السبت , 18 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

سبيلنا إلى تحقيق مطالب الثورة

الرسالة الاسبوعية لفضيلة المرشد العام

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد..
فإن الأمة العربية والإسلامية في ظل ثوراتها تعيش الربيع العربي، وتتطلع عبره إلى مستقبل مشرقٍ بالحرية وباسمٍ بالعدالة والمساواة، وقبل هذا كله وفي مقدمته، التحرر من كل سلطان أجنبي، والذي كان في السابق مستعمرًا يحتل الأرض، وفي الحاضر غاصبًا يحتل الفكر والعقل، وخلف من ورائه من بني جلدتنا من يسعى إلى خدمته، ويسوِّق لفكره وبضاعته أكثر مما كان يفعله يوم أن كان يحتل الأرض.

خصائص القائد المصلح

والأمة في هذه الحال أحوج ما تكون إلى القادة المهَرة، والمصلحين المخلصين، والزعماء الأقوياء الذين تتوفر فيهم شروط القيادة الصالحة:

  • علم بسياسة الأمم، وتحليل للنفوس وطبائع الجماعات، ومعرفة بمتطلبات العصر الجديد.
  • استيعاب لمظاهر النهوض بحيث تشمل شؤون حياة الأمة.
  • إخلاص يدعوهم إلى التضحية، وإيمان يدفعهم إلى الثبات.

هؤلاء هم الذين يُخرجون الأمة من حيرتها، وتكون هدايتها وإرشادها على أيديهم.

الحرية مسئولية وضوابط

وأمتنا العربية والإسلامية الآن تموج بنهضة جدية ومظاهر النهوض تتجلى في كل مظاهر حياتها؛ من ثورة سياسية، إلى إصلاح اجتماعي، إلى يقظة اقتصادية، إلى رغبة قوية مُلحِّة في الحرية والعدالة والمساواة؛ حتى يؤدي بها ذلك إلى الرقي والعزة والتقدم في ركب الأمم.. نتذكر أن الحرية هي المسئولية بعينها، وأن الإسلام قد منح كل إنسان الحرية الكاملة أن يعمل ما يشاء، لكن في إطار ضابطين:

الأول – كما تدين تدان:

في ظل الإيمان بالقصاص العادل، وأن ما تفعله بالآخرين سوف يُفعل بك؛ يتوقف كل فرد عن الاعتداء؛ لأنه يوقن بـ”كَمَا تَدِينُ تُدَانُ، وَكَمَا تَزْرَعُ تَحْصُدُ، وَبِالْكَأْسِ الَّذِي تَسْقِي بِهِ تَشْرَبُ وَزِيَادَةً؛ لِأَنَّ الْبَادِيَ لَا بُدَّ أَنْ يُزَادَ”. عَنْ أَبِي قِلَابَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “الْبِرُّ لَا يَبْلَى، وَالْإِثْمُ لَا يُنْسَى، وَالدَّيَّانُ لَا يَمُوتُ؛ فَكُنْ كَمَا شِئْتَ، كَمَا تَدِينُ تُدَانُ”.
وهذا ما عالج به النبي صلى الله عليه وسلم من جاءه ليأذن له بالزنا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: “أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟” قَالَ: لَا. قَالَ: “وَكَذَلِكَ النَّاسُ؛ لَا يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ”. قَالَ: “أَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟” قَالَ: لَا. قَالَ: “وَكَذَلِكَ النَّاسُ؛ لَا يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ”. قَالَ: “أَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟” قَالَ: لَا. قَالَ: “وَكَذَلِكَ النَّاسُ؛ لَا يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ”، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ فَقَالَ: “اللهُمَّ كَفِّرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهْ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ”.

وما أجمل هذا البيت:

وَاعْلَمْ وَأَيْقِنْ أَنَّ مُلَّكَكَ زَائِلٌ … وَاعْلَمْ بِأَنَّ كَمَا تَدِينُ تُدَانْ

الضابط الآخر- أنك مجزيٌّ بعملك:

إذا كان بعض الجزاء يُعجَّل في الدنيا، فإن تمام الجزاء يكون يوم الدين، (وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَة) (آل عمران: 185). وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: “يَا مُحَمَّدُ، عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ، وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُه اللَّيْلِ، وَعِزِّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ”.
وإن تمام الحرية في تمام العبودية لله تعالى؛ هذه الحرية التي تخلِّص المسلم وتحرره حتى من شهواته المباحة حين يكون قضاؤها معصية، كما في الصيام. وحين يكون عبدًا خالصًا لله، فلن يكون عبدًا لغيره.

كيف نصل بثوراتنا إلى بر الأمان؟

إن تحقيق مطالب الثورات، والوصول بالأمة إلى بر الأمان لن يتحقق إلا بأمرين لا ثالث لهما:
أولهما- أن تحدد الأمة منهاج نهوضها، ودعائم حياتها المستقبلة. ونحن نعتقد يقينًا أن في نظم الإسلام وقوانينه ودستوره الحكيم -وهو القرآن الكريم، والسنة النبوية المبينة له، وعمل الصحابة- ما يحقق هذه الغاية أتم تحقيق.

والأمر الآخر- أن تتضافر همم كل أبناء الأمة من رجالها ونسائها، وشبابها وشيبانها، ومسلميها ومسيحييها، لبناء مؤسساتها الأساس، باختيار المجالس النيابية، واختيار المجلس الذي يضع الدستور الدائم، وينتخب رئيس الدولة، هذا بالإضافة إلى بناء المجالس المحلية، وإتمام بناء النقابات المِهْنية.

ضوابط التصدي للعمل العام

كل ذلك على أساس انتخاب حر ونزيه، يراعَي في من يتقدم إلى تلك المؤسسات، أنه تكليف من الشعب من أجل مصلحة الشعب، وأنه يقدم مصلحة الوطن على مصالحه الشخصية، وأنه يبذل من وقته وجهده وماله؛ أي أنها مغرم لا مغنم؛ وذلك من أجل بناء الوطن، والنهوض بأخلاقه، وتحقيق الحرية المساواة والعدالة لكل أبناء الأمة، كما يعمل على رفع الإنتاج، والارتقاء بالاقتصاد حتى تتحرر الأمة من التبعية للآخرين؛ لأن الأساس الأول في نيل التمتع بالحرية والتحرر من الأجنبي أن يتحرر الاقتصاد، وأن نحقق الاكتفاء الذاتي في كل مقومات حياتنا، فنستغني عن كل معونة تكبل أيدينا، وتقيد قرارنا وما يترتب على ذلك من تغليب لمصالح خاصة بل ومصالح الأعداء على مصلحة الشعب، كما كان في العصر الغابر من تقديم مصلحة الحكام والمنتفعين والصهاينة وأعوانهم على مصلحة الأمة.

روح التحرير وأخلاقه

في ميدان التحرير تجمَّع أبناء الأمة رجالاً ونساءً مع اختلاف التوجهات والأعمار والدين والجنس، لتحقيق هدف واحد؛ ألا وهو إسقاط النظام؛ فلما رأى الله من الأمة وحدتها، ووحدة هدفها، أزال الله النظام بحوله وقوته.
والآن أعداؤنا يتَّحدون على هدف واحد؛ ألا وهو إزهاق الثورة في مهدها، وتفريغها من مضمونها، بأن يفرقونا بأكاذيب يختلقونها، ويشعلون الحروب بين أبناء الأمة بما يروجونه من شائعات لا أساس لها.
إن أعداء الثورة يمكرون الليل والنهار لتقسيم الأمة إلى طوائف تتناحر وتتضاغن وتتراشق بالسباب، وتترامى بالتهم، ويكيد بعضها لبعض، وتتشيع لمناهج وضعية أمْلَتها الأهواء، وشكَّلتها الغايات والأغراض وفسَّرتها الأفهام وفق المصالح الشخصية. والعدو يستغل كل ذلك لمصلحته، ويزيد وقود هذه النار اشتعالاً؛ يفرقهم في الحق ويجمعهم على الباطل، ويحرم عليهم اتصالهم بعضهم ببعض، وتعاونهم بعضهم مع بعض، ويحل لهم هذه الصلة به، والالتفاف حوله؛ فلا يقصدون إلا داره، ولا يجتمعون إلا زواره؛ فتلك الطامة الكبرى، ولا خير فيها لدعاتها ولا للناس، ويسخِّرون من أجل ذلك وسائل إعلام مرئية ومسموعة ومقروءة.

آمنوا بربكم يَكْفِكُم مكرهم

وحين نضع بين أيدي قومنا الطريق للإصلاح، ونحذرهم من كيد الأعداء ومكرهم، فإننا نثق بوعد الله في كتابه العزيز من أن:
– المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله، وأن هذا من سنن الله التي لا تتخلف. قال الله تعالى: (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) (فاطر: 43).
– مكرهم إنما هو بأنفسهم: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) (الأنعام: 123).
– عذاب الله سينزل بهم، وأن مكرهم إلى بوار: (وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ) (فاطر: 10).
– التوكل على الله هو مصدر قوتنا، ومنطلق نهضتنا: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا( (الطلاق: 3).
فالواجب علينا حماية ثوراتنا، والاتحاد والتآلف حول المصالح العليا للوطن، وعدم إعطاء أعدائنا الفرصة لا داخليًّا ولا خارجيًّا للنيل من منجزات ثورتنا واستعادة مكانتنا المستحقة بين أمم العالم، وأن نصبر بعضنا على بعض، مبتعدين عن رسائل التخوين والتخويف، مجتمعين على المُتفق عليه، وعاذرين بعضُنا بعضًا فيما اختلفنا فيه.
وصَلِّ اللهم وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه .

والله أكبر ولله الحمد
القاهرة فى : 1 من ذى القعدة 1432هـ الموافق 29 سبتمبر 2011م

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*