الخميس , 23 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

العمل المتواصل واستمرار العطاء .. بقلم د / محيى حامد

إن وضوح الرؤية حول دعوة الإخوان المسلمين وأهدافها ومنهجها في كيفية النهوض بالأمة الإسلامية وتحقيق المشروع الإسلامي الحضاري، وما يتبع ذلك من استشعار المسئولية و توافر الحماسة والإرادة القوية التي لا يتطرَّق إليها ضعفٌ ولا يأسٌ من إحداث الإصلاح والتغيير المنشود ، كل هذا يتطلَّب العملَ المتواصلَ واستمرار العطاءَ والتضحية؛لأن طريق الدعوة غيرُ مفروش بالورود، بل طريقٌ شاقٌ طويلٌ وليس بالسهل القصير؛ فهي صراعٌ بين الحق والباطل، تتطلب صبرُا واحتمالاُ وبذلاً وعطاءً وتضحيةُ دون تعجُّلٍ لنتائج ودون يأسٍ أو قنوطٍ.

إن العمل الصالح مرادفٌ للإيمان ومصدِّقٌ له، وهما معًا من أسباب التمكين والنصر فى الحياة الدنيا، ومن أسباب النعيم فى الجنة ، والعمل فى مجال الدعوة من أجل التمكين لدين الله فى الأرض وإقامة دولة الإسلام من أفضل مجالات العمل الصالح وأشرفها.

ولقد اهتم الإمام البنا – رحمه الله – بقضية العمل أيَّما اهتمام، فجعل ركن العمل من أركان البيعة العاشرة التي يحفظها كل أخ قولاً وفعلاً، ويعاهد الله على أن يعمل بها حتى يلقاه وافيًا لبيعته التي بايع عليها، ولقد حدَّد الإمام البنا- رحمه الله :-

مراتب العمل المطلوبة من الأخ الصادق:-
1. إصلاح نفسه حتى يكون: قويَّ الجسم، متينَ الخلق، مثقَّفَ الفكر، قادرًا على الكسب، سليمَ العقيدة، صحيحَ العبادة، مجاهدًا لنفسه، حريصًا على وقته، منظَّمًا في شئونه، نافعًا لغيره، وذلك واجب كل أخ على حدته.
2. تكوين بيت مسلم بأن يحمل أهله على احترام فكرته، والمحافظة على آداب الإسلام في كل مظاهر الحياة المنزلية، وحسن اختيار الزوجة، وتوظيفها على حقها وواجبها، وحسن تربية الأولاد والخدم وتنشئتهم على مبادئالإسلام, وذلك واجب كل أخ على حدته كذلك.
3. إرشاد المجتمع بنشر دعوة الخير فيه، ومحاربة الرذائل والمنكرات وتشجيع الفضائل، والأمر بالمعروف، والمبادرة إلى فعل الخير، وكسب الرأي العام إلى جانب الفكرة الإسلامية بمختلف مظاهر الحياة العامة بها دائمًا، وذلك واجب كل على حدته، وواجب الجماعة كهيئةٍ عامةٍ.
4. تحرير الوطن بتخليصه من كل سلطان أجبني غير إسلاميسياسي واقتصادي أو روحي.
5. إصلاح الحكومة حتى تكون إسلاميةً بحق، وبذلك تؤدي مهمتها كخادمٍ للأمة وأجيرٍ عندها وعاملٍ على مصلحتها، والحكومة إسلامية ما كان أعضاؤها مسلمين مؤدين لفرائض الإسلام غير مجاهرين بعصيان، وكانت منفِّذةً أحكام الإسلام وتعاليمه.
6. إعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية بتحرير أخطائها وإحياء مجدها وتقريب ثقافتها وجمع كلمتها؛ حتى يؤدي ذلك كله إلى إعادة الخلافة المفقودة والوحدة المنشود.
7. أستاذية العالم بنشر دعوة الإسلام في ربوعه.

وهذه المراتب الأربعة الأخيرة تجب على الجماعة، وما أثقلها تبعات!!، وما أعظمها مهمات!!، يراها الناس خيالاً ويراه الأخ المسلم حقيقةً، ولن نيأس أبدًا، ولنا في الله أعظم أمل.
إن مراتب ركن العمل التي حدَّدها الإمام البنا – رحمه الله – تشمل العديد من المهام والواجبات التي تحتاج إلى عزائم الرجال وأصحاب الهمم العالية؛ حتى يمكن تحقيقها وفقًا لما هو منشودٌ منها، ولذا فقد وجب على كل أخ و صاحب رسالة -الذي عقد الصفقة الرابحة مع الله طمعًا في الفردوس الأعلى – أن يسخِّر كل ما يملك من وقتٍ وجهدٍ ومالٍ وعلمٍ ونفسٍفي مَيْدان العمل للدعوة والجهاد في سبيل الله،ولا يبخل بشيء من ذلك؛ وفاءً لبيعته كما ورد في ركن التضحية؛فلا دعوةَ بدون جهاد، ولا جهادَ بدون تضحية، ولا تضيع في سبيل فكرتنا تضحيةٌ، وإنما هو الأجر الجزيل والثواب الجميل.
إن الأخ المجاهد فى سبيل الله لرفعة هذا الدين والتمكين له وللنهوض بالأمة الإسلامية في مواجهة التحديات الحالية والمستقبلية ، لابد أن يكون على درجةٍ عاليةٍ من الفهم الصحيح لدينه والفهم الشامل النقي لكتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – وأن يكون على درجةٍ كبيرةٍ من الإخلاص، وأن يكون ممن يؤثرون العمل على القول بعد أن عرف الطريق وأخلص النية لله وتجرَّد لدعوته مما سواها من المبادئ والأشخاص.
ولقد ذكر الإمام البنا – رحمه الله – أن رجل القول غير رجل العمل، ورجل العمل غير رجل الجهاد، ورجل الجهاد فقط غير رجل الجهاد المنتج الحكيم الذي يؤديإلى أعظم الربح بأقل التضحيات، وأن كثيرين يستطيعون أن يقولوا، ولكنَّ قليلاً من هذا الكثير يثبت عند العمل، وكثيرًا من هذا القليل يستطيعون أن يعملوا، ولكنَّ قليلاً منهم يقدرون على حمل أعباء الجهاد الشاقة والعمل العنيف، وهؤلاء هم المجاهدون، وهو الصفوة القلائل من الأنصار، ولكنهم قد يخطئون الطريق ولا يصيبون الهدف إن لم تتداركهم عناية الله، وعلى صاحب الدعوة أن يؤدي واجباته دون أن تؤثر محصلة إنتاجه على سيره؛ فلا يداخله الغرور إذا فتح الله عليه وأقبل عليه الناس، كما لا يداخله اليأس أو تفتُر همَّته إذا لم يستجيب لدعوته إلا القليل أو إذا تعرَّض للأذى ممن يدعوهم، بل عليه أن يصبر على أذاهم ويقول “رب اهدِقومي؛ فإنهم لا يعلمون”.
إن صاحب الدعوة مطلوبٌ منه أن يعمل في مجال الدعوة إلى الله، ومنوطٌ به أعمالٌ أخرى؛ كعمله الذي يكتسب منه، ومهام أسرته وبيته، وهذه الأعمال كلُّها عبادةٌ لله ما دامت النيِّة الصادقةُ والصحيحةُ متحقِّقةً، وما دامت سيرة الحبيب محمد – صلى الله عليه وسلم– مقتدًى بها،وسنته – صلى الله عليه وسلم – متَّبعةً قولاً وفعلاً، وما دام صاحب الدعوةيستطيع أن يوظِّف عمله الحياتي والوظيفي فيما ينفع أمر هذه الدعوة ويرفع من شأنها في جميع المجالات والتخصصات التي تُبنى عليها نهضة الأمم والشعوب، وهذا يتطلَّب التوازنَ بين متطلبات العمل الدعوي والعمل المعيشي وباقي المهام المطلوبة منه .
قد يتفاوت الأفراد في مقدار ما يقدِّمون في مجال العمل للدعوة؛ فقد نرى أخًا استحوذ عليه العمل للدعوة بدرجةٍ كبيرةٍ ووجد في ذلك سعادتَه ومتعتَه، وقد يكون ذلك على حساب عمله المعيشي أو على حساب أهله وبيته وأولاده أو على حساب صحته وأعصابه، وفي الجهة المقابلة قد نجد من استحوذ عليه عمله المعيشي ومشاغل الآسرة والأولاد، وكان ذلك على حساب عمله في مجال الدعوة بل على حساب آخرتهإن لم تتداركه رحمة الله، وبين تلك الصورتين صورٌ متعددةٌ بدرجاتٍمتفاوتةٍ، والصورة السلمية والأمثل هي أن يؤديَ الأخ عملَه المعيشي على وجهٍ صحيحٍ؛ فهوعبادةٌ وعليه أن يتقنه؛ ليكون دخلُه حلالاً طيِّبًا، ويعطي أهله وبيته حقَّهم من الرعاية والعاطفة والمودة؛ فهو راعٍ لهم ومسئولٌ عن رعيته، وأن يعطي بدنَه حقَّه وإلا تعرَّض للعلل والأسقام، ويكون ذلك سببًا في عجزه عن القيام بأعباء الدعوة، أو يتأثَّر عمله وإنتاجه وعلاقاته مع غيره من إخوانه بسبب ذلك.
وقبل ذلك كله وأثناءه وبعده يعطي الأخ لدعوته خلاصةَ وقتِه وجهدِه ومالِه دون أن يقصِّر في واجباته الأخرى، وهذا يتطلَّب تحديد الأولويات وتنظيم الجهود والأوقات والمحافظة عليها وتوزيعها على الواجبات والمهام المطلوبة بشكلٍمتوازنٍ ودقيقٍ؛ حتى يمكن أن يؤديَها على أحسن وجهٍ وفي أكمل صورة، ويتطلَّب ذلك أيضًا عدمَ الانشغال بالحياة الدنيا وتطلُّعاتها التي لا تنتهي أبدًا، وكم من نماذج تأثَّر عطاؤها في الدعوة بسبب الطموحات والتطلعات الحياتية والتنافس فيالدنيا!!.. فلنحذر من ذلك، ولنأخذْ أنفسنا بقول الله – سبحانه وتعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) (الصف : 10 ، 11).
إن مجالات العمل المتعددة للدعوة لابد أن تتناسب مع الهدف العظيم الذي تتصدَّى لتحقيقه، وتحتاج إلى زمنٍ طويلٍ وجهودٍ كبيرةٍ، وإنه لا يصلح لتحمُّل هذه الأعباء والقيام بهذه الأعمال إلا من رصد حياته لهذه الدعوة وأعدَّالنفس لها وفطمها عن شهواتها ومألوفاتها ؛ ولذا وجب على كل أخٍ أن يحرص على وقته وشغله بكل عمل جاد نافع لدعوته، لا نصيب للهوٍ أو لغوٍ أو سهوٍ في وقته؛ لأنه يعلم أن الوقت هو الحياة، وأن الواجبات أكثر من الأوقات، بل عليه أن يفرح ويسعد بتوفيق الله تعالي له في شغل وقته بالعمل للدعوة، واستنفاذ طاقتَه فيها،وذلك من فضل الله عليه ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (يونس: 58).
إن هذه الدعوة لا يصلح لها إلا من أحاط بها من كل جوانبها، ووهب لها ما تكلِّفهإياه من نفسه وماله ووقته وصحته، وأخذت الدعوة عليه لبَّه والتحمت مع روحه وقلبه وكان متحمسًا لتحقيقها في واقع الأمر، ولن نستطيع أن نحقق نصرًا لديننا ولأمتنا إلا إذا كان عملنا عن عقيدةٍ واقتناعٍ، واختلطت قلوبنا بعقيدتنا، وعقيدتنا بقلوبنا، فأصبحنا نحن الفكرة، والفكرة نحن، وعندما تخلونفوسُنا من حظ أنفسنا، عندئذٍ يتنزل نصر الله على عباده العاملين المجاهدين فى سبيله.
إن استمرار الدعوة وانتشارها وتماسك بنيانها تتطلَّب منا العمل المتواصل الذي لا يتأثَّر أو يضعف أو يتراجع تحت أي ضغطٍ أو ظروفٍ طارئةٍنتعرَّض لها، ولنعلم أن نجاحنا يكمن في استمرار العطاء والعمل الجاد من أجل تحقيق غايتنا وأهدافنا، وليستشعر كل أخٍ منا أنه عندما يبذل للدعوة وقته أو جهده فإنه يأخذ أجرًا عظيمًا وثوابًاجزيلاًورضاًمن رب العالمين؛ مما يدفعه إلى مزيدٍ من العطاء والبذل والتضحية، وهكذا دواليك، وتصبح القاعدة الحاكمة ” عندما أعطى إنما أخذ ” هي المنطلق والمحرِّك الأساسي الذي يدفع الجميع إلى التنافس في تقديم كل الجهود والأوقات والأموال والأنفس من أجل رضا الله – عز وجل – وابتغاء جنته.
فهل نشمِّر ونجتهد ونعطي ونبذل كلَّ ما عندنا، ويصدق فينا قول ربنا ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ﴾ (التوبة: من الآية 111) ؟!، وهل نعقل قول ربنا عز وجل ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (الأنعام: 32) فتهون علينا دنيانا من أجل آخرانا، فتصبح الآخرة أكبر همِّنا ؟!.
أننا في حاجةٍ إلى يقظةِ المشاعر والقلوب التي تحرِّك الجوارح والعقول، فينتفض الجسد كله للعمل الدءوب المتواصل حتى يتحقق نصر الله – عز وجل – وما ذلك على الله ببعيد.
فهلم بنا إلى العمل الجاد المتواصل لإعلاء كلمة الله– تعالى – في الأرض والتمكين لدينه؛ لإسعاد البشرية وسيادة الدنيا، ونسأل الله أن يلهمنا رشدًا، وأن يوفقنا للعمل الصالح.. أمين.
……………………………………………
بقلم الدكتور / محيى حامد
عضو مكتب الإرشاد