الثلاثاء , 21 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

النازية اليهودية ومنهج الاغتيالات

يستبيح اليهود الغزاة النازيون في فلسطين المحتلة كل القيم والأعراف والتقاليد لتصفية من يرونهم خصومًا أو أعداءً، بكل الوسائل الخسيسة وغير الإنسانية، ولا يبالون في ذلك باعتبارات دولية أو محلية، غايتهم الأولى إثبات قدرتهم الدموية على الملاحقة والتصفية، لردع أصحاب الحقوق عن المطالبة بحقوقهم، أو مقاومة إجرامهم ووحشيتهم في الاحتلال والقتل والتشريد والتهجير.

وقد استطاعت فرق الاغتيالات النازية اليهودية مؤخرًا اغتيال أحد عناصر حماس، وهو الشهيد محمود عبد الرءوف المبحوح على أرض دبي بالإمارات العربية المتحدة وفي أحد فنادقها الشهيرة “بستان روتانا”، ووضعت الإمارة الصغيرة في موقف حرج على المستويين المحلي والدولي، ورأت أن ذلك من الأمور التي تتباهى بها أمام الأمم.

الصحفي اليهودي روبين بركو كتب تحليلاً صحفيًّا في جريدة “إسرائيل اليوم” (1/2/2010م) يجمع السخرية إلى المباهاة.. السخرية من المقاومة، والمباهاة الضمنية بوحدات الاغتيال والقتل في الجيش النازي اليهودي.

يسخر بركو من الشهداء الإسلاميين، والحديث عن الحور العين في الجنة، فيقول: “الغضب والتهديدات ضد “إسرائيل” رغم أنه لا توجد أي معلومات رسمية تربط “إسرائيل” بالاغتيال كنتيجة للتصفية الناجحة؛ تدل على أن الانضمام إلى قافلة “الشهداء” في حفلة العهر الجماعي مع عذارى الجنة ليس حقًّا هو الخيار المفضل، ربما فقط للمساكين، وليس للمسئولين”.

ويقصد بعذارى الجنة الحور العين، أما العهر الجماعي فهو مفهوم الكاتب اليهودي للوعد الإلهي لعباده المتقين بقوله تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (54)﴾ (الدخان)..

ثم يكشف عن قوة الكيان النازي اليهودي، وقدرته على الملاحقة، بل وانضمام دول عربية إليه، فضلاً عن الولايات المتحدة الأمريكية؛ لملاحقة من يسميهم الإرهابيين أو نشطاء  حماس وحزب الله وأتباع إيران، وربط ذلك بما يجري فيها وحولها، فيقول:

“المشكلة مع الأولياء هي أن أحيانًا فقط يقوم الآخرون بالمهمة بدلاً عنهم، معظم الوقت ينبغي لـ”إسرائيل” أن تنفذ العمل وحدها، ومع ذلك، في الآونة الأخيرة يلوح تغيير في منطقتنا، الولايات المتحدة تنسق جهدًا لوقف البث التحريضي لفضائية حزب الله “المنار“؛ طائراتها قصفت تجمعات “الحوثيين” للقاعدة على حدود السعودية اليمن، ومعلومات مقلقة تصل إلى إيران عن استعداد أمريكي لاستخدام قواعد عربية في الخليج لهجومات محتملة ضدها، وبالتوازي، الحدود المصرية آخذة في الانغلاق، وعمليات وتفجيرات تصفي نشاط حماس في لبنان، عالمًا نوويًّا إيرانيًّا وغيره هنا وهناك..”.

أما سيمدار بيراي، الصحفية اليهودية المعروفة بعلاقاتها الواسعة بأوساط عربية عديدة في القاهرة وغيرها من العواصم العربية، فتقدِّم تقريرًا مطولاً (“يديعوت” 12/2/2010م) حول السيرة الذاتية للمبحوح، وقصة اغتياله على يد وحدة (كيدون) في الموساد اليهودي، وتقدم تحليلاً لرجل المخابرات الأمريكية من “السي آي إيه”، واسمه بروس ريدل الذي عمل لمدة تسعة وعشرين عامًا في أجهزة الاستخبارات الأمريكية، وقد أوصى الرجل، في مقابلة مع الصحيفة الأمريكية “فينيشن“، بالانتباه إلى وحدة “كيدون” في الموساد “الإسرائيلي”؛ “إنهم مهنيون جدًّا، وشبان، ومصممون، وذوو قدرة رياضية مذهلة، لهم سجل مذهل من النجاح، لم يكشف إلى اليوم عن الكثير جدًّا من التصفيات الغامضة التي وقعت (كيدون) عليها”.

ويشيد ريدل ببراعة وحدة الموساد في تصفية الخصوم دون أن يتركوا أثرًا وراءهم، وتطهير المكان الذي تقع فيه الجريمة من أي دليل يمكن أن يورطهم أو يورط حكومتهم فيقول:
“كل شيء على طهارة “الإسرائيليين”، عندما يخرجون في عملية اغتيال، لا يعرِّض “الإسرائيليون” حياة رجالهم للخطر، إنهم لا يعتمدون على أي أحد.

عندما عاد إلى غرفته في الفندق، استلقى المبحوح على السرير وفتح التلفاز، برغم الستائر المنزلة، رصدت عيون خفية حركاته، فتح الباب من الفور بمفتاح نسخ سلفًا، انقض واحد على المبحوح وحرس آخر، أُلصق جهاز كهربائي بأذنه، تبينت على رجليه علامات الصراع الأخير عن حياته، أُرسلت عينات من دمه بعد ذلك إلى مختبر أمني في فرنسا، للفحص؛ هل حاولوا أن يدخلوا في جسمه سمومًا قاتلة؟”.

ومع ذلك، فإن المفاجأة الكبرى أن الأمن في دبي كان يملك من الأجهزة ما مكَّنه من تسجيل حركة القتلة، والتعرف عليهم بعد هروبهم في وقت واحد تقريبًا على عدد من الخطوط الجوية، وتم التوصل إلى معرفة جوازات سفرهم المزورة وأغلبها جوازات بريطانية؛ ما اضطر الخارجية البريطانية إلى استدعاء السفير النازي اليهودي في لندن للاحتجاج على استخدام القتلة جوازات سفر مزورة باسم بريطانيا، وما زالت القضية تتفاعل وتتكشف عن مضاعفات تفضح البلطجة النازية اليهودية، وتوضح في الوقت ذاته جوانب سلبية في الأمن العربي عمومًا؛ وخاصة منذ اغتيال عماد مغنية القائد العسكري في حزب الله بدمشق، ومحاولة اغتيال قادة فلسطينيين في لبنان لتصفية المقاومة هناك، وبث الفتنة بين اللبنانيين والفلسطينيين.

يدَّعي الغزاة اليهود أن المبحوح قُتل بأمر من صلاح شحادة قائد حماس العسكري الذي سبق اغتياله اثنين من الجنود الغزاة الأول آفي سسبورتس، والثاني إيلان سعدون، وأن عملية الاغتيال عقوبة على هذا القتل.. ولكن من يتابع تاريخ الاغتيالات في فلسطين المحتلة على يد الغزاة اليهود يجد أن الاغتيال منهج يهودي قديم مدروس ومخطط؛ لتحقيق أكثر من هدف، منها تصفية الخصم أو العدو، وخاصة إذا كان قيادة مؤثرة لإرهاب الأتباع، وإزالة خطر المقاومة والمواجهة، ومنها إثارة الرعب في نفوس العامة، وبيان أن اليهود الغزاة يتمتعون بقدرات خارقة، ولا سبيل إلى التصدي لهم، ويعتمدون في ذلك على الطبيعة العربية التي لا تعطي حذرًا كافيًا لما يمكن أن يحدث أو يجري على أرضهم، ولا يضعون في الحسبان أن العدو من طبعه الخيانة، ولذا يجند الغزاة القتلة الجواسيس الخونة والمعلومات الدقيقة التي توفر لهم نجاح عمليات الغدر.. ومن الأهداف التي يبحث عنها الغزاة القتلة وقف أية محاولة جادة لإلزامهم باتفاقات سياسية أو عسكرية لوقف تمددهم الاستعماري أو كف أذاهم عن العرب، وكان واضحًا من العملية الأخيرة وقف ما يسمى بمفاوضات السلام مع السلطة الفلسطينية، وإبعاد الوسطاء عن مواصلة جهودهم لعقد أية صفقات سياسية حتى لو كان العرب لا يرضون عنها.

وبالإضافة إلى ما سبق، فهناك هدف آخر، لا يقل أهمية عما سبق؛ وهو ضرب دبي اقتصاديًّا، بعد أن توسعت في عمليات التبادل التجاري، وأتاحت لإيران فرصة تعويض كثير من مستلزماتها بعد الحصار الاقتصادي الذي فرضه الغرب عليها، وإرباك تعاملها مع دول شرق آسيا الذي ارتفع إلى مبالغ خرافية.

إن تاريخ القتلة اليهود يفيض بالدماء العربية الغالية والدماء الأجنبية البريئة، لقد اغتالوا كثيرًا من القادة والزعماء في فلسطين المحتلة وخارجها، واغتالوا العديد من علماء الذرة وغيرهم في مصر والعراق، وقاموا باغتيالات للمدنيين عن طريق التفجيرات في الأماكن العامة، ولم يسلم الأجانب وكبار المبعوثين الدوليين من الموت على يد جهاز القتل النازي اليهودي (هل تذكرون الوسيط الدولي الكونت برنادوت؟)، وأعتقد أنه آن الأوان ليتوقف هذا الجهاز عن العمل..

في بلادنا العربية كفاءات ومهارات عالية، يمكن أن تلجم هذا الجهاز وتكفه عن العمل شريطة الإرادة الحقيقية، إنهم يعملون في الظلمات، وأمتنا تملك العمل في النور، وتستطيع أن تقوم بعمليات مماثلة تجعلهم يصرخون، خاصة أن التعاون بين القتلة وبين بعض العرب في سنوات ما بعد “كامب ديفيد” أتاح للعرب كثيرًا من الخبرة والمعلومات التي يمكن أن تقوم بدور فاعل في تنفيذ الأهداف العربية المشروعة.

من المؤكد، أن مواجهة الغزاة القتلة بمنطقهم في هدوء وسكينة سيردعهم عن اقتراف المزيد من الجرائم ضد قادتنا وأبنائنا المسالمين والمقاومين، ويردهم عن استباحة بلادنا وعواصمنا وتفجيرها بالاغتيالات والموت والأذى.. والله ناصر جنده.

———–
بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود
* drhelmyalqaud@yahoo.com