السبت , 18 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

الإخوان المسلمون بمصر منظمة مدنية خالصة بقلم د. عبد المنعم أبو الفتوح

حين وصف الأستاذ البنا جماعة الإخوان بأنها (دعوةٌ سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية، ورابطة علمية).. قصد في وصفه هذا إلى أن يُضفي على الجماعة الطابع المدني الخالص في كل مجالات وجودها ونشاطها.

في المجال الدعوي كان حريصًا على دقة التوصيف بأن الجماعة طريقةٌ سنيةٌ، وحقيقةٌ صوفيةٌ، ودعوةٌ سلفيةٌ، وهي الخطوط التي يتحرك فيها المسلم الملتزم والأخ العامل؛ الذي يرجو الله واليوم الآخر في إقامته للفروض واتباعه للسنن.

وفي المجال المجتمعي وصف الجماعة بالأوصاف السابقة، التي تشير كلها إلى الطبيعة المدنية الكاملة لجماعة الإخوان، سواء في ممارسه السياسة، والتي هي جزءٌ أساسيٌّ من الفهم الشامل للدين الخاتم (وأريد أن أفرق بين الممارسة السياسية والممارسة الحزبية) أو العمل الاجتماعي؛ بمكوناته الاقتصادية والعلمية التربوية، وأيضًا النشاط الرياضي والأنشطة الكشفية والجوالة.

في منتصف الثلاثينيات كانت البلاد العربية والإسلامية ترزح تحت الاحتلال الإنجليزي والفرنسي، وكانت حركات المقاومة السلمية والمسلَّحة ضد هذا الاحتلال نشطةً في كل مكان، وكانت مصر مليئةً بالقوى الوطنية المخلصة التي تناهض الاحتلال الإنجليزي وتقاومه بالسلاح، ولم تكن هناك قوةٌ وطنيةٌ أو سياسيةٌ إلا ولها نشاطٌ في الأعمال الفدائية وأعمال المقاومة، وكلنا نذكر نشاط “مصر الفتاة” و”حزب الوفد” صاحبَي القمصان الزرقاء والخضراء، ولما كانت جماعة الإخوان من أكبر القوى الوطنية وأكثرها حضورًا في الحياة السياسية، كان طبيعيًّا أن يكون لها نصيبُها أيضًا من العمل الفدائي ضد الاحتلال ومن يعاونه، بل وزاد الأمر خطورةً الهجرات المنتظمة للجماعات الصهيونية لاغتصاب وطنٍ بأكمله من الأوطان الإسلامية، والذي يمثل في نفس الوقت قيمةً دفاعيةً وإستراتيجيةً عظيمةً لمصر، فكان لا بد من تشكيل جهاز عسكري فدائي لطرد الاحتلال البريطاني وللمساعدة في إنقاذ فلسطين من الاغتصاب.

وكان الأستاذ البنا حريصًا حرصًا كاملاً على أن يجعل هذا الجهاز (حالةً) خاصةً منفصلةً عن الجماعة الأم في كل شيء، إلى حدِّ أنه سمَّاه “الجهاز الخاص”، في إشارةٍ إلى أنه حالةٌ استثنائيةٌ خاصةٌ عن الخط العام للجماعة الذي هو مدنيٌّ بطبيعته، سلميٌّ في أدواته وأهدافه، وفي كل تشكيلاته وتكويناته، وفي ثقافته وآليات عمله التي تختلف عن ثقافة وآليات التنظيم الخاص (العسكري) والسرِّي بطبيعته، بينما الجماعة مدنيةٌ علنيةٌ بطبيعتها.

وقد حرص البنا رحمه الله على أن يكتب في مقدمة رسالة “التعاليم” أن هذه الرسالة هي لفئة محدودة من الإخوان، وليست لكل الإخوان.

وقد اطلعت بنفسي على هذه المقدمة التي كتبها لهذه الرسالة، والتي يذكر فيها بوضوح أنها لفئة خاصة وليست لكل الإخوان: “هذه رسالتي إلى الإخوان المجاهدين من الإخوان المسلمين..”، ثم يستطرد: “.. أما غير هؤلاء فلهم دروسٌ ومحاضراتٌ، وكتبٌ ومقالاتٌ، ومظاهرُ وإدارياتٌ، ولكل وجهةٌ هو موليها فاستبقوا الخيرات”.

ويحكي المؤرخون أن هذا الجهاز كان يتلقَّى تدريباته في صحراء القاهرة، بمعرفة ضباط الجيش المصري الوطنيين، وكانت الأسلحة يتمُّ الحصول عليها عن طريقهم في أغلب الأحوال، ويحفظ التاريخ لهذا الجهاز جهاده وبذله في فلسطين وفي القناة، رغم وقوع أخطاء من بعض أفراده.

ولما تولَّى المستشار حسن الهضيبي مسئولية الجماعة كان يعلم من الأستاذ البنا أن الحاجة إلى الجهاز الخاص قد انتفت بعد هزيمة 48، كما أن وجود الاحتلال البريطاني في الشرق الأوسط بات مسألة سنوات معدودة، بعد جراح الحرب العالمية الثانية، وكانت بعض الأخطاء التي صدرت من الجهاز الخاص قد أزعجت الأستاذ البنا كثيرًا، وأكدت له ضرورة الانتهاء التدريجي من وجوده، وهو ما حفظه المستشار الهضيبي جيدًا، وكان من أوائل القرارات التي اتخذها نقل مسئولية الجهاز من شخص إلى آخر (السندي إلى طلعت)؛ تمهيدًا لإلغائه تمامًا؛ استنادًا إلى ما عرفه هو شخصيًّا من الأستاذ البنا، واستنادًا أيضًا لما عرفه من طبيعة الأمور بعد توليه مسئولية الجماعة.

ثم حدث ما لم يكن يتمناه أحد من صدام بين الإخوان والثورة، وانتهت الأمور إلى ما انتهت إليه من سجون وإعدامات، طالت الكثير من جموع الإخوان على مدار عقدين كاملين.

بمجيء السبعينيات تكون الجماعة قد فتحت صفحةً جديدةً في تاريخها بعد التاريخ الأول، الذي كان به بعض الاستثناءات والحالات الخاصة مما أملته الظروف التاريخية وقتها، والتحمت الأجيال مكونةً حالةً فريدةً من حالات التلاقي بين القديم والجديد على العهد الدائم بالوفاء للدعوة ورسالتها.

لم تعرف جماعة الإخوان إذن في تكوينها الأول وتأسيسها المبدئي أي شكل من أشكال العسكرة أو العنف، ولو شاء الأستاذ البنا لفعل، وقد كانت الحالة الوطنية العامة تسمح بذلك وتبرر ذلك، وما كان لأحد أن يلومه على ذلك في بلد محتل ومهدَّد من حدوده الشرقية بعدوٍّ مغتصبٍ، والتاريخ يقول إن هذه البوابة هي بوابة الغزاة، ولو أراد الأستاذ البنا أن يشير إلى أن التكوين العسكري جزءٌ لا يتجزَّأ من الجماعة لقال في توصيفها ضمن ما قال إنها “كتيبة جهادية” كما هي رابطة علمية وحقيقة سنية.. إلى آخر التوصيفات السابقة.

لذلك يجب أن يعلم الجميع أن جماعة الإخوان جماعة مدنية تتحرَّى العمل السلمي الاجتماعي في كل المجالات، أهدافًا وغاياتٍ، وتلتزم في رؤيتها للعمل الإصلاحي بمنهج أهل السنة والجماعة الذي أقرَّه وأثبته علماء الأمة ورجالاتها الكبار، بدءًا من إمام التابعين الحسن البصري- وموقفه مع الحجاج الثقفي معروف- وانتهاءً بإمامنا الشهيد حسن البنا، رضي الله عنهم أجمعين، وجمعنا وإياهم مع النبيين والصديقيين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

ورغم أنه لحق بالجماعة بعض ثقافات العمل لدى التنظيم العسكري السري، وتسرَّبت إلى مناهج التربية والتثقيف داخل الجماعة؛ فإن الجماعة- ومن خلال مرجعيتها الفكرية والحركية- تسعى إلى وضوح الطابع المدني الخالص في هذه المناهج وآليات العمل؛ وذلك لكون ثقافة آليات العمل العسكري تختلف عن ثقافة وآليات العمل المدني والخلط بينهما يؤدي إلى الإرباك وسوء الأداء، وتفصيل ذلك يحتاج إلى مزيد شرح، ولكني أردت بهذه العجالة أن أردَّ على من يدَّعي على بعض منا رغبته في عسكرة الجماعة