الجمعة , 24 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

سياسة هدم المعبد


يبدو أن بعض القوى والأحزاب التي تطلق على نفسها المدنية لا تريد لهذا البلد أن يهدأ أو يستقر وتعمل جاهدة على ازدياد فترة الاضطراب والارتباك التي تشهدها الساحة السياسية خلال هذه الفترة الانتقالية من خلال العمل على إشعال الحرائق هنا وهناك، وزيادة حالة الاحتقان والاستقطاب بين القوى الإسلامية وبين مايسمى بالقوى المدنية
فما إن يقع اعتصام أو إضراب حتى تسارع هذه القوى ورموزها لإعلان تأييدها له والتضامن معه – بالرغم من إدراكهم لعمق الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد والتي لا تستطيع تلبية هذه المطالب –  بدلا من الدعوة لتفهم الظروف التي تمر بها البلاد والدعوة إلى الصبر والعمل لاجتياز هذه الأزمة بما يسمح بتلبية المطالب المشروعة لفئات المجتمع المختلفة
وقد سارعت هذه القوى بعد طول انتظار وفور انتهاء الـ 100 يوم الأولى من حكم الرئيس للدعوة للتظاهر بل وطالب بعضها بإسقاط الرئيس تحت ذريعة أنه لم يف بوعوده خلال المائة يوم، وهو وضع لا مثيل له في العالم بأسره فلم نسمع عن رئيس منتخب انتخابا حرا لمدة محددة تم محاسبته بالقطعة كما يريد أن يفعل البعض عندنا ونحن الآن  نتابع معركة انتخابات الرئاسة  الأمريكية والحملات المتبادلة بين أوباما و رومني، وعلى المتربصين بمرسى أن يراجعوا النسبة المحدودة الذي حققها اوباما من وعوده  الانتخابية بعد أربع سنوات وليس مائة يوم ومع ذلك لم نر الشعب الأمريكي يخرج مطالبا بمحاسبة الرئيس أو مطالبا بإسقاطه لأن محاسبة الرئيس على ماحققه ومالم يحققه تكون من خلال صناديق الانتخابات
الحقيقة أن المشكلة الأساسية ليست في وعود الرئيس، ونسبة ماأنجزه ومالم ينجزه بل المشكلة الحقيقية تكمن في حالة التربص بالرئيس من بعض القوى السياسية التي تعمل جاهده على إفشال الرئيس ومحاصرته بالضغوط التي لا تتوقف، وتصيد أي هفوات أوأخطاء للنيل منه انطلاقا من عدائها لفكر الإخوان أو بحثا عن زعامات لم تستطع أن تنالها من خلال صناديق الانتخابات أو حسدا وحقدا على الإخوان الذين تبوءوا قمة السلطة بعدما كانوا بالأمس القريب يعانون من الاضطهاد والتنكيل
وقد حاولت هذه القوى تكرار مافعلوه بمجلس الشعب مع مؤسسة الرئاسة عن طريق نشر ألأكاذيب والأراجيف وخلق حالة من الكراهية للرئيس فكما طاردوا د. الكتاتنى بالاتهامات الباطلة عن سيارته، وما يتقاضاه من مخصصات مالية من المجلس وغير ذلك من الاتهامات سلكوا نفس النهج مع الرئيس من خلال الاتهامات الباطلة التي نالته ونالت أسرته، واضطر المتحدث باسم الرئاسة للخروج يوميا وأحيانا  أكثر من مرة في اليوم الواحد لنفى هذه الاتهامات بل واضطر الرئيس نفسه لنفى بعض هذه الاتهامات والأكاذيب كما حدث في خطابه بإستاد القاهرة عندما نفى ماردده البعض عن تلقيه مبالغ طائلة كبدل عن رحلاته الخارجية وعن تقاضى موظفي الرئاسة بدلات ضخمة عن مرافقتهم للرئيس في هذه الرحلات
ويبدو أن القوم أدركوا أن هذه الوسائل لن تجدى نفعا فعملوا على إدخال البلد في حالة من الفوضى سواء من خلال المطالبة بإعادة انتخابات الرئاسة مرة أخرى بعد إصدار الدستور الجديد، أو اللجوء للمحاكم لإفشال الجمعية التأسيسية بعد أن أصبح القضاء  هو الساحة الأساسية للعمل السياسي في مصر الآن
فباسم الأعراف الدستورية انطلق البعض مطالبين بإعادة الانتخابات الرئاسية، وزايد البعض وأفتى أن هذا  مايجرى في العالم كله عند وضع دستور جديد  وهو أمر ليس صحيحاً ولم  يحدث في مصر مثلا عندما صدر دستور 1971 الذي نص في مادة انتقالية على إكمال الرئيس السادات  لمدته إن مثل هذه الدعوة لايمكن أن تصب أبدا في مصلحة البلاد لقد خرج الشعب في انتخابات الرئاسة الماضية لينتخب الرئيس لمدة أربع سنوات طبقا للتعديلات الدستورية التي وافق عليها الشعب في مارس 2011، ولم يقل لنا أحد أننا سننتخب رئيساً مؤقتاً لعدة شهور لحين وضع الدستور فضلا عن أن الدستور الجديد قد قلص سلطات رئيس الجمهورية كما أن أوضاع البلاد سواء السياسية أو الاقتصادية لايمكن أن تتحمل الأعباء المترتبة على انتخابات جديدة فنحن مقبلون على  انتخابات مجلس الشعب والشورى أوالنواب والشيوخ كما في مسودة الدستور الجديد ثم انتخابات المحليات أي أننا مقبلون على  ماراثون انتخابي طويل فهل تتحمل البلاد إضافة انتخابات رئاسية جديدة لكل هذه الانتخابات والملاحظ أيضا أن بعض من يدعون لذلك  ينطلقون من مصالح شخصية مثل حمدين صباحي الذي  يتبنى هذا الرأي الآن،  ويردده ليل نهار مع أنه لو كان صادرا منه عن قناعة حقيقية لأعلنه أثناء حملتة الرئاسية وليس بعد سقوطه في الانتخابات، ولكان ذلك أدعى أن نحترم هذا الرأي منه  ونقدره حتى لواختلفنا معه
ونأت إلى موضوع الجمعية التأسيسية والسعي الدءوب الذي تمارسه هذه القوى لهدم الجمعية التاسيسة من خلال اللجوء إلى القضاء والحملات الإعلامية لتشويه عمل الجمعية ،وهنا لابد من التفريق بين فريقين الأول يرفض تشكيل الجمعية من الأساس، وأي منتج يخرج عنها  ويطالب بإعادة تشكيلها بحجة أنها غير متوازنة ولا تشكل كافة فئات مجتمع، والفريق الثاني الذي يتعامل مع المنتج الذي أصدرته الجمعية التأسيسية بالرغم من تحفظه على تشكيل الجمعية، والحقيقة أن الفريق الثاني يدرك اللحظة التاريخية التي تعيشها البلاد والحاجة إلى الدستور وإجراء الانتخابات النيابية لتحقيق الاستقرار بالبلاد, وإنهاء الفترة الانتقالية كما يدرك أهمية التعامل مع الأمر الواقع،وبالرغم من حدة انتقادات بعض المنتميين لهذا الفريق لمسودة الدستور، والتعامل معها على أنها المنتج النهائي وليست مسودة قابلة للحذف والإضافة والتعديل إلا أن هذه المواقف تعتبر قوة داعمة للدستور الجديد وللجمعية التأسيسية التي يجب عليها أن تتعامل مع هذه الانتقادات والاقتراحات المقدمة من الهيئات والأفراد حتى الذين لا يعترفون بالجمعية التأسيسية  بمنتهى الجدية، وأن تفتح باب الحوار مع الجهات المختلفة للوصول إلى تفاهمات مشتركة كما حدث على سبيل المثال مع المحكمة الدستورية العليا
أما الفريق الأول الذي يريد هدم الجمعية التأسيسية فهو يتصرف بعيدا عن روح المسؤولية بصرف النظر عن نواياه ودوافعه لأن هذه الدعوة لن تؤد ى إلا لمزيد من الاضطراب والفوضى لأنه لايوجد بديل واضح لهذه الجمعية
فأنصار هذا الفريق يدعون رئيس الجمهورية للتدخل لإعادة تشكيل الجمعية بالرغم من أنه ليس من حقه إعادة تشكيل الجمعية إلا في حالة حل الجمعية أو وجود عائق يحول دون إتمام عملها، ولو سلمنا جدلا بوجود هذا العائق وأعاد الرئيس تشكيل الجمعية فهل هذا سيحل المشكلة أم يدخلنا في مزيد من المشكلات  ؟
إن إقدام الرئيس على إعادة تشكيل الجمعية لن     يؤد ي إلا لمزيد من عدم الاستقرار ورفض للتشكيل الجديد واتهام الرئيس بمحابة الإسلاميين،، وحتى لو شكل الرئيس الجمعية أو بمعنى أدق اللجنة بالتوافق مع القوى السياسية – وهى التي لم تتوافق على شيء من قبل- فإن ذلك لن يحظى بموافقة الجميع وسيلجأ البعض للقضاء لتعطيل عمل الجمعية، وحتى لو تم اللجوء للانتخاب المباشر لتشكيل الجمعية التأسيسية وهو الخيار الأفضل ديمقراطيا وأمكن التغلب على العقبات التي تعيق الأخذ  بهذا الخيار من الناحية العملية فإن هذا الخيار سيؤدى إلى ازدياد حالة الاستقطاب خاصة في حالة فوز إحدى القوتين الإسلامية أوالليبرالية بالأغلبية التي تتيح لها إصدار الدستور منفردة  استنادا إلى التفويض الشعبي خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أنه في حالة انتخاب جمعية تأسيسية بصورة مباشرة فلن يعرض هذا الدستور على الشعب للاستفتاء، وستقوم الجمعية بإصداره مباشرة
الواقع  أن أي بديل للجمعية الحالية يقودنا للمجهول ويتجاهل مجهود أكثر من أربعة أشهر بذلته هذه الجمعية توصلت خلاله إلى منتج يمكن البناء عليه وتجويده من خلال التعامل معه خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن النقاط الأساسية المختلف عليها لاتتجاوز أصابع اليد الواحدة
على هذه القوى أن تدرك أن الإرادة الشعبية هي الأساس وأنها هي التي ستنتصر في النهاية وأن عليها أن تدرك أن سياسة هدم المعبد “و فيها لأخفيها”  وسرادقات العويل والندب التي تمارسها يوميا في الفضائيات  لن تجدي نفعا، وأن  ساحة العمل الحقيقية  مفتوحة أمامها  من خلال التواصل مع الناس، وتحقيق نتائج جيدة في الانتخابات القادمة  تتيح لها المشاركة الفعالة في الحياة السياسية

د صفوت حسين
مدرس التاريخ الحديث والمعاصر
كلية التربية – جامعة دمنهور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*