الجمعة , 24 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

واجب الوقت .. حب الوطن وحمايته

رسالة من: أ.د. محمد بديع المرشد العام للإخوان المسلمين

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد:

فيقول الله تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105)) (التوبة).

إن الإنسان خليفة الله في الأرض، وهو مطالب بعمارتها؛ وذلك لا يتحقق إلا بالعمل الجاد المتواصل، كما أن النهضة بالأمة لا تتأتى إلا بالإحسان والإتقان لكل عمل بل لكل صنعة، وكل ما من شأنه أن يحقق للأمة الاكتفاء الذاتي في كل المجالات، وهذا لا يتأتى إلا بالاستشعار التام بمراقبة الله وأداء الأعمال مع نية التقرب بها إلى الله عزَّ وجلَّ.

أثر الإيمان في تقويم النفوس

إن العامل الأساس في بناء الأمم ونهضتها، بناء الإيمان في القلوب وتثبيته في قلوب أفراد الشعب؛ لأنه النور الذي يضيء للقلب طريقه في الحياة، وأقرب الطرق للإصلاح (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) (الأنعام: من الآية 122)، والإيمان يأتي مقرونًا بالعمل في القرآن الكريم: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30))  (الكهف). (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7)) (البينة).

فالإيمان أصل الصلاح، وأساس النجاح، وهو المعين الفياض الذي تستمد منه الإرادة القوية، والأساس لجميع الفضائل، وهو سبيل البشرية للوصول إلى الأمن المفقود والهدي المنشود: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ (82))  (الأنعام).

والدولة التي تؤسس على الإيمان، تبقى قوية الجانب شديدة البأس، والذي يتصل بالله بإيمان صادق يقوم بما يسند إليه من أعمال ووظائف بإحكام وإجادة تامة، مع المراقبة الدائمة لله في عمله، وحرصه الكامل على نيل مرضاة الله من وراء عمله حبًّا في الله وفي أوامر الله.

كما أن الذي يراقب الله في كل أعماله لا يحتاج إلى الرقابة البشرية؛ لأن معه رقيبًا بداخله لا يفارقه لحظة، والبون شاسع بين عامل يعمل خوفًا من رقابة بشر مثله، يغيب عنه أكثر مما يتواجد، وما أيسر خداعه والتفلت من رقابته، وبين آخر يعمل تحت رقابة من لا يغيب عنه لحظه، ومن لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)) (ق).

حب الوطن

إن حب الوطن فطرة متأصلة في النفوس، تجعل الإنسان يستريح إلى البقاء فيه، ويتشبث بالعيش على أرضه، ولا يفارقه رغبة عنه، ويحن إليه إذا غاب عنه، ويدافع عنه إذا هُوجم “من مات دون أرضه فهو شهيد”، ويغضب له إذا انتُقص؛ ولذلك لا يمكن أن يكرهه، وإن أصابه فيه ما أصابه.

بِلاَدِي وَإِنْ جَارَتْ عَلَيَّ عَزِيزَةٌ  **   وَأَهْلِي وَإِنْ  ضَنُّوا  عَلَيَّ  كِرَامُ

وما أروع ما صحَّ عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه وقف يُخاطب مكة المكرمة مودّعًا لها وهي وطنه الذي أُخرج منه: “ما أطيبكِ من بلد، وأحبَّكِ إليَّ، ولولا أن قومي أخرجوني منكِ ما سكنتُ غيركِ”.

وعلى ذلك يجب أن تتوجه كل وسائل التربية والإعلام إلى تعميق جذور الوطنية في القلوب بتحقيق:

* تربية الإنسان على استشعار ما للوطن من أفضالٍ سابقةٍ ولاحقة عليه- بعد فضل الله سبحانه وتعالى- منذ نعومة أظفاره، ومن ثمّ تربيته على رد الجميل، ومجازاة الإحسان بالإحسان، (هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلاَّ الْإِحْسَانُ (60)) (الرحمن).

* نشر المحبة والمودة بين أبناء الوطن في أي مكانٍ منه، واستشعار الأخوة الإنسانية التي تجمع بين أفراد المجتمع، مع اختلاف الدين واللون والجنس واللغة، فالجميع يعيشون فوق تراب وطن واحد يشربون من نيله، والجميع تظلله سماؤه، وهذا يخلق جوًّا من التآلف والتآخي والتآزر بين أعضائه، الذين يمثلون في مجموعهم جسدًا واحدًا مُتماسكًا في مواجهة الظروف المختلفة.

* تعميق الشعور بالمسئولية وتوفير الحياة الكريمة لكل فرد يعيش على أرض الوطن، بحيث يتمتع كل شخص على أرضه بالحرية والعدالة والمساواة، وفي مقابل ذلك يقوم كل فردٍ فيه بما عليه من الواجبات نحو وطنه.

رابعًا: المحافظة على خيرات الوطن وصيانة مرافقه، التي من حق الجميع أن ينعُم بها، وهذا يوجب علينا ألا نخرب عامرًا وألا نحرق شيئًا، وأن يدرك من يفعل ذلك أنه يدمر نفسه ويحرقها.

بناء القيم والفضائل

إن أمتنا العربية والإسلامية في الربيع الذي تعيشه تحتاج إلى أن تبني نهضتها على متانة الأخلاق، وقوة الفضائل وحب أداء الواجبات، إذ هي أساس قوام الأمم، وعامل الحفاظ على بقائها، وَقَدْ أَجْمَلَ الرسول- صلى الله عليه وسلم- الْبِعْثَةَ كُلَّهَا فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فِي قَوْلِهِ: “إِنَّمَا بُعِثْتُ; لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلاقِ”.

وقد أشار إلى ذلك الأدباء فقال أحدهم:

إِنَّمَا الْأُمَمُ الْأَخْلاقُ مَا بَقِيَتْ … فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلاقُهُمْ

ويقول آخر:

وليس بعامر بنيان قوم … إذا أخلاقهم كانت خرابا

الاتحاد سر النجاح

والاتحاد بين أبناء الأمة من أعظم ما يجب أن نتحلى به؛ لننهض بأمتنا ونتمكن من التغلب على كيد الأعداء، إذ إن أعداءنا رفعوا شعار “فرق تسد”، ونحن نرفع في وجههم شعار “اتحدوا تفلحوا وتنتصروا”، ولنحذر من التفرق والتشرذم والتنازع؛ لأنه يؤدي إلى الضعف والفشل: (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال: من الآية 46).

كما يجب علينا أن نتحد في كل ما يصلح أمتنا، ونتعاون جميعًا على تحقيق ما يرفع من مكانتها، ويعيد إليها الأمن والاستقرار، ونؤجل كل ما تتعدد فيه الآراء وتختلف، حتى نتمكن من إعادة دوران عجلة العمل والإنتاج، وإقامة دولة المؤسسات التي من شأنها تثبت دعائم الدولة، والنهوض بها تراكمات ظلم وفساد وتخريب استمر عقودًا عدةً، مع اليقين أن ما انهدم في عشرات الأعوام، لا يمكن إصلاحه بجرة قلم، أو سن قانون، ولكنه يحتاج زمنًا وتدرجًا وتقديم الأولويات، وتأجيل ما يمكن تأجيله، حتى يحين وقته فلكل وقتٍ عمل واجب.

احذروا كيد الأعداء

إن أعداء الربيع العربي ساءهم ما تحقق للأمة من خير، وما وصلوا إليه من خير وفضل لم يكن في خيالهم، ومن ثَمَّ يعملون جاهدين لتعويق سيرها، حتى تتمكن من التحكم في توجيهها، وتفريغها من مضمونها، وفرض الوصاية عليها، وفي سبيل ذلك يشعلون الفتن بين أبناء الأمة، وينشرون الشائعات ويكيلون الاتهامات.. وكل ذلك لينشغل بعضنا ببعض، ونتبادل السباب والشتائم.. وهذا ما لا يصح أن نقع فيه أو ننزلق إليه.

واعلموا أن هناك مَن يريد تفويت أي فرصة تدعو لاستقرار بلادنا، ومنتهى آمال هؤلاء أن تحدث حالة فوضى عارمة تُدخلنا جميعًا في أنفاق مظلمة.

والواجب على عقلاء هذه الأمة تفويت هذه الفرصة على هؤلاء المغرضين، والتحلي بالحكمة في حل ما يعترضنا من مشكلات، وما يواجهنا من صعاب، وعلى الإعلام أن يتق الله، ولا ينفخ في نار الخلافات، وإثارة النعرات، وتهييج العواطف، حتى لا ندخل في صراعات جانبية لا معنى لها في هذا الوقت الحساس والخطير الذي نمر به.

وليحذر كل فرد من أبناء هذا المجتمع من أن يؤذي أحدًا أو يضر غيره، فضلاً عن أن يريق قطرة دم أو يزهق روحًا فإن حرمة الداء عظيمة، قال رَسُولِ اللهِ- صلى الله عليه وسلم-: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ، هَلْ تَدْرُونَ فِي أَيِّ يَوْمٍ أَنْتُمْ؟ وفِي أَيِّ شَهْرٍ أَنْتُمْ؟ وَفِي أَيِّ بَلَدٍ أَنْتُمْ؟” قَالُوا: فِي يَوْمٍ حَرَامٍ، وَشَهْرٍ حَرَامٍ، وَبَلَدٍ حَرَامٍ، قَالَ: “فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَهُ”، ثُمَّ قَالَ: “اسْمَعُوا مِنِّي تَعِيشُوا، أَلا لا تَظْلِمُوا، أَلا لا تَظْلِمُوا، أَلا لا تَظْلِمُوا، إِنَّهُ لا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ إِلاَّ بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ..”.

إياكم والجدل والمراء

إن سر القوة في أي أمة يرجع إلى الوحدة والإخاء والحب، ولا يمزق ذلك كله ويقضي عليه أكثر من الجدل والمراء، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: “مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ”.

وعن أَبُي الدَّرْدَاءِ، وَأَبُو أُمَامَةَ، وَوَاثِلَةُ بْنُ الأَسْقَعِ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالُوا: خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- وَنَحْنُ نَتَمَارى فِي شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ، فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا لَمْ يَغْضَبْ مِثْلَهُ، ثُمَّ انْتَهَرَنَا، فَقَالَ: “يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، لَا تُهَيِّجُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَهَجَ النَّارِ، ثُمَّ قَالَ: أَبِهَذَا أُمِرْتُمْ؟ أَوَ لَيْسَ عَنْ هَذَا نُهِيتُمْ، أَوَ لَيْسَ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا؟ ثُمَّ قَالَ: ذَرُوا الْمِرَاءَ لِقِلَّةِ خَيْرِهِ، ذَرُوا الْمِرَاءَ، فَإِنَّ نَفْعَهُ قَلِيلٌ، وَيُهَيِّجُ الْعَدَاوَةَ بَيْنَ الْإِخْوَانِ، ذَرُوا الْمِرَاءَ، فَإِنَّ الْمِرَاءَ لَا تُؤْمَنُ فِتْنَتُهُ، ذَرُوا الْمِرَاءَ، فَإِنَّ الْمِرَاءَ يُورِثُ الشَّكَّ وَيُحْبِطُ الْعَمَلَ، ذَرُوا الْمِرَاءَ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يُمَارِي، ذَرُوا الْمِرَاءَ، فَإِنَّ الْمُمَارِي قَدْ تَمَّتْ حَسَرَاتُهُ، ذَرُوا الْمِرَاءَ، فَكَفَى بِكَ إِثْمًا لا تَزَالُ مُمَارِيًا، ذَرُوا الْمِرَاءَ فَإِنَّ الْمُمَارِيَ لَا أَشْفَعُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ذَرُوا الْمِرَاءَ، فَأَنَا زَعِيمٌ بِثَلاثَةِ أَبْيَاتٍ فِي الْجَنَّةِ: فِي وَسَطِهَا، وَرِبَاضِهَا، وَأَعْلاهَا لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَهُوَ صَادِقٌ، ذَرُوا الْمِرَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ مَا نَهَانِي رَبِّي تَعَالَى عَنْهُ بَعْدَ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، الْمِرَاءُ وَشُرْبِ الْخَمْرِ، ذَرُوا الْمِرَاءَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يُعْبَدَ وَلَكِنَّهُ قَدْ رَضِيَ مِنْكَ بِالتَّحْرِيشِ، وَهُوَ الْمِرَاءُ فِي الدِّينِ… “.

أيها الناس أجمعون… أيها المسلمون الصادقون

اجتمعوا مع الناس على ما اتفقتم عليه من الخير وهو كثير ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ولا تشغلوا أنفسكم بالرد على ما يتهمكم به الغير، فإن هذا يشغلكم عن العمل، ويصرفكم عن فعل الخير، والأفضل من جدالهم أن نجعل من أعمالنا خير رد، بأن نقدم حبنا الصادق لكل أبناء المجتمع، وأن نفعل الخير مع كل فئات الوطن وطبقاته؛ لأن لله عبادًا اختصهم بقضاء حوائج الناس فكونوا منهم دون تفرقة بين الناس بدين أو جنس أو طبقة، وواجب على كل فرد في هذا المجتمع أن يكف يده عن الظلم، وأن يمسك لسانه عن الاتهام أو التخوين للآخرين، وليكن شعارنا قول رسول الله- صلى الله عليه وسلم- “مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ”.

فهل من مستجيب لذلك حتى تعود اللحمة إلى أبناء الوطن الواحد، وهل نرجع كما كنا في حرب أكتوبر مع صاحب الفكرة العبقرية بخراطيم المياه المحطمة لخط بارليف اللواء يافي يوسف البطل المصري المسيحي، فبوحدة الأمة ينصرنا الله، وكما كنا أيضًا في ميدان التحرير المسلم يحرس المسيحي، وهو يؤدي قداسه، والمسيحي يحرس المسلمين وهم يؤدون صلاتهم.

إن من صنع هذا لا يمكن أن تكون بينهم فتنة طائفية، بل هي نزغة من شياطين الإنس، وشرارة لهب أشعلتها أيدٍ خفيةٌ؛ لتأتي على الأخضر واليابس، وتهلك المسلم والمسيحي، وهل نحن إلا أبناء وطن واحد.. فاعتبروا يا أولي الأبصار. واتقوا الله في وطنكم، وخذوا حذركم، واتحدوا فيما بينكم، تؤتي ثورتكم أكلها، ونتمتع جميعًا بخيرها.

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله أكبر ولله الحمد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*