الإثنين , 20 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

الكراسي لا تصنع رجالاً … بقلم د الغباشي الشرنوبي العطوي

في خضمِّ الأحداث التي تمرُّ بها مصرُنا الحبيبةُ في هذه الأيام يختلط الحابلُ بالنابلِ أحياناً ، يتكلم المعلولُ ، ويتصدر الرُّويبضة ، ويظن بعضهم أن كرسياً قد يصل إليه ، أو ميداناً يعتصم به ، قد يصنع منه رجلاً ، وهذا أبداً لن يكون ، فالحقيقة التي تغيب عن الصغار ، أن الكراسي أو الميادين لا تصنع أبداً رجالاً ، إنما الرجال هي التي تصنع الكراسي وتصنع الميادين.
في هذه الأحداث والأيام التي ما يزال كثيرٌ من جذور الدولة العميقة وأوتادها وأوغادها يتصدرون المشهد ، ويمتلكون محاور التنفيذ ، وماتزال مفاصل الدولة تئنُّ من جيف نتنهم ، وخبث نياتهم ، وسوء أعمالهم ، فمنهم المضلل لشعبه ، ومنهم المعطِّل لمصالح وطنه ، ومنهم المريد لأن يحرق البلاد والعباد ، ومنهم الثائر دوماً وعلى أيِّ شيءٍ طالما عارض مصلحته حتى ولوكان الحقَّ والعدلَ والتحريرَ ، ومنهم من يروِّجُ الشائعات ، ومنهم من يجتهد في خبثٍ لتدوير البلاد في حلقاتٍ مفرغةٍ ، وإجهاداتٍ مخفقةٍ ، وعملياتٍ مقلقةٍ.
في خضمِّ الأحداث يتراءى لبعض الفئات أنهم فوق القانون والدستور والرئيس والدولة ، يهيءُ لهم شيطانهم أنهم غير البشر ، وأن أحداً مهما كان لا يستطيع محاسبتهم أوإقصائهم عن كراسيهم  التي وضعهم ديكتاتورهم عليها ، توهموا أن الكراسي قد تصنع يوماً رجالاً، ونسوا أن الرجال مواقف وقيم وأخلاق ، وأن الرجولة مكتسباتٌ قيميَّةٌ وتربويَّةٌ وبيئيَّةٌ تتأصَّل في الشخص منذ نعومة أظفاره.
الرجولة لسيت رعونة أو سخونة ، ولا هي تقعُّرٌ بالكلام أو وجاهةٌ وهندامٌ ، ولا هي صلابةٌ في العظام ولا طولٌ في اللسان ، إنما الرجولة كما تعلمناها احترامٌ للنفس بين الأنام .
الرجولة ليست صلابة في الرأي ولو كان باطلاً ، بل حبٌ للحق ولوكان مرَّاً.
الرجولة ليست في الحصول على كل ما تستطيع من أفواه الخلائق ، إنما الرجولة تعالٍ عن النقائص ، وزهدٌ وعفةٌ وعيشٌ من حلالٍ ولو لقمة بلا أدامٍ وماءٌ رائق.
الرجولة ليست فقط في القيادة والريادة ، إنما الرجولة أن تكون كلُّ سكنات الفرد وحركاته عبادة.
الرجولة ليست أن تكون سيداً للناس ، إنما الرجولة أن تحقق  في نفسك العبودية لرب الناس.
الرجولة ليست طلب العلا ولو كان بالسير في الأوحال ، إنما الرجولة أن تعلو غاياتك وتسمو وسائلك في كل الأحوال.
الرجولة لا تُستمدُّ من علوِّ المقام الذي وصل الفردُ إليه ، إنما الرجولة أن يفخر المكانُ بالرجلِ الذي يجلس عليه.
الرجولة ليست الشجاعة والإقدام وعدم الخوف من أيِّ شيءٍ كان ، إنما الرجولة أن تخاف يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار في حضرة الملك الديَّان.
الرجولة ليست امتلاك الدنيا وانحيازها إليك ، إنما الرجولة أن تجد في الجنة موضعاً لقدميك.
طلَّاب الدنيا لا يمكن لهم أن يتركوها ويُستَعصى أن تجد بينهم رجالاً ، ولن يكونوا رجالاً إلا إذا تركوها وأصبحوا من طلَّاب الآخرة وتكون دنياهم وسيلة فقط لطلب الآخرة.
بقلم دكتور/ الغباشي الشرنوبي العطوي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*