الخميس , 23 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

أثر المكان فى تطور دعوة الإخوان … بقلم مدحت بهجت

لم يبدأ حسن البنا دعوته فى الإسماعيلية عندما وصلها لأول مرة يوم الأثنين16-9-1927م ؛ إنما كان يضع لها اللمسات الأخيرة ، هذه حقيقة ولكنها تحتاج الى مزيد بيان.

مارس حسن البنا الدعوة “الجماعية” صغيرًا ، منذ أن كان تلميذًا بالمرحلة الإعدادية بالمحمودية ، من خلال جمعية الأخلاق الأدبية ، والتى وضع فكرتها أستاذه محمد أفندى عبد الخالق مدرس الحساب والرياضة ، وحيث كان الزاد الذى حصله البنا من أستاذه الأول محمد محمد زهران صاحب مدرسة الرشاد – له الفضل فى تطلع الأنظار الى هذا التلميذ النجيب ليكون رئيسًا لمجلس إدارة هذه الجمعية الطلابية ، ومع ذلك فإن هذه الجمعية لم تستوعب كل طاقات الداعى الصغير ، فأنشأ فى نفس الوقت جمعية أخرى تمارس الدعوة بين الكبار خارج المدرسة ، فكانت جمعية “منع المحرمات” . كل ذلك كان فى المحمودية ، وهى قرية صغيرة فى ذلك الوقت.

غير أن انتقال البنا إلى دمنهور وعمره أربعة عشر عامًا لمدة ثلاث سنوات ( الفترة من عام 1920 حتى عام 1923) ليلتحق بمدرسة المعلمين حيث وجد هناك “مصيبة” أخرى لم يكن يعرفها فى المحمودية ، وهى وجود التبشير حيث تنتشر مستوصفات ( السبع بنات ) فى المدن ، لتمارس التنصير من خلال الخدمات الصحية والمساعدات البسيطة ، مستغلة حالة الفقر والجهل التى كان المصريون ينعمون بهما !
وهنا تحركت الغيرة فى نفس الداعية الذى كان يخطو أولى خطوات الشباب ، فأسس بالاشتراك مع صديق عمره أحمد السكرى “الجمعية الخيرية الحصافية لمقاومة التبشير” . فى الوقت نفسه كان البنا مستغرقًا فى العبادة والتصوف وتحصيل العلم خارج المنهج الدراسى فى ظل رعاية أساتذته الذين تنبئوا له بمستقبل عريض ، وخاصة أستاذه عبد العزيز عطية ناظر مدرسة المعلمين ، والذى صار من تلاميذ الإمام البنا فى الدعوة بعد ذلك، كل ذلك لم يمنع البنا من المشاركة فى الحركة الوطنية وقيادة مظاهرات وإضرابات الطلبة فى الفترة التى أعقبت ثورة 1919.

المحمودية – دمنهور….. ثم القاهرة

وبعد ثلاث سنوات ومع انتهاء البنا من دراسته فى مدرسة المعلمين ومن ثم انتقاله إلى القاهرة ليلتحق بكلية دار العلوم ( الفترة من عام 23 –1927 ) حيث كانت القاهرة تموج بالصراع بين “القديم والجديد” أو بين تيار إسلامى ضعيف منقسم وتيارات تغريبية متعددة ومتناقضة ، غير أن القاسم الوحيد الذى يجمع بينها هو استبعاد الإسلام من الحياة ، وزاد على ذلك إعلان دستور 1923 وانغماس الحركة الوطنية فى اللعبة السياسية وتحولها الى أحزاب متصارعة على حساب القضيةالأصلية ، وهى جلاء الإنجليز وتحقيق الإستقلال !

وهكذا كلما انتقل البنا من مكان الى آخر وجد أن المصيبة تتفاقم وأن الإسلام يواجه حربًا بلا هوادة ، وقد غاب الحارس الأمين سواء من العلماء والمفكرين أو من الدولةالتى تبنت العلمانية دينًا ومذهبًا ! رغم ما كان يلمسه البنا من حب دفين للدين فى قلوب المصريين .
أخذ البنا – الطالب فى دار العلوم – يتنقل بين المقاهى فى أحشاء القاهرة ، يفاجئ الناس بمواعظ أعد موضوعاتها بعناية ، ولايرهقهم بالإطالة ، وقد أدرك المجهود الضخم الذى لابد أن يبذل ليستعيد مكانة الإسلام الحقيقية على مسرح الحياة ، بعد أن تردد على العلماء والمفكرين أمثال الشيخ رشيد رضا ، ومحمد فريد وجدى ، ومصطفى المراغى ، وعبد الوهاب النجار ، ويوسف الدجوى ، وغيرهم …. وقد استطاع أن يجمع هذه الكوكبة من العلماء ربما لأول مرة فى بيت أحمد تيمور باشا ، وقد أثمر ذلك الاجتماع عن إنشاء لجنةلمناظرة المبشرين ، والتى أصبحت نواة قسم الوعظ والإرشاد بالأزهر بعد ذلك ، وكذلك إنشاء مجلة “الفتح” ، وكان ذروة الأمر إنشاء “جمعية الشبان المسلمين” عام 1927 . وكلها كانت وسائل فاعلة ، لكنها لم تكن كافية لمواجهة الداء الذى استفحل ! حتى أتم البنا دراسته ليعين بعدها فى الإسماعيلية مدرسًا فى المدرسة الإعدادية الوحيدة فى هذه المدينة البعيدة عن العاصمة !! .

وَحيُ الإسماعيلية

لم يتصور حسن البنا أن يكون هناك ماهو أسوأ ، بعد الذى رآه فى القاهرة ، وأن تستمر حالة الغربة التى تزداد كلما انتقل من بلد إلى آخر ، وهو مازال فى البلاد المصرية لم يغادرها ، وكانت الأوضاع فى الإسماعيلية هى المفاجأة التى لم يتوقعها البنا ، مما دعاه أن يطلق على هذه الحالة “وحى الإسماعيلية” ، ويقصد بها الاستعمار العسكرى متمثلاً فى معسكرات الجيش الإنجليزى الممتدة على طول القناة ، والاستعمار الاقتصادى متمثلاً فى شركة قناة السويس المملوكة بالكامل للأجانب ، والتى يذهب خيرها الى الخارج!!

كانت الإسماعيلية مستوطنة أجنبية بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ ؛ ليس للحكومة المصرية فيها أمر ولا نهي . صحيح أن مصر كلها كانت محتلة من قبل الإنجليز منذ العام 1882 ؛ إلا أن الإسماعيلية بالذات والتى ارتبط نشأتها بافتتاح قناة السويس عام 1869 كانت طرازًا عجيبًا !! فالحكمدار الذى يحكم المدينه تعينه شركة قناة السويس ويتبع محافظ القنال الأنجليزى ، وشركة القناه هى المسؤلة عن جميع المرافق والخدمات فى المدينة ، حتى الإجازة التى هى يوم الجمعة فى كل أنحاء مصر تحولت فى الإسماعيلية إلى يوم الأحد ، فضلاً عن الذوق الأوربى فى المساكن والفيلات المتناثرة بين حدائق الإسماعلية الغناء ، والتى تم استيراد أخشابها خصيصا من فرنسا !

عرايشية العبيد

كانت المقابلة بين حالة الفقر التى يعيشها المصريون وحالة الترف التى ينعم بها السادة الأجانب دافعًا لمزيد من التأمل فى الحالة المزرية التى وصل إليها المصريون فى بلادهم ، فشارع “الثلاثينى” فى المدينة يفصل بين حيين أو عالمين ؛ “حى العرب” ببيوته المتواضعه وشوارعه المظلمة والمحرومة من مياه الشرب والمجارى والخدمات ، “وحى الإفرنج” الراقى الذى لايستطيع المصرى أن يسير فيه مجرد السير إلا إذ كان يؤدى خدمة للسيد الأجنبى !!.
ليس هذا فحسب ، بل كان شارع فاروق – حيث تقع مدرسة “التهذيب” أول كيان أنشأته الدعوة بعد تأسيسها – يفصل هو الآخر بين “حى العرب” وحى آخر يطلق عليه “عرايشية العبيد” “منشية الشهداء الآن” ، وياله من اسم يوجع الضمائر الحية ، ومع ذلك يتنادى الناس بهذا الاسم بلا تحفظ “عرايشية العبيد” !، يعيش الناس فيه فى أكواخ من الصفيح بلا ماء ولاكهرباء ولا شوارع ولا أى خدمات ، كانوا بقايا العمال البؤساء الذين حفروا القناة بأظافرهم بعد أن مات منهم 125 ألف مصرى بائس خلال السنوات العشر التى حفرت فيها القناة ، ودفنوا فى أماكنهم بلا غسل ولا تكفين !!!

في هذه الأثناء ، لفت نظر المدرس الشاب أن الشوارع تحمل أسماءا أجنبية ، فهذا شارع “ديلسبس” و”أوجينى” و”شمبليون” و”جومار “و”نجرللى” و”ليسيو” مكتوبة باللغة الفرنسية وحدها ، حتى شارع الجامع العباسى مكتوب بالفرنسة فقط !!

إضافة الى الكنائس الضخمة لكل المذاهب والمنتشرة فى الأحياء الراقية ما بين الحى الإفرنجى ومنطقة نمرة ستة وحدائق الملاحة مقابل المسجد الوحيد “العباسى ” والذى يعانى من تواضع البناء وانقسام الناس إلى فريقين ، كل منهما يتبع شيخا ويحارب الآخر !

دعوة الإخوان : موسى الذى تربى فى قصر فرعون

يذكر البنا فى مذكرات الدعوة والداعية مواقف تبين حالة الكبر والاستعلاء التى استولت على الأجانب فى مواجهة أبناء البلد المغلوبين على أمرهم فيها، منها أن “مسيو سولنت” كبير المهندسين بشركة القناة استدعى الأخ حافظ عبد الحميد النجار أحد الستة الذين بايعوا وأنشأوا هذه الدعوة المباركة لينجز له بعض أعمال النجارة ، ولم يعجبه السعر فلم يتردد “سولنت” هذا أن يهين ذلك النجار الغلبان واصفًا إياه أنه حرامي ، وهى كلمة لاتستدعى الغضب من أولاد البلد لأنها أقل ما يسمعه من إهانات السادة الأجانب الذين يتحكمون فى كل شئ ، وعلى رأى ابراهيم عبد الهادى باشا رئيس الوزراء وهو يحذر جمال عبد الناصر عام 49 : لو أن أجريجيا ببنطلون مزيت حدث له مكروه فى البلد لقامت الدنيا ولم تقعد !!

ولم يكن لحافظ عبد الحميد الذى لامست قلبه دعوة الإخوان أن يفكر بطريقة كبار رجال الأحزاب فى ذلك الوقت ويرضى أو يسكت ، وإنما لقن “سولنت” درسًا بليغا فى الأدب وعزة المسلم الذى لايسكت على ضيم ويجبره على الاعتذار بعد أن كان يرفض بل ويتمادى فى غروره ، رافضا حتى لو كان هذا الاعتذار للملك فؤاد شخصيًا !! إلا أنه فى النهاية اضطر للاعتذار ربما لأول مرة فى حياته بعد أن اعترف أنه يتحدث إلى “أفوكاتو” وليس نجارًا .
كما سبق أن أقرت شركة جباسات البلاح التى يديرها الأجانب أن الشيخ محمد فرغلى إمام مسجد الشركة المنتدب من جمعية الإخوان جنرالا وليس مجرد شيخ وتفاصيل الواقعة وغيرها فى مذكرات الدعوة والداعية لمن أراد المزيد !!

كانت الإسماعيلية هى أبعد مكان يمكن أن يتخيل إنسان أن تقوم فيه دعوة تعيد الأسلام إلى مسرح الأحداث بقوة بعد أربع سنوات فقط من إلغاء الخلافة لأول مرة فى تاريخ المسلمين !! فكانت دعوة الإخوان بحق – كما وصفها محمد عبد الحميد أحمد ، أول طالب فى جماعة الإخوان – أشبه بموسى الذى تربى فى قصر فرعون ، ومع النجاح الذى حققته الدعوة فى عامها الأول إلا أن البنا ظل يبحث عن بيئة أخرى قد تكون أكثر مناسبة يحقق فيها الدعوة كما يتخيلها والتى أشار إليها فى مقدمة خطابه أمام المؤتمر الخامس – أنها كانت فكرة فى نفوس أربعة فقط !

اليمن أم السعودية؟!

وهكذا كلما انتقل من المحمودية حيث التدين الفطرى والمخالفات البسيطة ، ثم إلى دمنهور حيث يقف على خطر خارجى يهدد أصل العقيدة من خلال التنصير ، ثم إلى القاهرة حيث معسكر الإلحاد والإباحية والتحلل من كل القيم والمثل العليا هوالمسيطر على الساحة وحده . والمشكلة الكبرى هى أن الهجمة فى القاهرة يشارك فيها أجانب ومصريون على السواء ، وكانت خاتمة المطاف فى الإسماعيلية بالحال التى ذكرناها إضافة إلى الانقسام البغيض بين النخب سواء الدينية أوالسياسية وحتى رجل الشارع العادى الذى فرقته الخلافات المذهبية والفرعية. كل ذلك دفع البنا الى تلمس مكان آخر أكثر نقاء تنطلق منه الدعوة ، ولذلك فكر فى الهجرة مرتين ؛ مرة إلى اليمن ، ومرة إلى السعودية ! وذلك موضوع الحلقة القادمة.
————————-

بقلم مدحت بهجت