الثلاثاء , 21 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

جد هنا ولعب هناك – فهمي هويدي

لماذا تحقق مصر إنجازاتها الكبيرة في مباريات كرة القدم في حين تخيب جامعاتها ولا تذكر في أي تصنيف عالمي محترم، وتعجز عن إزالة القمامة من العاصمة؟،

السؤال تتداوله بعض الألسنة بعدما انتهت الفورة وجاءت الفكرة. وهوما سمعته من أكثر من واحد، أحدهم سأل:

لماذا لا يعين الكابتن حسن شحاتة رئيسا للوزراء لكي ينقذ البلد من المنحدر الذي يتدحرج عليه؟

لقد فرح المصريون كثيرا، حتى أن القاهرة على الأقل لم تنم في تلك الليلة التي فازت فيها مصر بكأس الأمم الإفريقية، وهوفرح مستحق لا ريب،

وأحسب أن المبالغات التي وقعت أثناءه لم تكن كلها لأن المنتخب المصري حقق إنجازه الكبير، وإنما كان بعضها لأن الناس أصبحوا بحاجة ملحة لأن يفرحوا، خصوصا بعدما تكاثرت همومهم وعزت ابتساماتهم، وشحت نكاتهم، وما عادت ضحكاتهم تنبع من أعماقهم،

ورغم أن الفوز بكأس إفريقيا لم يغير شيئا في حياتهم، إلا أنه أضاف شيئا مختلفا إلى معنوياتهم، على الأقل من حيث إنه ذكرهم بأن ثمة لمعة ضوء في العتمة المخيمة ذكرتهم بلحظات السعادة والفرح.

المقارنة بين الفوز بكأس إفريقيا والفشل في الأمور العملية الأخرى بمثابة استدعاء للمقارنة بين الرياضة والسياسة، وتساؤل عن أسباب النجاح في الأولى دون الثانية،

وردي على ذلك التساؤل أن العوامل الرئيسية للنجاح واحدة في الحالتين، لكن تلك العوامل توظف في الرياضة ويتم تجاهلها في السياسة،

فعنصر الكفاءة مثلا يتم التعامل معه بمنتهى الشدة والحزم في الرياضة، بينما الأمر ليس كذلك في السياسة،

فكفاءة المدرب ولياقة اللاعب البدنية وموهبته في الأداء، هذه كلها أمور لا يمكن التسامح فيها في الرياضة، ثم إن لها معايير واضحة لا يمكن التهاون فيها.

والأمر مختلف في السياسة حيث قد تعد الكفاءة أحد العوامل التي تتدخل في اختيار المسؤول، لكنها ليست العامل الوحيد أوالحاسم. ذلك أن المسؤول التنفيذي يختار أحيانا لأقدميته أولصلة قرابة تربطه مع من هوأكبر منه، وأحيانا يختار اطمئنانا إلى ولائه السياسي.

الشفافية عامل أساسي آخر في الرياضة، وهونسبي في السياسة وأحيانا ينعدم تماما. ذلك أن 90 % من النشاط الرياضي يمارس أمام الناس وتحت أعينهم. فهم يرون من أصاب ومن أخطأ، ويعرفون أسباب اشتراك البعض في اللعب وغياب البعض الآخر.

وباستثناء المناورات والمشاحنات التي تقع في الكوابيس بين الإداريين، فإن تفاصيل كل مباراة مكشوفة على الملأ،

أما السياسة فهي إن كانت فن الممكن عند البعض، فإنها أيضا مستودع الأسرار والألغاز، خصوصا في الدول غير الديمقراطية، فالمفاتيح كلها بيد السلطان، هوالذي يحاسب وهومن يكافئ، وهوالذي يتخير من يشاء ويقصي من يشاء، وليس بمقدور أحد أن يسأل لماذا حوسب شخص أوكوفئ آخر، ولماذا دخل فلان وخرج علان وذلك ما يفسر الفتور الشديد الذي ينتاب المشاهدين في لعبة السياسة، والحماس البالغ الذي يبديه المشاهدون في مباريات كرة القدم.

المساءلة قيمة ثالثة حاضرة بقوة في عالم الرياضة، وهي غائبة بنفس القوة في عالم السياسة. فالكروت الصفراء والحمراء جاهزة لإنذار اللاعبين، وقرارات الإبقاء أوالاستغناء تهدد المدربين والإداريين إذا لم يحققوا الإنجاز المرجومنهم، وهتاف الجماهير جاهز للاعب المجيد وصفيرهم واستهجانهم حظ اللاعب المقصر أوالمسيء،

أما في السياسة فالأصل أن السلطان لا يسأل عما يفعل، ووحده صاحب حق مساءلة الجميع، وهوالمسؤول الأول عن كل إنجاز وغير المسؤول الأوحد عن أي إخفاق.

عندي إجابة أخرى عن السؤال لماذا يتم الإنجاز في الرياضة ويلاحقنا الفشل في السياسة والإدارة،

خلاصتها أننا نتصرف بمنتهى الجدية في الرياضة لأن سيف الحساب ينتظر الجميع،

في حين أننا نلعب ونتدلل في السياسة لأن هراوة الأمن المركزي تهدد الجميع!.

صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 19 صفر 1431 – 3 فبراير 2010