم بالتزوير لعقود وسنوات.

لقد استطاع معلمو الإخوان المسلمين تقديم قوائم وطنية من أجل الإصلاح لم يكن لهم فيها إلا أقل من 40%، ونجحت تلك القوائم في هزيمة فلول النظام.

فماذا فعل الإعلام إلا أن صبَّ الزيت على النار؟ فصوّر الأمر وكأنه اكتساح للإخوان، وهو ليس كذلك، ولم يصوّر الحقيقة وهي أهم الدلالات في أن الشعب المصري قادر على استعادة إحدى أهم مؤسسات المجتمع المدني من يد فلول الحزب الوطني الذين دمّروا الحياة النقابية في تلك النقابة العريقة منذ عقود طويلة ومنعوا المعلمين من اختيار ممثليهم بحرية.

هذا نموذج يتكرر الآن في معظم مؤسسات المجتمع المدني والأهلي وستتوالى انتخابات النقابات المهنية ثم العمالية واتحادات الطلاب خلال الشهور القادمة متواكبة مع الانتخابات البرلمانية لمجلسي الشعب والشورى، ثم تأتي انتخابات الرئاسة واختيار الجمعية التأسيسية لوضع الدستور الجديد ويعقبها في الغالب انتخابات المحليات.

ونحن كمصريين جميعًا أمام اختبار جاد وحقيقي لاسترداد مصر من أيدي العابثين والمفسدين، مصر المؤسسات، المؤسسات الدستورية والمؤسسات المجتمعية، وبهما نستطيع بناء النظام الجديد الذي نتطلع إليه جميعًا كمصريين، نظام يحقق لنا الحرية والأمن والعيش الكريم والمكانة اللائقة بوطننا الحبيب بين الأمم جميعًا.

هل نضيّع الوقت في الجدل العقيم والنزاعات المستمرة، وعجلة الأيام تدور وتطحن المتأخرين عن اللحاق بركب العصر؟

واجب الوقت الآن هو التوافق الوطني على استرداد مؤسسات مصر لتكون في يد أمينة تمثل كلَّ قطاعات وتيارات المجتمع المصري دون استثناء، وتكون الغالبية فيها متجانسة فنقطع الطريق على الذين يريدون إعادة العجلة إلى الوراء أو إعادة إنتاج النظام البائد سواء بشخوصه أو بسياساته.

ليس هذا أوان أي انقسام بين إسلاميين وعلمانيين، ليس هذا موعد الاختلاف بين ليبراليين ويساريين.

واجب الوقت الآن هو أن نبني مؤسسات مصر الدستورية والمجتمعية ليدور في جوانبها حوار راقٍٍ يليق بثورة مصر من أجل بناء مصر وتحقيق حلم ملايين المصريين.

التحالف الديمقراطي من أجل مصر والذي يضم الآن قرابة40 حزبًا من كل التيارات السياسية يمد يده للجميع من أجل إنجاز ذلك التوافق الوطني والالتفاف حول برنامج إنقاذ وطني للمائة يوم الأولى بعد انتخابات البرلمان وتشكيل الحكومة الجديدة، والاتفاق حول المبادئ الأساسية لسياسات الدولة المصرية في السنوات القادمة في مجالات الاقتصاد والسياسات الخارجية والبناء الديمقراطي، وفي وثيقة التحالف الديمقراطي المعلنة منذ أشهر ما يكفي للبناء عليه لمستقبل مشرق لهذا الوطن.

وعلينا كمصريين أن ندرك أن تحقيق مطالبنا جميعها لن يتم إلا عبر تلك المؤسسات  فمن الذي يقرر توزيع موارد الميزانية؟ ومن الذي يراقب أداء الوزراء والحكومة مجتمعة؟ ومن الذي يسحب الثقة من وزير أو الوزارة كلها؟!.

إذا كنا نريد بناء نظام ديمقراطي حقيقي، فذلك كله يجب أن يكون عبر مؤسسات دستورية منتخبة وليس للأفراد ؟ فقد مضى عهد الفراعنة وزمن الزعامات الشخصية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*