الأحد , 19 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

كأس الأمم الإفريقية وأحداث بلبيس.. نظرة تأمل!

فازت مصر بكأس الأمم الإفريقية للمرة الثالثة على التوالي، وكم كانت فرحتهم وفرحة شعب مصر بهذا الفوز العظيم!، وقد كانت فرحتي للفريق ليس لفوزه في مسابقة الكرة فحسب، ولكن لفوزه في مجال الأخلاق أيضًا.

لقد كان أداء الفريق المصري أخلاقيًّا، فضلاً عن كونه مهاريًّا، وهذا ما أسعدني, فهو الفريق الأقل في الإنذارات، والأفضل في اللعب النظيف، وهو فريق الساجدين الذي يعبِّر عن فرحته بهدف يحرزه بسجدة شكر يسجدها, ويسعى إلى إحراز الهدف بأدعية التوفيق.

وهو الفريق الذي يجتمع على الصلاة، ويتميز بالالتزام الديني، وهو ما عبَّر عنه مدرِّبه “حسن شحاتة” الذي كثيرًا ما يردِّد “يا حبيبي يا رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

ورغم أن الفريق المصري عبَّر عن فرحته بالفوز بسجدة لله رب العالمين فإن بعضًا من الشعب المصري عبر عن فرحته بطريقة تغضب رب العالمين, فالنزول في الشوارع والاختلاط الماجن والقبلات والأحضان بين الشباب والفتيات كل ذلك تقليد غربي نقلته لنا وسائل الإعلام عن الغرب وقلده الكثير دون احترام لضوابط شرع أو دين.

وفي بلبيس حدث ما حدث مثل بقية أرجاء مصر نزل الشباب إلى الشوارع ليعبر عن فرحته, وفي لحظة تغلب فيها الشيطان على بعض المدمنين كان التحرش الجنسي من بعض الشباب وهاجموا بعض الفتيات وارتفع صراخهن فلامس صراخهن أسماع بعض الشباب- الموجودة في الشارع أيضًا- الذي سارع بنجدتهن، وجاء الأمن ليفض الحفل، وكان اعتراض الشباب وثورتهم, وتحوَّلت الثورة إلى فوضى حرقت فيها السيارات وخربت بعض المنشآت وكسرت أجهزة الحاسوب في مجلس المدينة وتم الاعتداء على بعض رجال الأمن، وكثرت الأقاويل ما بين مخطئ لفعل الأمن وما بين مخطئ لفعل بعض الشباب.

ومخطئ مَن يظن أن الصورة كاملة لديه, فإن الجموع كانت غفيرة والشوارع كثيرة والأحداث متلاحقة والأقاويل كثيرة.

واتصل بي محرر “العاشرة مساءً” ليتعرف ما حدث فرويت له بأمانة ما حدث وعاتبني البعض على ذكرى لحادثة التحرش الجنسي، وظنَّ البعض أن ظلم الأمن لي من خلال الاعتقالات المتكررة قد يدفعني إلى تحميله الخطأ وحده.

ولذلك أود أن أوضح بعض الأمور ألا وهي:-

1- أن الإسلام علمنا قول الحق وإن كان مُرًّا وإن الله تعالى يقول: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا﴾ (المائدة: من الآية 8)، وقال: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الأنعام: من الآية 164).

فرغم أن الأمن هو العصا الغليظة الذي يضرب بها النظام معارضيه وأنا أحدهم ونالني الكثير من الظلم بسبب ذلك إلا أن العدل في القول وعدم اتباع الهوى هو الأصل عند المسلم الذي يخشى ربه.

2- إن من دفعته الغيرة على بلده وغضب حين سمع مقالة “التحرش الجنسي” أولى به أن يغار على شرع ربه ويغضب حينما يختلط الرجال بالنساء والشباب بالفتيات؛ وذلك فضلاً على أن يغار على عرضه فيمنع أهل قرابته من النساء أن يقربن هذه المظاهر فيتعرضن فيها لما لا تحمد عقباه.

3- إن الفرحة بالفوز بدافع الوطنية لا تتحول إلى تخريب متعمد لمنشآت الوطن حتى ولو في لحظة غضب.

وعلى النظام أن يعلم أن ما حدث ليس رد فعل لمحاولة منع الأمن الاحتفال بالفوز، ولكنه كبت مدفون في نفوس الشباب بسبب حالة الإحباط واليأس الذي يعانيه, فالشباب لا أملَ له في عمل كريم أو زواج شريف فكان رد الفعل- العنيف- يعبر عن مشاعر الغضب الكامن في النفوس.

إن أهالي بلبيس بطبعهم مسالمون ولم يعهد عنهم هذه الأفعال، ولكنهم جزء من الشعب المصري الذي يرى حكامه يمزقون حاضره ويحرقون مستقبله.

لذلك ما حدث في بلبيس لا بد ألا نفكر فيه بعقلية أمنية تسعى إلى تأديب الثائرين, ولا عقلية سطحية لا تعي ما وراء الحدث، ولكن لا بد من عقلية ناضجة تحلل الأمور وتسعى إلى الإصلاح.

لا بد من إصلاح اقتصادي يعطي الشباب الأمل في معيشة كريمة.

ولا بد من إصلاح سياسي يعطي الشباب الشعور بالانتماء لا أن يخرب ويحرق قائلاً: “البلد بلدهم”، فلا بد أن يشعر أن الممتلكات العامة هي ملك له يحميها لا أن يدمرها بيده.

لا بد من إصلاح أخلاقي يمنع الانحراف والإدمان والمجون، والذي به تحدث حوادث التحرش والاغتصاب وغيرها.

لا بد من إصلاح أمني يشعر به الشعب أن الشرطة في خدمته ومعاونة له وليست هي عصا النظام التي يضرب بها.

وبعد.. إن الفريق المصري قد فاز لالتزامه الديني وروح الأخوة التي كانت بين أفراده، فهل نلتزم جميعًا بديننا ونتحد على عدونا، ونتآخى فيما بيننا؛ حتى نفوز في كل مناحي الحياة وليست الكرة فحسب.

وأكرر لقد فاز فريق مصر لأنه منتخب الساجدين، ولن تتقدم مصر إلا بعد أن تسير على هدى رب العالمين.

————
بقلم: د. أمير بسام
* أستاذ بكلية الطب- جامعة الأزهر