الأحد , 19 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

استقيموا يرحمكم الله

بقلم فهمي هويدي

فى نفسى شىء من الدور الذى تقوم به الجماعات الإسلامية فى الساحة السياسية المصرية الآن، أخص بالذكر منهم السلفيين والمتصوفة. وقد أفهم حماسهم واندفاعهم لإثبات الحضور فى تلك الساحة بعد تغييبهم وإقصائهم وإهانتهم لعدة عقود. إلا أننى أفرق بين إثبات الحضور فى الساحة السياسية كقوة تصويتية مقدرة.

 

وبين انخراطهم فى العمل السياسى وخوضهم غمار اللعبة بتعقيداتها المختلفة وقواعدها المغايرة. يرد إلى ذهنى فى هذه التفرقة نموذج حركة «النور» فى تركيا التى برزت فى خمسينيات القرن الماضى وأسسها رجل له جذوره الصوفية (النقشبندية) هو بديع الزمان النورسى (توفى سنة 1960) وأصبحت الآن من أهم القوى التصويتية هناك، لكن لم يعرف عنها أنها شكلت حزبا سياسيا أو قدمت مرشحين لأى انتخابات، ولكنها منذ إنشائها شغلت بمسألة التربية والتعليم.

 

حتى إنها بعدما انتشرت فى تركيا اتجهت لإنشاء مدارسها فى الخارج، من أمريكا إلى وسط آسيا مرورا باليمن ونيجيريا. ولها الآن أكثر من ألف مدرسة نموذجية فى مختلف أنحاء العالم، هم لم يشتغلوا بالسياسة التركية لكنهم انشغلوا بها فقط من زاوية واحدة، هى أنهم كانوا يختارون الأصلح فى كل مرة ويصوتون لصالحه. بالتالى فإن دورهم ظل إيجابيا فى الساحة السياسية، إلى جانب أن نجاحهم الأكبر والأهم كان فى مجال التعليم.

 

ملاحظاتى على أنشطة الجماعات الإسلامية فى مصر أوجزها فى ثلاث نقاط هى:

 

● اندفاعهم باتجاه تشكيل الأحزاب السياسية، وانصرافهم عن العمل الاجتماعى والنشاط الأهلى الذى يصب بصورة مباشرة فى خدمة الناس ــ وإذ يفترض أن تلك الجماعات منسوبة إلى رسالة الإسلام الذى هو رحمة للعالمين، فليس مفهوما أن تترك كل أبواب الرحمة لتحشر نفسها وتصرف طاقاتها فى التشكيلات الحزبية والانتخابات النيابية والرئاسية والتحالفات التى تفرضها متطلبات التنافس السياسى كل حين.

 

فى هذا الصدد فإننى أعتبر الجمعية الشرعية التى تأسست فى مصر عام 1912 نموذجا للفكرة التى أدعو إليها. ذلك أنها منذ تأسيسها اختارت أن توجه طاقاتها إلى الدعوة الدينية والأعمال الخيرية ثم انتقلت خلال الخمسين سنة الأخيرة إلى مجالات خدمة المجتمع، فأقامت المراكز الطبية المتخصصة التى منها 650 حضانة للأطفال المبتسرين غير مستشفى كبير لعلاج الحروق والأورام. كما أقامت 360 محطة لتنقية مياه الشرب، وأنشأت 24 مخبزا فى أنحاء الجمهورية يوزع كل واحد منها 6 آلاف رغيف مجانا كل يوم. ولديهم إضافة إلى ذلك مشروع كبير لتنمية الثروة الحيوانية خصوصا فى القرى الفقيرة.

 

إن مجالات التعليم ومحو الأمية والصحة والنظافة العامة والنشاط التعاونى والنهوض بالحرف والتدريب المهنى ورعاية الأحداث والمشردين وغير ذلك من الأمور التى تهم الناس أهملت من جانب أغلب الجماعات الإسلامية، فى الوقت الذى لم تستطع أن تنهض بها الحكومة على النحو المطلوب. ثم تركت للمنظمات الأجنبية لكى ترتع فيها كيفما شاءت.

 

● النقطة الثانية ان الجماعات السلفية والمتصوفة تحديدا حينما تنصرف إلى العمل السياسى فإنها تخوض غمار تجربة لا قبل لها بها، وليست مؤهلة للانخراط فيها. فهؤلاء دعاة وليسوا أهل سياسة. والفرق بين الاثنين كبير. فأغلب الدعاة تتعلق أعينهم بالنص أما أهل السياسة فهم مهجوسون بالواقع. والأولون مشغولون بالمطلق، والآخرون مهمومون بما هو نسبى والدعاة أيديهم فى المياه الباردة كما يقال، ويتعاملون مع الأبيض والأسود. أما أهل السياسة فأيديهم فى المياه المغلية، ومطلوب منهم دائما أن يفاضلوا بين درجات المنطقة الرمادية.

 

لا يعيب المرء أن يكون داعية بطبيعة الحال، لكن يعيبه أن يكون كذلك ثم يقرر أن يلقى بنفسه فى خضم السياسة، لأنه فى هذه الحالة يترك ما يجيده لكى يتخبط فيما لا يجيده. أدرى أن الأصوليين يشترطون فى المجتهد أن يكون عارفا بزمانه ومدركا لحقائق الواقع المحيط به، لكن من قال إن كل الدعاة سلفيين منهم أو متصوفة مجتهدون.

 

أقرأ فى الصحف وأسمعهم على شاشات التليفزيون يتكلمون بمنتهى الحماس عن تمكين الله وتحكيم شريعته. وهو ما لا يختلف عليه أحد من المؤمنين وإلا أنكر معلوما من الدين بالضرورة وإذ يقول الداعية هذا الكلام فإن السياسى المؤمن يحاول الإجابة عن أسئلة الموضوع كيف ومتى ومن وما هى الأولويات التى عليه أن يلتزم بها والأمور التى يتدرج فيها، والموازنات التى يعقدها، والضرورات التى قد تبيح المحظورات فتجعلنا نقبل مؤقتا بمنكر أصغر تجنبا لوقوع منكر أكبر.. إلى غير ذلك من التفاصيل التى تستغرق السياسى، فى حين لا ينشغل بها الداعية عادة.

 

● النقطة الثالثة التى تجعلنى أقلق من دخول الدعاة إلى معترك السياسة أن خطابهم يخوف الناس المتعلمين على الأقل وينفرهم ليس فقط من جماعاتهم، وإنما من مجمل التيار الإسلامى. من ثم فالضرر فيه يكون أكبر من النفع. وإذا أضفت إلى ذلك أننا بصدد إعلام متصيد ومتربص، لا يكاد يلتقط هفوة أو رأيا ملتبسا حتى ينفخ فيه ويحوله إلى كارثة وطنية وقومية تتحدث بها الركبان وتتردد أصداؤها المفزوعة من كل ما هو إسلامى فى أعمدة الصحف والبرامج التليفزيونية الحوارية.

 

أعرف أن السلفيين ليسوا شيئا واحدا، كما أن المتصوفة بأسهم بينهم شديد، كما أعرف أن التعميم قد يظلمهم بقدر الظلم الذى يقع على بقية المسلمين حين تعمم عليهم مواقف الأولين، لكننا قد نتجنب كل تلك المحاذير إذا استقام كل على طريقته ولم يقحم نفسه على طرائق غيره.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*