الخميس , 23 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

حسن الظن مفتاح السلامة

“قد تتحدث إلى كثيرٍ من الناس في موضوعات مختلفة فتعتقد أنك قد أوضحتَ كل الإيضاح وأبنتَ كل الإبانة, وأنك لم تَدَعْ سبيلاً للكشف عما في نفسك إلا سلكتَها, حتى تركتَ مَنْ تحدثهم على المحجَّةِ البيضاء، وجعلتَ لهم ما تريد بحديثك من الحقائق كفَلَقِ الصبح أو كالشمس في رابعة النهار كما يقولون, وما أشدَّ دهشتَك بعد قليل حين ينكشف لك أنَّ القوم لم يفهموا عنك ولم يُدركوا قولك.

رأيتُ ذلك مراتٍ ولمستُه من عدة مواقف, وأعتقد أن السِّرَّ فيه لا يعدو أحدَ أمرين:

إما أنَّ الذي يقيس به كلٌّ منا ما يسمع عنه مختلف, فيختلف تبعا لذلك الفهمُ والإدراكُ, وإما أن يكون القولُ في ذاته ملتبسًا غامضًا وإن اعتقد قائلُه أنه واضحٌ مكشوف”.

هذه العبارات السابقة بدأ بها الإمام حسن البنا رحمه الله رسالته (إلى أي شيء ندعو الناس) وقد قفزت هذه العبارات إلى ذهني وأنا أطالع بعض التعليقات على مقالة الأسبوع الماضي (من كان عبدَ الحقِّ فهو حر) فقد كنت- ولا أزال- أتصور أن ما كتبته واضح غاية الوضوح؛ حيث أردت تعميق قيمة من أهم القيم التي نحتاجها لنهضة أمتنا، وهي قيمة الرجوع إلى الحق، وأردتُ التنفير من الإصرار على الخطأ، وأشرتُ في جانب من المقال إلى ما نراه بوضوح من بعض الذين يظهرون في الإعلام يكررون كلامًا تم تصحيحه عشرات المرات، وكذلك الذين تكشف الأحداث والأيام خطأ استنتاجهم ومع ذلك يصرون على المضي في الخطأ، وعلى عادتي لا أوجه الحديث نحو أحدٍ بعينه؛ لأن الأهم عندي هو القيمة التي ينبغي أن تنشر، بعيدًا عن أي إسقاطات على أشخاص بأعيانهم، فقد أردت إشاعة القيمة فحسب، على مستوى الفرد والفئة والجماعة والهيئة والدولة، ولذلك تفاجأت بأن قراءة البعض للمقال كانت مختلفة عما قصدت تمامًا، فأنا أتحدث عن قيمةٍ مجردة، وهم تذهب أوهامهم إلى أشخاص ووقائع محددة؛ ما أدَّى إلى تباعد ما بين مقصدي وما بين استنتاجاتهم.

سارت مُشَرِّقةً وسِرْتُ مُغَرِّبا   وشتَّان بين مُشرّقٍ ومُغرِّبِ

وفوجئت بأحد برامج الفضائيات (التوك شو) الشهيرة يتصل بي وتعلن مقدمة البرنامج أن الدكتور عبد الرحمن البر صرَّح بأن على الجماعة أن ترجع عن الخطأ في السياسة، وأنها تتصل بي على الهواء ليعرف السادة المشاهدون ماذا أقصد بهذه التصريحات (المزعومة)! ولهذا رأيت من الواجب عليَّ أن أكتب هذا التوضيح.

لقد حمَّل بعض القر اء الكرام كلامي ما لا يحتمل من التأويلات، وحفلت المواقع التي نشر فيها المقال بالتعليقات المسرفة في التأويل، فبعضهم يضع علامة استفهام على توقيت نشر المقال، ويستنتج أنني كتبت المقال تمهيدًا لإعلان جماعة الإخوان التراجع عن بعض مواقفها السياسية، ويزعم أنني أقدم التأصيل الشرعي بين يدي هذا التراجع المزعوم. وسأكتفي بسؤال هؤلاء الأحبة: إذا أرادت الجماعة مراجعة بعض مواقفها السياسية (وهذا حقها بل واجبها للوصول إلى الأفضل دائما في كل أمورها) فهل تحتاج لتأصيل شرعي؟ وهل ما قدمتُه في المقال من أهمية قيمة الرجوع إلى الحق والتراجع عن الخطأ أمر موجه للإخوان فقط أم هي قيمة مهمة لعموم الأمة؟.

والبعض الآخر رأى أنني أقصد بهذا المقال أشخاصًا بأعيانهم خالفوا رأي الجماعة، وأنني بهذا أدعوهم للرجوع إلى الحق الذي قررته الجماعة، ورأوا أن الأوْلى بي من وجهة نظرهم أن أوجه الدعوة للجماعة؛ لا للآخرين! ولا أدري هل يلزم الكاتبَ قبل أن يكتب أن يقسم يمينا بأنه خالي الذهن من توجيه الخطاب لأحد بعينه أو ماذا؟ الذي قصدته- علم الله- أن أوجه النصيحة لكل أبناء أمتي، في جماعة الإخوان وفي غيرها، فالدين النصيحة، وأتمنى من كل من قرأ المقال– وأنا منهم- أن نتخلق بهذا الخلق، وألا نتكبر على الحق أيًّا كان من ظهر الحق على يده أو على لسانه، فحريتنا الحقيقية هي في عبوديتنا للحق وحده، سواء كنا أفرادًا أو جماعاتٍ كبارًا أو صغارًا علماء أو غير علماء.

وأحب أن أقول لإخواني وأخواتي الأعزاء: إن آلية الشورى التي يتبعها الإخوان في اتخاذ القرار تملأ القلب ثقةً بسلامة الموقف وحسن تقديره، ولهذا تقل الأخطاء إلى حد كبير ببركة الشورى التي يكون الرأي فيها نتاج تفاعل عقول كثيرة مخلصة، وفي ضوء معلومات كثيرة معتبرة، وليس رأي فرد واحد نسبة الخطأ فيه أكبر بلا شك.

رأي الجماعة لا تشقى البلاد به   رغم الخلاف ورأي الفرد يشقيها

أساء فهما فأساء نقلاً: أثناء إعدادي لهذا المقال اتصل بي أحد الإخوان يسألني عما تداوله بعض نشطاء (الفيس بوك) عني أنني قلت: إن الذي يقف أمام الرئيس القادم كأنه يقف أمام إرادة الله وإن الله سيحاسبه! وقد عجبتُ غاية العجب لهذا التزييف الفج، فالذي قلتُه أمام أساتذة وطلبة كلية التربية بجامعة المنصورة تعليقا على كثرة الراغبين في الترشح للرئاسة: إن الرئيس القادم لمصر ليس رائد فصل دراسي أو مديرا لمصلحة صغيرة، ولكنه يتقدم لحمل أمر أمة كبييرة وسيتحمل مسئولية كبيرة وسوف يوقفه الله أمامه للحساب عن الأمانة الثقيلة التي يحمله الشعب إياها. فقل لي بربك: هل يحتمل هذا الكلام الواضح أن يُفهم على الوجه الذي نقله وتداوله أولئك النشطاء؟!

حسن الظن مفتاح السلامة: لكل ما سبق أؤكد أن ما قرره الإسلام من وجوب إحسان الظن واجتناب الشك خلق في غاية الأهمية للتعامل بين الناس وتقييم ما يكتبون وما يعلنون، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) (الحجرات: من الآية 12) أي لا تظنوا بأهل الخير سوءًا إن كنتم تعلمون من ظاهر أمرهم الخير.

وقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: “لاَ يَحِلُّ لِامْرِئٍ مُسْلِمٍ سَمِعَ مِنْ أَخِيهِ كَلِمَةً أَنْ يَظُنَّ بِهَا سُوءًا وَهُوَ يَجِدُ لَهَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْخَيْرِ مَخْرَجًا”.

وأخرج الشيخان عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ”. وسُمِّي الظن حديثًا؛ لِأَنَّهُ حَدِيثُ النَّفْسِ، وكَانَ أَكْذَبَ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ الْكَذِبَ مُخَالَفَةُ الْوَاقِعِ مِنْ غَيْرِ اسْتِنَادٍ إلَى أَمَارَةٍ، وَقُبْحُهُ ظَاهِرٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى إظْهَارِهِ، وَأَمَّا الظَّنُّ فَيَزْعُمُ صَاحِبُهُ أَنَّهُ اسْتَنَدَ إلَى شَيْءٍ فَيَخْفَى عَلَى السَّامِعِ كَوْنُهُ كَاذِبًا غالبًا، فَكَانَ أَكْذَبَ الْحَدِيثِ.

وقد فسَّر بعض أهل العلم الشِّقْوة في قوله تعالى على لسان أهل النار (غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا)  بأنها: حسن الظن بالنفس وسوء الظن بالخلق.

وسبب تحريم ظن السوء: أن أسرار القلوب لا يعلمها إلا علام الغيوب، فليس لك أن تعتقد في غيرك سوءًا، إلا إذا انكشف لك بعيان لا يحتمل التأويل، فما لم تشاهده ولم تسمعه ثم وقع في قلبك فإنما ألقاه الشيطان إليك، فينبغي أن تكذبه، فإنه أفسق الفساق.

وإلى إخواني الذين ذهب ظنهم بي في غير محله أنقل قول الخليل بن أحمد: “أربعٌ تُعْرَف بهن الأخوة: الصفح قبل الانتقاد له، وتقديم حسن الظن قبل التهمة، وبذل الود قبل المسألة، ومخرج العذر قبل العتب”.

أسأل الله المسامحة لي ولمَن ساء ظنه بي، وألف بين قلوبنا على الخير دائمًا.

————-

بقلم: أ.د. عبد الرحمن البر

عميد كلية أصول الدين بجامعة الأزهر بالمنصورة وعضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*