السبت , 18 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

حرمة الدم المصرى وهيبة الدولة

بقلم النائب السابق / أســـامـة جـادو

تابعت بمزيد من الخوف والقلق التطورات المحزنة للأحداث التى شهدتها مصر البارحة ، وانتابنى شعور الخوف على البلاد وانا اتابع تدحرج كرة نار الفتنة الملتهبة التى تريد جرّ البلاد الى هاوية الخراب والدرك الأسفل منفتنة عمياء تأكل الأخضر واليابس  ولا ينجو من شرها احد .
ما حدث اكبر مما هو متوقع فى مثل هذه الإحتجاجات ، لم تكن مظاهرات الامس هى الأولى  فلقد سبقها مئات المظاهرات المتنوعة  وعلى خلفيات متعددة ، مطالب فئوية ومظالم إجتماعية  واحتجاجات  سياسية  ونقابية ، ومظاهرات طائفية  واعتصامات  ومليونيات ، لكن ما حدث بالأمس كان الأول من نوعه سواء من حيث العنف والإعتداء وإطلاق الرصاص  وإسقاط قتلى وجرحى وحرق سيارات وعربات تابعة للقوات المسلحة  ، اضف الى ذلك حالة الإستنفار العام بطول مصر وعرضها للمشاركة فيما اطلق عليه  ” يوم الغضب القبطى ” وتسيير مظاهرات فى عدة محافظات فى وقت واحد
كنا ولا زلنا نؤكد على حرمة الدم المصرى
فالدم المصرى  مليون خط أحمر ، وليس من طبيعة شعبنا المصرى العنف الدموى  ولم ننزلق من قبل ولم تجر البلاد الى حرب اهلية أو معارك طائفية  كما حدث فى بلدان مجاورة طحنتها الحرب الأهلية  والطائفية والسياسية وبقيت مصر سالمة من تلك الكارثة الحارقة ، وبقى شعبها مضرب المثل فى التسامح والتعايش السلمى الآمن ، اما ماحدث بالأمس فهو تطور غريب على الطبيعة المصرية وعنف مستورد لم نعهده كشعب ، سواء مسلمين أو مسيحيين ، وانا اطلق نداء تحذير وانتباه لمحاصرة هذا الوافد اللاعين ، وأخشى ان يكون مقدمة لمنزلق خطير يجرف البلاد والعباد الى ما لا يُحمد عُقباه
قطرة الدم المصرى اغلى ما تملكه مصر ، ولا يمكن التفريط فيه او التسامح  مع من سولت نفسه ان يسفكها ، سواء كان دم مواطن مصرى فى اى مكان او كان دم جندى مصرى فى اى موقع، وسواء اكان الجانى اجنبياً او من بنى مصر ،فالدماء التى سالت منذ ساعات دماء مصرية غالية كنا ندخرها لحماية الوطن ولتهضة مصرنا التى تسكن قلوبنا ، لا أحد فى مصر يقبل ما حدث  ،
كنا ولا زلنا نؤكد على حرمة النيل من هيبة الدولة وانتقاصها واهانتها
 ولا عاقل يؤيد الإعتداء على هيبة الدولة وإهانة الجيش المصرى ومعداته وجنوده ، فهو ملك مصر وليس ملك مسئول او مجلس ، حان وقت التأكيد على حرمة هيبة الدولة  وقواتها المسلحة ومنع كافة المظاهر التى تنال من قدسية الدولة وهيبتها  حتى لا يتجرأ اعداء مصر – وهم كثيرون – فينالوا منها
كنا ولا زلنا نؤكد على أن مصر مستهدفة  وعليها تدور الدوائر وتحاك المؤمرات
ما نكاد نطوى صفحة ونمضى خطوة للأمام على طريق بناء مصر الحديثة  ونخرج من النفق المظلم الذى عاشت مصر فيه حيناً من الدهر حتى تُفاجئنا جولة جديدة من تطورات الأحداث التى تربك المواقف لدى الجميع وتوقعهم فى حيرة من أمرهم  ، وكأنى بصوت الرئيس المخلوع وهو يهدد الشعب المصرى بالفوضى  وعدم الإستقرار  والشعار الذى اطلقه  ” أنا  أو الفوضى ” ، كلما اقتربنا من استحقاقات بناء المؤسسات الدستورية  حدثت موجات من الانفلات والخروج المتعمد عن القانون والعرف والمألوف والمفترض ،لذلك لم اتعجب وأنا اطالع تصريحات وزيرة الخارجية الإمريكية فى اعقاب اندلاع أحداث الأمس الدامية حيث

قالت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلارى كلينتون فى اتصال هاتفى لـ”سى إن إن”، نحذر المجلس العسكرى فى مصر من تفاقم الأوضاع الدينية والضغط على الأقليات المسيحية فى مصر

أضافت كلينتون: “نحن نعرض على المجلس العسكرى الحماية والمساعدة بقوات أمريكية، لحماية دور العبادة الخاصة بالأقباط والمناطق الحيوية فى مصر
ولقد تعودنا ان تطلق هذه التصريحات  وتنسب لمسئولين كبارفى الإدارة الامريكية ثم يتم التخفيف من حدتها أو نفيها بالمرة
وهذا منحنى خطير ينبغى أن يلتفت اليه الجميع ، إنّ الإستقواء بالقوى الخارجية وطلب الحماية الغربية  وفرض الوصاية الأمريكية خيانة للوطن  ينبغى أن يتطهر منه كل أبناء مصر المخلصين ، ولا اظن أنّ أحداً من الوطنيين الشرفاء – سواء أكان مسلماً أم مسيحياً  ، إسلامياً أو يساري او ليبرالياً أو قومياً  يرضى بالتدخل الامريكى السافر الذى صرحت به كلينتون أمس ،
هذا تحرش امريكى بمصر الثورة  ، مصر الشعب  قبل ان يكون تحذيراً للمجلس العسكرى والجيش المصرى ، وهذا سلوك اعتادت عليه الخارجية الأمريكية فى عهد الرئيس المخلوع ولا يمكن قبوله فى عهد الثورة  ، فلا الجيش المصرى ممثلاً فى المجلس الأعلى للقوات المسلحة يقبل ذلك ، ولا الشعب المصرى بكل تياراته السياسية وقواه الداخلية يسمح بذلك
هذه رسالة غير مسئولة ضلت طريقها وليس بوسعنا ان نقبلها أو نتفهم اغراضها فليس امريكا حامية للشعب المصرى أو بعض طوائفه وليست هى مبعوث العناية الإلهية ، تاريخها الملطخ بدماء الشعوب  -العربية والإسلامية   -بل ومن قبل فى فيتنام  واليابان – تاريخ اسود مشين يندى له جبين البشرية ، واولى بكلينتون أن تتحدث عن مواجهات الامن الأمريكى مع الشباب الامريكى فى وول سترت الأسبوع الماضى
نجن  – كشعب مصرى – قادرون على حل كافة مشاكلنا وقضايانا التى  ورثناها من النظام البائد الفاسد المستبد
أحداث الأمس لها خلفيات ومقدمات قديمة معلومة سلفاً ن وكان نظام مبارك يستخدمها بين الحين والأخر من أجل بسط الهيمنة  والسيطرة الأمنية على مصر البلاد والشعب والمؤسسات ، وتقديرى للموقف الراهن أن البلاد فى حاجة ماسة الى فرصة التقاط الأنفاس وترتيب البيت  واعداد البلاد  وتأسيس نظام جديد كفيل بحل مثل هذه القضايا الهامة التى تهم ملايين المصريين ، بل نأمل أن النظام الجديد – نظام مصر الثورة – لا يسمح بنشوء مثل هذه القضايا فى المستقبل
كثير من الاضطرابات الطائفية والفئوية والاجتماعية والسياسية كانت تحدث لعدم وجود كيانات ومؤسسات  تمثل أصحاب المطالب والمصالح  ، كنا امام مؤسسات  وكيانات خادمة للرئيس المخلوع الذى اختزل مصر العظيمة فى شخصه وأسرته وعصابته ، وضاعت حقوق الشعب بكافة طوائفه وتياراته  ، كلنا كنا نشكى من الظلم والأضطهاد الذى طال البلاد والعباد والأن نود الوصول الى حالة الإستقرار كى تُرفع المظالم وتُرد الحقوق لأهلها وتصبح مصر دولة قانون ومؤسسات خادمة للشعب وحده
دولة القانون والمؤسسات هى الحل وهى الخروج من هذه الأزمات  والواقية من نيران الفتن
نعم يزداد يقينى يوماً بعد يوم أن حل المعضلات والخروج الآمن من الأوضاع الراهنة  يتمثل فى مضى الشعب المصرى على طريق بناء دولته وتأسيس حياة جديدة بمؤسسات شعبية نيابية منتخبة و حكومة وطنية تعبر عن ارادته وتنهض باعباء خدمته  ، ودستور عصرى يليق بمصر التاريخ والحاضر والمستقبل ويلبى طموحات الشعب المصرى  وتضحيات أبنائه الكرام
ان ارساء دولة القانون  وخضوع الكافة له يعصم البلاد من الوقوع فى براثن أطماع الأعداء المتربصين بنا وبثورتنا  ، وارى ان الشروع فى إجراء التحقيقات الفورية النزيهة الشاملة فى الأحداث التى جرت وإظهارها وبيان ما انتهت اليه من حقائق وتبصير الشعب بها و محاسبة كل من تسبب فيها  وأخطأ  مهما كان موقعه او منصبه ، فليست مصر لعبة فى أيدى العابثين
أضم صوتى لكل المخلصين من أبناء الوطن نطالب بسرعة التحقيقات  ومحاسبة الجناة  وبيان الحقائق  وكشف المستور
الرد الحقيقى الفعال على هذه الأحداث
يتمثل فى امرين الأول  تأكيد الجميع على اعلاء دولة القانون  وتحقيق العدالة الناجزة فى هذا الشان  دون إبطاء  أو تسويف أو تاجيل  ، غير مقبول ترك النار تشتعل فى النفوس  والشحن الطائفى متزيد ، فى ظل ضعف صوت الحكمة  ومكابح الرشد ومرجعيات العقل
 الامر الثانى : تاكيد الجميع على ان مصر ستكمل مسيرتها نحو تأسيس دولتها الحديثة ، وأن فتح باب الترشيح للمجالس النيابية  يوم الأربعاء قائم لا تغيير فيه ، بل زاد اصرار الشعب على استكمال
هذه المرحلة الاهم فى تاريخ مصر  حتى تتكون سلطة مدنية منتخبة من الشعب انتخاباً حراً نزيهاً تتسلم أمور البلاد من المجلس العسكرى
 أرجو ان تكون هذه الأحداث المحزنة خاتمة لمرحلة التردد والضباب التى لفت مصر كلها، واتمنى ان تُطوى تلك الصفحة وأن يشرق الشعب المصرى من جديد ويُطل على العالم متماسكاً كما هو حاله فى وقت الشدة والأزمات ، متمسكاً بوحدته الوطنية وجبهته الداخلية  ، وان ينبذ من بين صفوفه نوازع الفتنة ومحدثيها
وقى الله مصرنا شر الفتن ، ما ظهر منها  وما بطن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*