الخميس , 23 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

دور الإخوان المسلمين لمحاصرة العنف والفتنة

في مقال بـ(المصرى اليوم) الخميس 14/1/2010م دعا الأستاذ الكبير والمفكر د. محمد أبو الغار “الإخوان المسلمين” إلى التحرك العاجل الفوري؛ لمحاصرة العنف بين المسلمين وبين المسيحيين، والمناخ الطائفي الغريب على مصر، والعمل الجاد لإزالة المشاعر المحتقنة في المجتمع المصري.

وأنا أضم صوتي من موقعي كمسلم وعضو في الإخوان وقيادي مسئول بها إلى دعوته النبيلة، وأذكّر إخواني العاملين في قافلة الإخوان المسلمين بالقاعدة التي وضعها الإسلام، وذكّرنا بها الإمام الشهيد “حسن البنا” كأساس لمعاملتنا مع المواطنين المسيحيين في مصر والبلاد الإسلامية، وهي قوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ(8)﴾ (الممتحنة).

وكان ذلك في إطار مهم يجب أن نتذكره أيضًا، فقد فنَّد الإمام أهم العقبات التي يتصورها الناس، وتقف في طريق النهضة الإسلامية على أصول وقواعد الإسلام وهي:

– موقف الإسلام من الأقليات غير المسلمة.

– موقف الإسلام من العلاقة مع الغرب.

– دور رجال الدين.

فقال عن الأولى؛ وهي ما يهمنا في هذا الصدد:

“يظن الناس أن التمسك بالإسلام وجعله أساسًا لنظام الحياة ينافي وجود أقليات غير مسلمة في الأمة المسلمة، وينافي الوحدة بين عناصر الأمة، وهي دعامة قوية من دعائم النهوض في هذا العصر؛ ولكن الحق غير ذلك تمامًا؛ فإن الإسلام الذي وضعه الحكيم الخبير الذي يعلم ماضي الأمم وحاضرها ومستقبلها قد احتاط لتلك العقبة، وذللها من قبل، فلم يصدر دستوره المقدس الحكيم إلا وقد اشتمل على النص الصريح الذي لا يحتمل لبسًا ولا غموضًا في حماية الأقليات”.

وقد أصدر المجتمعون في مؤتمر طلبة الإخوان المسلمين المنعقد في 19 ذو الحجة 1356هـ/ 20/2/1938م قرارات مهمة منها:

يعلن المؤتمرون في صراحة ووضوح وقوة أنه ليس معنى الرجوع إلى المنهاج الإسلامي نقض الاتفاقات الدولية، ولا العدوان على الأقليات المواطنة والأجنبية، ولا الإخلال بنظام الحكم النيابي، ولا إحياء مظاهر رجعية لا تتفق مع المدنية الصحيحة؛ فإن الإسلام خير كله، وقد وضع لذلك أفضل النظم وأعدلها ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)﴾ (الأنبياء). (مجموعة الرسائل صـ247، دار البصائر/ طبعة أولى 2006م).

وتكملة تلك القاعدة الإسلامية الجليلة هي الآية الثانية:

﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9)﴾ (الممتحنة).

وهذا هو الإنصاف والعدل؛ لأن ذلك الصنف هم مفسدون يبغون الفتنة، وفي العصر الحديث يكون إعمال القانون العادل، وإرساء دولة القانون؛ هو الذي يمنع الفتنة ويحاصر الخطر، وبسبب إهمال تنفيذ القانون والتراخي فيه تتصاعد المخاطر، وتتفاقم المشاكل كما نرى الآن، ومنذ بدأت أحداث الفتنة عام 1972م بالخانكة وحتى يومنا هذا.

– ما الذي يجب على الأخ المسلم عمله في هذه القضية الخطيرة؟

أولاً: أن يستشعر الخطر المحدق بوطنه وبمشروعه الإسلامي الذي نذر نفسه من أجل إحيائه وتطبيقه.

ثانيًا: أن يستحضر الفهم الصحيح لتلك العلاقة كما أرساها الإسلام، وألا يقع في فخ التصعيد الإعلامي والإشاعات والتعميم، وأخذ الأبرياء بجريرة وذنوب أقلية في الخارج أو الداخل.

ثالثًا: أن يتذاكر ويتدارس مع إخوانه في الإخوان ومع غيره من المسلمين أسس العلاقة السليمة مع غير المسلمين في المجتمع الإسلامي.

وفي هذا عليه أن يتصدى للأفكار الأخرى والمدارس الفقهية التي لم تعرف في مجتمعاتها تنوعًا في الأصل، وتعتمد فتاوى كان لها أثر خطير في توتير العلاقة بين المسلمين والنصارى، وتستحضر في الذاكرة عهودًا كان لها ظروفها التاريخية، ولا توازن بين خطر محتمل تغذيه الشائعات، وبين خطر حالي داهم تعيشه الآن يقع بسببه قتلى وضحايا.

وهنا أذكر إخواني بآخر ما كتبه العلامة القرضاوى في سفره الجليل الأخير “فقه الجهاد” المجلد الثاني حول العلاقة مع النصارى تحت عنوان: علاقتنا مع النصارى.. حوار أم صدام؟ سواء في خارج المجتمعات الإسلامية أم داخل المجتمع الإسلامي، وقد كتب من قبل كتابًا مهمًّا هو “غير المسلمين في المجتمع الإسلامي” والكتابان من نشر مكتبة وهبة.

ويقرِّر هنا القرضاوي ما قرَّره الإمام البنا من قبل: أن الجزية هي ضريبة مقابل الدفاع والجهد الحربي والعسكري، فإذا شارك المسيحيون في الجيش كما هو الآن؛ فلا محل للجزية كضريبة دفاع.

ويجيب القرضاوى على سؤال خطير: هل يمكن أن تنشأ مودة بين المسلم وغير المسلم؟ أو بطريقة أخرى: هل يمنع الدين من المودة في التعامل الإنساني وحسن العلاقة التي تنعقد بين الناس بعضهم وبعض بحكم الطبيعة البشرية، وإن اختلفت دياناتهم؟ صـ1145/ ج2.

ويجيب بتساؤل:

“لو كانت مودة غير المسلم ممنوعة في الإسلام بصفة مطلقة؛ ما أجاز الشرع الإسلامي للمسلم أن يتزوج الكتابية، والزوجية في الإسلام تقوم على أساس وأركان منها: المودة والرحمة”.

إذن الممنوع من مودتهم هم الذين يحادون الله ورسوله، ويحاربون المسلمين، وليس السبب مجرد كفرهم بالإسلام، بل إيذاء المسلمين وحصارهم وتعذيبهم وفتنتهم في دينهم.

وذكر القرضاوي بآية جليلة ينساها المسلم ولا يتدبر فيها وهي قوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (7)﴾ (الممتحنة).

ويشرح القرضاوي معنى الولاء المذكور في الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ (المائدة: من الآية 51)؛ لأن تلك شبهة أخرى يقع فيها الكثير، حيث يدل السياق القرآني على أن المقصود هم يهود ونصارى معادين للمسلمين محاربين لدعوتهم، ومنهم من أعلن الحرب على الإسلام، وهزأ بعقيدة المسلمين، وسخروا من شعائر الإسلام واتخذوها هزوًا ولعبًا.

كما ينبِّه القرضاوي إلى خطورة عدم تدبّر الآيات، وعدم التعمق في فهم النصوص عندما يشير إلى الآية الكريمة ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: من الآية 120).

فالآية خطاب خاص للنبي صلى الله عليه وسلم، ولو سلمنا أنها خطاب للجميع فهي لا تدل على أكثر من نفي رضاهم عنا الرضا الكامل والمطلق، وهذا متوقع من أهل كل ملّة ودين؛ سواء رضي الناس أم سخطوا، ولن نبيع رضوان الله تعالى برضا أي مخلوق كان، وأخيرًا.. فإن الإسلام برغم وجود هذه الآية لم يمنع المسلم أن يؤاكل اليهودي والنصراني، وأن يصاهره فيتزوج أخته وينجب منها أولادًا، يكون أجدادهم وأخوالهم وخالاتهم وجداتهم من اليهود أو النصارى، وينطبق عليهم قول الله: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (الأنفال: من الآية 75).

وفي فصل آخر من السفر المهم الخطير، يفصل العلامة القرضاوي حقوق أهل الذمة وواجباتهم؛ فيذكرنا بأهم الحقوق المكفولة لهم من جانب المسلمين كمجتمع وحكومة وأمة ودولة وهي:

1-  الحماية من الاعتداء الداخلي.

2-  الحماية من الظلم الداخلي.

3- حماية الدماء والأبدان.

4- حماية الأموال.

5- حماية الأعراض.

6- التأمين عند العجز والشيخوخة والفقر.

7- حرية التدين والعبادة، وحرية بناء الكنائس التي تدعو إليها حاجة العبادة.

8- حرية العمل والكسب.

9- حرية الإقامة والتنقل.

10- تولي وظائف الدولة.

وفي مقابل ذلك هناك واجبات على النصاري في المجتمعات الإسلامية منها:

1- الجزية، إذا لم يشاركوا في الجيش والخراج وهو الضريبة على الأرض كواجب مالي.

2- التزام أحكام القانون الإسلامي فيما لا يتعلق بأحوالهم الشخصية وعقائدهم أي في الأحوال المدنية؛ كواجب مدني.

3- مراعاة شعور المسلمين، واحترام شعائر الإسلام؛ كواجب إنساني.

ثم ناقش القرضاوي أهم الشبهات التي تُثار حول تلك العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين.

فقال عن الجزية: “وتسقط الجزية أيضًا باشتراك أهل الذمة مع المسلمين في القتال، والدفاع عن دار الإسلام ضد أعداء الإسلام” صـ816/ ج 1.

وعن التزام القوانين، يقول: “إنهم بحكم حملهم لجنسية الدولة الإسلامية، فعليهم أن يتقيدوا بقوانينها التي لا تمس عقائدهم وحريتهم الدينية”، والمثال على ذلك: الزكاة، والجهاد، والأحوال الشخصية التي يتبعون فيها شريعتهم.

ويناقش بعض الشبهات التي ترد على تلك العلاقة، وأسسها الواضحة، فيتحدث عن ابتدائهم بالسلام إذا كانوا وحدهم:

“ذهب جمع من السلف إلى جواز إلقاء السلام عليهم، واستدلوا بالآيات القرآنية”، ونقل عن القرطبي أن عددًا من السلف فعل ذلك مثل: ابن مسعود، والحسن، والنخعي، وعمر بن عبد العزيز، وابن عيينة.

ونقل عن أبي أمامة: “إن الله جعل السلام تحية لأمتنا وأمانًا لأهل ذمتنا”، وعن الأوزاعي عندما سُئل عن مسلم مرَّ بكافر فسلم عليه فقال: “إن سلمت فقد سلم الصالحون، وإن تركت فقد ترك الصالحون قبلك”. (زاد المعاد (2/ 425).

وردَّ على الاستدلال بالحديث الذي رواه مسلم “لا تبدءوا اليهود بالسلام“، بما رواه البخاري في الأدب المفرد عن أبي بصرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إني راكبٌ غدًا إلى اليهود فلا تبدءوهم بالسلام“، فبيّن هذا الحديث سبب ورود هذا النهي؛ حيث قيّده بحالة الحرب ولقاء العدو في المعركة، وهو مقام لا يُبدأ فيه عادة بالسلام.

ونقل كلامًا نفسيًّا عن العلامة محمد رشيد رضا في تفسيره (المنار) فليرجع إليه من أراد الاستزادة.

إذن وفي النهاية.. ما الذي يجب عمله عمليًّا لوأد الفتنة ومحاصرة الخطر، هذا يمكن أن يتشاور فيه الإخوان كلٌ حسب بلده ووظيفته وقدرته، وفي هذا فليجتهد المجتهدون.

لكني أقترح أن يتعرف الأخ على جيرانه وزملاء العمل من المسيحيين، وأن يتفقدهم بالسؤال عن أحوالهم وأن يعود مريضهم ويواسيهم في الأحزان، ويشاركهم في الأفراح، ويهنئهم في الأعياد، ويعطي من نفسه القدوة الحسنة في العشرة بالمعروف والعيش المشترك، وأن يدفع عنهم الظلم، وأن يدعوهم إلى المشاركة في كل الأمور المشتركة التي تحتاج إلى جهد كل مواطن.

———-
بقلم: د.عصام العريان
* عضو مكتب الإرشاد.