الأحد , 19 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

الرئيس وصناعة الفرعون!

د. محمد جمال حشمت

لعل أكثر ما يميز الرئيس محمد مرسي الذي تربَّى في حضن الإخوان المسلمين والمصري المعجون بالوطنية التي دفع ثمنها مثل كل إخوانه في عصور الفساد والظلم والاستبداد! هو رغبته في تغيير الانطباع الذي تم رسمه بعناية شديدة وحرفية أمنية عالية عن الرئيس ومؤسسة الرئاسة! من تبسيط تحركات موكبه واحترام المرور والمحاولة الجادة في عدم الإضرار بحركة الشارع (وهو ما قوبل بمقاومة من الجهات الأمنية التي أعادت الضجر من تحركات الرئيس لدي الشارع المصري) كذلك تبسطه في التعامل مع قوات الحرس الجمهوري ضباطًا وجنودًا من التحية والحوار والسؤال عنهم والصلاة بهم أحيانًا، وهو ما لاقى في الأغلب الأعم ترحيبًا واحترامًا، وكذلك الظهور العلني في صلوات الجمعة بشكل مباشر مع كلمة بسيطة توجه لجموع الشعب المصري من خلال المسجد وهو ما لاقى ترحيبًا شعبيًّا وغضبًا نخبويًّا؛ حيث أراد البعض أن يصور الرئيس في صورة الشيخ الذي لا يفهم في إدارة الدولة وعلم السياسة، رغم أن هؤلاء هم الذين ثاروا وغضبوا وشنعوا بتحركات الرئيس المخلوع! بل كان البعض منهم يسعون للقائه لدقائق والسلام عليه اعتمادًا على حالة الرهبة التي اختلقتها أجهزة الأمن من حوله!! وهم الذين لم تشغلهم صلاة الرئيس المؤمن طوال عشرات السنين التي استغل الأزهر في الترويج لسياساته وجعل شيخه عضوًا في لجنته!.

ورغم أني أعتقد أن مرسي قد نجح في تغيير الصورة الذهنية لرئيس فرعون حكم مصر طوال أكثر من ستين عامًا لرئيس يأكل ويشرب ويتواصل مع شعبه، لا تتمتع أسرته بامتيازات خاصة ويعيش في مسكنه العادي بعيدًا عن جو القصور والترف الذي أفسد كل رئيس وجعل الشعب أمامه قطيعًا يخاف وينافق كي يحيا في سلام من خطط الأمن الذي سيطر على البلاد وحول مصر إلى دولة بوليسية الكلمة الأخيرة فيها للأمن ورجاله من كبيرهم لصغيرهم!! لا أعتقد أن صورة الشيخ التي جرَّسها الإعلام ومسختها الدراما المصرية طوال عشرات السنين ممكن أن تنطبق على الرئيس مرسي! فلقد خاض الانتخابات في لحظتها الأخيرة دون رغبة منه وحصد فيها المركز الأول في الجولتين وتعرض لإعلام متحامل أحيانًا كثيرة ومتعاطف معه بشكل أقل! فلم يكن عليه سمت الشيوخ، بل سمت السياسيين الذين يوقرون دينهم ويحترمون عقيدتهم وعقائد غيره ويتوافقون مع المخالفين، بل نجح في معركة كان لا يظن أحد أنها ستبدأ الآن وهي استخلاص صلاحياته بوصفه رئيسًا منتخبًا للجمهورية من أقوى مؤسسة في مصر حتى الآن بأقل الخسائر الممكنة!! وهو ما أثار إعجاب وخوف العالم غربه وشرقه في الوقت نفسه! فهل نحن أمام خيارين بين المشيخة والفرعنة؟ لو كان الأمر كذلك أعتقد أن الأحرار والوطنيين والمحبين لمصر والتواقين لمستقبل أفضل سيفضلون المشيخة رغم أنها غير حقيقية! لكن ترسمها رغبة الكارهين والمتربصين بالرئيس الدوائر!.

إن صناعة الفرعون لها أدبيات صنعتها الأجهزة الأمنية المختلفة في مصر بآليات محددة لم تتوافر حتى الآن لمرسي بل يتحرك في عكس اتجاهها. فقد كانت سياسة مبارك المخلوع تتمثل في:

1- المشاركة في كتابة تقارير تقييم أمني لجميع العاملين بالمناصب القيادية والسيادية لضمان سيرهم على المسارات المحددة لهم.

2- المشاركة في كتابة تقارير الترشح الأمني لجميع المرشحين للعمل بالمناصب القيادية والسيادية بالدولة.

3- السيطرة التامة على القوات المسلحة والشرطة من خلال المتابعة الأمنية الشديدة وتصيد أكبر كم من المخالفات للسيطرة عليهم.

4- دعم وزارتي الإعلام والتعليم بالمعلومات التي تصب في مصلحة الرئيس ونظامه.

5- السيطرة على القضاء سيطرة تامة وتحويله إلى عصا في يد رئيس الجمهورية.

6- السيطرة على الأزهر وقياداته لأسلمة جميع قرارات رئيس الجمهورية ونظامه.

7- السيطرة التامة المطلقة على جميع أجهزة الدولة وضبط إيقاع عملها بما يتوافق مع أجندات وأهداف السيد رئيس الجمهورية.

8- ضبط إيقاع الرأي العام والحالة المزاجية للشارع المصري وذلك من خلال الرياضة وخاصة كرة القدم والأفلام والمسلسلات والطرب والغناء وذلك من خلال أقسام العمليات لنفسية والتي تعمل على تفريغ الطاقات الإيجابية والسلبية لعامة الشعب.

 9- ردع كل من تسول له نفسه الخروج على الناموس الفكري الذي أرساه رئيس الجمهورية في جميع أنحاء الدولة وذلك باستخدام سياسة الترغيب والترهيب.

10- الحيلولة بين المواطن ومعرفة حقوقه أو التمييز بين الحق والباطل حتى لا يكتشف الحقيقة ويطالب بحقوقه المشروعة.

11- ابتكار عوائق روتينية حياتية للمواطن من خلال قسم العمليات النفسية والذي يقوم بتوزيعها على كل أجهزة الدولة من أجل اختزال وتقليص طموحات الرأي العام.

12- تفريق التوحد الشعبي من خلال أقسام العمليات النفسية وذلك بالتركيز من خلال وسائل الإعلام على تقسيم فئات الشعب كالتقسيم الرياضي (أهلاويًّّّّّّّّا وزملكاويًّا) والتقسيم السياسي من خلال الأحزاب والتقسيم الجغرافي (صعيديًّا، إسكندرانيًّا، سويسيًّا) والتقسيم الطائفي (مسيحيًّا، مسلمًا، سلفيًّا، إخوانيًّا، جهاديًّا، يساريًّا، ليبراليًّا، علمانيًّا،…إلخ) واللعب على وتيرة الفتنة الطائفية لجعلها فزاعة لكلا الطرفين وذلك للحيلولة دون توحد قوي الشعب.

13- قيام أقسام العمليات النفسية لجميع الأجهزة الأمنية بعمل دعاية سوداء ورمادية للترويج لفكرة أن التيارات الإسلامية ما هي إلا عناصر إرهابية إجرامية تستتر وراء الدين بهدف الوصول للسلطة والحكم وذلك من خلال وسائل الإعلام المختلفة.

14- قيام أقسام العمليات النفسية بالترويج لأفكار تعمل على اختزال دور الإسلام في كل نواحي الحياة كترديد الشعارات المألوف سماعها كأن الدين ما هو إلا علاقة بين العبد وربه وضرورة فصل الدين عن السياسة وأن كل ما زاد عن أركان الإسلام الخمسة يعد من التطرف وغير ذلك بهدف تغييب العقول وتأهيلها للانصياع للنظام الحاكم.

15- قيام أقسام العمليات النفسية بتصوير التيارات الإسلامية في ثوب القتلة العاكفين على تكفير جميع طوائف المجتمع والمحرمين لجميع أنماط الحياة الحديثة لشحن المجتمع شحنًا معنويًّا سلبيًّا تجاههم.

16- قيام عناصر الـdirty works groups بعمليات قذرة كتفجير الكنائس والفنادق وغير ذلك لترسيخ مفهوم اقتران الإسلام بالإرهاب والإسلاميين بالإرهابيين وذلك لتأهيل الرأي العام لعمليات التخلص منهم بالقتل والاعتقال.

17- قيام أقسام العمليات النفسية بعقد صفقات أمنية مع العديد من العناصر الليبرالية والعلمانية لاستخدامهم في اختزال شعبية التيارات الإسلامية في وسائل الإعلام المختلفة.
18- قيام الوحدات الأمنية باستقطاب البلطجية المسجلين بوزارة الداخلية لاستخدامهم في تأمين عمليات تزوير الانتخابات.

19- قيام أقسام العمليات النفسية بالاتصال المباشر بكبار الإعلاميين لصناعة أفلام ومسلسلات وبرامج توك شو هدفها الترويج لأفكار إستراتيجية مضادة لمبادئ الشريعة لاختزال شعبية القوي الإسلامية، وكذلك تخدم نظام مبارك الحاكم الفرعون.

تلك كانت السياسة لصناعة وحماية الفرعون والتي أعتقد أن جزءًا كبيرًا منها ما زال قائمًا والشواهد على ذلك كثيرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*