الأحد , 19 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

رسالة الأسبوع : الإمام البنا وقضايا الأمة

رسالة من: أ. د. محمد بديع المرشد العام للإخوان المسلمين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ومَن والاه.

ها هي ذي الأيام تمضي، والسنون تتعاقب، وتحمل في طيَّاتها من الأحداث والمحن التي ظنَّها أعداء الله أنها ماحقة حالقة؛ لكنها ما زادت الإخوان إلا ثباتًا على مبادئهم، وإيمانًا بدعوتهم، واستمرارًا في بذلهم وعطائهم من أجل دينهم وفكرتهم ووطنهم، غير ناظرين إلى دنيا يصيبونها أو مغانم يرزقونها، مترسمين خُطى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

مع المسيرة المباركة لا تزال الراية في القلوب خفَّاقة، وفي الأعناق أمانة، وفي السلوك التزام، وفي العمل قربة وجهاد.

وأشد ما يفرح العاملون الصادقون المتمسكون أن ترتفع هذه الراية لتظلهم، وتؤمِّن مسيرتهم ضد مَن يتربصون بالإسلام والمسلمين, فيحاولون إجهاض كل عملٍ إسلامي بنَّاء, وحتى يطمئن الجميع سيما مَن في قلوبهم وجلٌ من دعوة الإخوان المسلمين، نسوق إليهم فِكْرَ الإمام البنا ومواقفه من قضايا الأمة، والتي شغلت الكُتَّاب والمفكرين والعاملين على مدى العقود الثمانية الماضية, فقد انشغل البنا بقضايا العالم الإسلامي والأمة الإسلامية في الداخل والخارج، وبخاصة القضية الفلسطينية التي حظيت من الإمام الشهيد باهتمامٍ بالغٍ حتى لا تُذكر فلسطين إلا ويُذكر معها الإخوان المسلمون.

وقد عبَّر الإمام البنا عن ذلك بقوله: “فلسطين تحتل في نفوسنا موضعًا روحيًّا وقدسيًا فوق المعنى الوطني المجرد، إذ تهب علينا منها نسمات بيت المقدس المباركة وبركات النبيين والصدِّيقين ومهد المسيح عليه السلام، وفي كل ذلك ما ينعش النفوس ويُغذي الأرواح”.

وقضية فلسطين لدى الإمام الشهيد في المقام الأول هي قضية الإسلام وأهله، كما قال: “قلب أوطاننا، وفلذة كبد أرضنا، وخلاصة رأسمالنا، وحجر الزاوية في جامعتنا ووحدتنا، وعليها يتوقف عز الإسلام وخذلانه”.

لقد جعل البنا من القضية الفلسطينية قضية العروبة والإسلام في القرن العشرين؛ فقد شارك الإخوان في الجهاد في فلسطين منذ الثلاثينيات، ففي عام 1935م اتصل البنا بالمجاهد “عز الدين القسَّام”، وفي عام 1936م وجَّه نداءً حارًّا عامًّا للإخوان المسلمين للتبرع وجمع المال لدعم المجاهدين أثناء الانتفاضة الكبرى في فلسطين, كما تمَّ عقد مؤتمر عربي حاشد من أجل فلسطين بالمركز العام للإخوان المسلمين بمصر عام 1938م، شارك فيه زعماء العالم العربي، وفي عام 1947م واستجابةً لنداء الإخوان تشكَّلت هيئة من مختلف القوى السياسية في مصر هي “هيئة وادي النيل لإنقاذ القدس”.

كما شارك الإخوان في الجهاد، وأرسلوا كتائبهم بعد قرار التقسيم عام 1947م، وكانت لهم صولات وجولات شَهِدَ بها العالم أجمع، وسطَّروا بدماء شهدائهم ملامح البطولة مع إخوانهم في فلسطين، والذي لحق بهم الإمام البنا شهيدًا عام 1949م.

البنا والوطنية

يرى الإمام البنا أن الوطنية بمعنى حب البلد والحنين إليه، والعمل لتحريره وتقويته، وتقوية الرابطة بين أفراده بما يعود بالخير عليهم، فكرة صائبة يُقرها الإسلام، ومن ثمَّ فنحن نؤمن بها ونعمل لها، كما يذكر الإمام البنا أن الإخوان المسلمين أشدُّ الناس إخلاصًا لأوطانهم وتفانيًا في خدمتها، وأن أساس الوطنية عندهم هي العقيدة التي هي فوق كل اعتبار.

وفي رسالة إلى الشباب يُذكِّر البنا أن الإخوان يعملون لوطنهم مصر، ويجاهدون في سبيله، ويفنون في هذا الجهاد؛ لأن مصر من أرض الإسلام وزعيمة أممه، وأن هذه هي الحلقة الأولى في سلسلة النهضة المنشودة، وأنها جزء من الوطن العربي العام، وأننا حين نعمل لمصر نعمل للعروبة وللشرق وللإسلام، ومن ثَمَّ فإن هذا الموقف من الوطنية الذي تبنَّاه الإمام البنا يربِّي في الفرد شعور الانتماء إلى مصر والإحساس بالمسئولية تجاهها، ويبعث على العمل لتحررها ورقيها، وفي نفس الوقت يُوسِّع أفق الوطن، باعتبار أن مصر هي الحلقة الأولى من حلقات النهضة.

البنا والوحدة العربية

يوضح الإمام البنا أن العروبةَ لها في دعوة الإخوان مكانٌ بارزٌ، فالعرب هم أمة الإسلام الأولى، والإسلام نشأ عربيًّا، ووصل إلى الأمم عن طريق العرب، وجاء كتابه الكريم بلسانٍ عربي مبين، وتوحَّدت الأمم باسمه على هذا اللسان، فالعرب هم عصبة الإسلام، وحذَّّر الإمام من سلخ مصر عن العروبة، مبينًا أن التمسك بالعروبة والقومية العربية يجعل مصر أمةً تمتد جذورها من الخليج الفارسي إلى المحيط الأطلسي.

وأوضح البنا أن وحدة العرب أمرٌ لا بدَّ منه لإعادة دولة الإسلام ومجده، وأنه يجب على كل مسلم أن يعمل لإحياء الوحدة العربية وتأييدها ومناصرتها، وأنه دون اجتمـاع كلمة الشعوب العربية ونهضتها لن ينهض الإسلام، ويقول: “والجامعة العربية في وضعها الصحيح الذي يجعلها جامعة حقيقية تضم كل عربي على وجه الأرض في المشرق والمغرب، وتستطيع أن تقول كلمتها فيحترم هذه الكلمة العرب وغير العرب، هذه الجامعة العربية من واجبنا أن نعمل على تقويتها وتدعيمها، ومن حقنا أن يعترف الناس بها، وأن يقدِّروها قدرها، وأن يؤمنوا بأنها حين تقوى وتعز ستكون من أقوى دعائم الإسلام العالمي”.

ولقد تبنَّى الإخوان قضايا العالم العربي جميعًا، وخاصة قضية تحرير الدول العربية من الاستعمار الغربي، وقضية الوحدة العربية، وامتلأت كل رسائلهم وصحفهم بأخبار العالم العربي والدفاع عن قضاياه والتوعية بأوضاعه السياسية والعسكرية، ولا شك أن دخولهم الفعلي في حرب فلسطين عام 1948م هو أكبر دليل واقعي على مدى سيطرة هذا الشعور العربي بالمضمون الإسلامي على الإخوان الذين تطوَّعوا للجهاد في فلسطين.

البنا وقضية المرأة

عنى الإمام البنا بالمرأة عنايةً كبيرةً؛ فقد أدرك منذ البداية أهمية دور المرأة والطاقات الاجتماعية الهائلة للنساء، وقد تجلَّى ذلك بوضوح في حرصه على إنشاء مدرسة “الأخوات المسلمات” التي لم تقتصر على تقديم التعليم العام للفتيات، وإنما اهتمت إلى جانب ذلك بتربيتهن على القيم والأخلاق الإسلامية، وتعتبر تلك التجربة أول محاولة جادة في الوطن العربي- في العصر الحديث- للنهوض بالمرأة، وتنميتها فكريًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا؛ للمشاركة في الحياة الاجتماعية والسياسية لأمتها.

يقول الإمام البنا في (رسالة المرأة المسلمة): “والإسلام جعل المرأة شريكة الرجل في الحقوق والواجبات، إذْ هي كفء الرجل في إنسانيته ومساوية له في القدر، وأنه اعترافٌ لها بحقوقها الشخصية كاملةً وبحقوقها المدنية كاملةً، وبحقوقها السياسية كاملةً أيضًا، وعاملها على أنها إنسان كامل الإنسانية له حق وعليه واجب”.

البنا والأقباط

تناول الإمام البنا في أكثر من رسالة وخطاب الموقف من الأقليات، وخاصةً الأقباط، فيقول في رسالة (دعوتنا): “إن الإسلام دين الوحدة ودين المساواة، وأنه كفل هذه الروابط بين الجميع ما داموا متعاونين ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ ولَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ (8)﴾ (الممتحنة)، فمن أين يأتي التفريق إذن؟

وفي رسالة (نحو النور) يقول: “إن الإسلام يحمي الأقليات عن طريق: أنه قدَّس الوحدة الإنسانية العامة والوحدة الدينية العامة بأن فرض على المؤمنين به الإيمان بكل الرسالات السابقة، ثم قدَّس الوحدة الدينية الخاصة في غير تعدٍّ ولا كبر، ويقول إن هذا هو (مزاج الإسلام المعتدل) لا يكون سببًا في تمزيق وحدة متصلة، بل يُكسب هذه الوحدة صفةَ القداسة الدينية، بعد أن كانت تستمد قوتها من نصٍّ مدني فقط”.

كما أوصى في رسالةٍ إلى الشباب بإنصاف الأقباط وحسن معاملتهم بقوله: “لهم ما لنا وعليهم ما علينا”؛ فلا ندعو إلى فرقة عنصرية ولا إلى عصبية طائفية.

البنا والنظام الاقتصادي

دعا الإمام البنا إلى الاستقلال الاقتصادي عن السيطرة الأجنبية والنهوض بالاقتصاد الوطني، ونادى بكثيرٍ من المطالب التي تُحقق ذلك مثل تشجيع الصناعات اليدوية، والتحول إلى الصناعة بجانب الزراعة، وإرشاد الشعوب الإسلامية إلى التقليل من الكماليات، والعناية بالمشروعات الوطنية.

وقد تجاوز الإخوان الدعوة النظرية إلى النهوض والاستقلال الاقتصادي؛ فدعوا إلى مقاطعة البضائع والمحلات والشركات الأجنبية، وقاموا بتأسيس العديد من الشركات الاقتصادية المساهمة، كما تبنُّوا مطالب العمال وحقوقهم في صحافتهم وكتبهم.

البنا والنظام الدستوري

يقول الإمام البنا في (رسالة المؤتمر الخامس): “إن طبيعة الإسلام التي تساير العصور والأمم، وتتسع لكل الأغراض والمطالب، لا تأبى أبدًا الاستفادة من كل نظامٍ صالحٍ لا يتعارض مع قواعده الكلية وأصوله العامة”، ولقد طبَّق الإمام البنا هذا المنهج على الموقف من النظام النيابي والدستوري الذي تبلور في تجارب الديمقراطيات الغربية، فقال في (رسالة نحو النور): “إنه ليس في قواعد هذا النظام النيابي الذي نقلناه عن أوروبا ما يتنافى مع القواعد التي وصفها الإسلام لنظام الحكم، وهو بهذا الاعتبار ليس بعيدًا عن النظام الإسلامي ولا غريبًا عنه”.

فالمبادئ والمقاصد التي جاء بها الإسلام في سياسة الأمة والدولة يمكن أن تحققها “النظم المدنية” “والتجارب الإنسانية” التي هي إبداع إنساني، والمعيار في القبول والرفض هو مدى تحقيق هذه النظم لمقاصد الإسلام في إشراك الأمة في سلطة صنع القرارات وفي تحقيق العدل بين الناس.

هذا هو الإمام الشهيد حسن البنا الذي عاش قضايا أمته بروحه ووجدانه وفكره وعقله، ولا يزال الإخوان المسلمون سائرين على دربه، متمسكين بتلك المبادئ والثوابت القائمة على الكتاب والسنة، وكذلك كانت مواقفه الواضحة من قضايا أمته التي عاش لها، واستُشهد من أجلها، ولقد عرَّف الإمام البنا نفسه في كلماتٍ جامعة عندما سُئِلَ مَن أنت فكان جوابه: أنا سائح يطلب الحقيقة، وإنسان يبحث عن مدلول الإنسانية بين الناس، ومواطن يُنشد لوطنه الكرامة والحرية والاستقرار والحياة الطيبة في ظلِّ الإسلام الحنيف، ومتجرد أدرك سر وجوده؛ فنادى ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيَايَ ومَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ (163)﴾ (الأنعام).