السبت , 18 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

رسالة المرشد العام: في ذكرى الإمام الشَّهِيد حَسَن البَنَّا غَرْسُ حُبِّ الأَوْطَان

أ.د. محمد بديع المرشد العام للإخوان المسلمين

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، وبعد..


دماء الإمام الشَّهِيد تُذكِّرنا بالحُبِّ الصادق للأوطان: في مثل هذه الأيام من كل عام تُذكِّرنا دماء الإمام الشَّهِيد حَسَن البَنَّا، ببذل روحه في سبيل رفعة الوطن، وحُبِّه الصادق، والعمل على نهضته الدائمة، رغم أن الذي قتلته أيْدٍ مصرية آثمة تتبرَّأ مصر منها، وساعدها إرهاب مؤسسات فاسدة، وحمل جنازته النِّساء فقط بالقهر ورجل شُجاع مسيحي مصري واحد يذكره التاريخ ولا ينساه، ولم يسترد أولاده حقّهم الدنيوي حتى الآن، ولكن القيم التي غرسها والرجال الذين ربَّاهم لخير مصر والعالم يشهدون له، ويضيفون بإذن الله تعالى لحسناته الخير الكثير.


من أجل هذا تبقى هذه الأسس التي أحياها الإمام في الأمة: من مطاردة اليأس والإحباط، وغرس الأمل والتفاؤل، خاصة وهي تواجه المحن والشدائد؛ لتحقيق آمال الشعوب ونهضتها، خاصة وهي تواجه الكثير من الصعاب والفتن، ومن السعي إلى التَّقدُّم المنشود، وإقامة العدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، رغم كيد الخصوم، ومكر المتربِّصين ببلداننا، وكأنِّي بدماء الشَّهيد تقول لأبناء الأمة: إن النصرَ آتٍ لا ريب فيه بمقتضى سنن الله تعالى، فما أحوجنا اليوم قبل الغد، إلى أن نستلهم من العمل والإنتاج ما يحقِّق طموحات الشعوب التي تحتاج إلى الهمم الكبيرة والأنفس المخلصة.

تقديم الخير للوطن والدفع للإنتاج:
فقد أجمع المنصفون على أن الإمام البَنَّا خاض في البداية أكبر التحديات لتصحيح المفاهيم الخاطئة عن العلاقة بين الدين والسياسة التي غرسها الجهل والهوى؛ وذلك بالتصحيح والتصويب والتمسُّك بالقرآن والسنة، يقول تعالى: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) [المائدة: 49]، فجمَّع الأمة على النبع الصافي، رغم أنماط النفوس المختلفة، ووحَّد الصف رغم تباين المشاعر والإدراكات والأعمار والأوساط، وهو الأمر الذي يعمل الإخوان المسلمون دائمًا على تحقيقه في أبناء الأمة، من تجميع الشمل المُتفرِّق، وتوضيح الهدف الغائم، والمتمثل في بذل كل طاقاتهم ووسائلهم لتقديم الخير لأوطانهم، والدفع نحو العمل والإنتاج، يقول المفكر مالك بن نبي عن الإمام الشهيد: “وقد استمر على رأس جماعة الإخوان المسلمين عشرين سنةً، لم يَعِش فيها لغير الإسلام والحركة، ويكاد عمله يستغرق الليل والنهار، وهذه طاقة لا تتوفَّر إلا عند المُصْطَفَيْن الأَخْيَار”، وهكذا مضى الإمام وبقي ما غرسه في الأمة.


ومن غرس الإمام: الوطنية وخدمة المواطنين
في “رسالة المؤتمر الخامس” يقول الإمام البنَّا عن فريضة حب الوطن، والتفاني في خدمته: “إن الإسلام قد فرضها فريضة لازمة لا مناص منها: أن يعمل كل إنسان لخير بلده وأن يتفانى في خدمته، وأن يُقدِّم أكبر ما يستطيع من الخير للأمة التي يعيش فيها، فكل مسلم مفروض عليه أن يسدَّ الثغرة التي هو عليها، وأن يخدم الوطن الذي نشأ فيه، ومن هنا كان المسلم أعمق الناس وطنية, وأعظمهم نفعًا لمواطنيه؛ لأن ذلك مفروض عليه من رب العالمين”.


ومما غرسه الإمام الشَّهِيد من معاني الوطنية:
· معنى حب الوطن والتعلق به: فذلك أمر مركوز في فِطَر النفوس من جهة، مأمور به في الإسلام من جهة أخرى، ومن يُحبّ الوطن لا يُخرِّب أو يقتل أو يُدمِّر أو يُروِّع الآمنين أو يُثِير الفوضى أو يهدم البناء.


· ومعنى تقوية الرابطة بين أبناء الوطن الواحد: بأن يكونوا يدًا واحدة، في إيثار المصلحة العامة، والتعالي على المنافع الشخصية والمصالح الحزبية.
· ومعنى الوحدة الوطنية: أن جميع عناصر الأمة إنما هم نسيج واحد متساوون في الحقوق والواجبات، فالتعاون والتكافل وبناء الوطن ونهضته مسئوليتهم جميعًا، وواجب عليهم جميعًا بأمر الله عز وجل (وتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ والتَّقْوَى ولا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ والْعُدْوَانِ…) (المائدة: 2)، وليس معنى ذلك أن يكون الجميع قوالب واحدة، فذلك مُخالف لفطرة الناس، فالله عز وجل خلقهم على اختلاف في التفكير والعلم والقدرة والمواهب، ولكن لا بد أن يُوظَّف هذا الاختلاف والتنوع في التكامل والتسابق لإعمار الأرض وليس لإفسادها (ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ…) (البقرة: 148)، (ولا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إصْلاحِهَا وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ المُحْسِنِينَ) (الأعراف: 56).


تحذير الإمام من الوطنية الزائفة:
والتي يقول فيها الإمام، وكأنَّه يحذرنا اليوم، من مظاهر التَّهلكة، والمتمثلة في: “تقسيم الأمة إلى طوائف تتناحر وتتضاغن وتتراشق بالسّباب وتترامى بالتُّهم، ويكيد بعضها لبعض، وتتشيَّع لمناهج وضعية أملتها الأهواء وشكَّلتها الغايات والأغراض، وفسَّرتها الأفهام وفق المصالح الشخصية، والعدوُّ يستغل كل ذلك لمصلحته، ويزيد وقود هذه النار اشتعالاً، ويُفرِّقهم في الحق، ويجمعهم على الباطل، ويُحرِّم عليهم اتصال بعضهم ببعض وتعاون بعضهم مع بعض، ويُحِلّ لهم هذه الصلة به والالتفاف حوله، فلا يقصدون إلا داره، ولا يجتمعون إلا زوَّاره، فتلك وطنية زائفة لا خير فيها لدعاتها ولا للناس”.


ما أحوج مصرنا لمعاني الوطنية:
بمعنى الانتماء إلى مصر وحُبِّها، والعمل على النهوض بها، يتساءل الإمام: “فكيف لا نعمل لمصر ولخير مصر؟ وكيف لا ندافع عن مصر بكل ما نستطيع؟ وكيف يقال: إنَّ الإيمان بالمصرية لا يتفق مع ما يجب أن يدعو إليه رجل ينادي بالإسلام ويهتف بالإسلام! إننا نعتزّ بأنَّنا مخلصون لهذا الوطن الحبيب، عاملون له، مجاهدون في سبيل خيره، وسنظلُّ كذلك ما حيينا، معتقدين أن هذه هي الحَلْقة الأولى في سلسلة النَّهْضَة المنشودة، وأنها جزء من الوطن العربي العام، وأنَّنا حين نعمل لمصر نعمل للعروبة والشرق والإسلام”.


وأخيرًا:
كتب الشاعر الكبير علي أحمد باكثير قصيدةً عن الإمام الشَّهِيد منها:
عِشْرونَ عامًا بالْجِهادِ حوافل مرَّت كبَيْنَ عشيةٍ وضحاها
ما كان أقصَرها وأطول باعها في الصالحاتِ إذا يُقاس مَداها
هي دعوةُ الحقِّ التي انطلقت فلم تقْوَ الموانع أن تعوق خُطاها
لله “مُرْشِدها” فلولا صدقه لم يَغْزُ آلافَ النفوس هداها


إن تطهير النفوس وتجديد الأرواح، هي وسائل الإخوان المستمرَّة، وإن نهضة الأوطان وبناءها تحتاج إلى الإرادة القوية من الجميع، وإن الأمل الواسع والثقة بالنجاح هما السبيل لكل تقدُّم، يقول تعالى: (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران: 139)، وإن المعارضة الوطنية هي البنَّاءة التي ترفع من شأن الأوطان، دون اتهام، أو البحث عن النِيَّات، أو التصنيف، بل بأريحية وسعة صدر، والله أكبر ولله الحمد.

القاهرة في: 4 من ربيع الآخر 1434هـ، الموافق 14 من فبراير 2013م.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*