الجمعة , 24 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

أثر المكان فى تطور دعوة الإخوان (2) .. مدحت بهجت

هجرة إلى السعودية أم إلى اليمن ؟!!

حدد البنا هدفه بشكل حاسم وواضح منذ الصغر ، وهو ما عبر عنه فى مشروعه عند التخرج عن أعظم آماله ووسائله لتحقيقها ، فيقول : أن أكون مرشداً معلماً؛ إذا قضيت في تعليم الأبناء سحابة النهار ومعظم العام ، قضيت ليلي في تعليم الآباء هدف دينهم، ومنابع سعادتهم، ومسرات حياتهم، تارة بالخطابة والمحاورة، وأخرى بالتأليف والكتابة، وثالثة بالتجول والسياحة.

ولم يكن ذلك مجرد خيال أو أمنيات شاب صغير يبدأ خطواته الأولى ليحقق ذاته ، فقد أعد عدته وجهز وسائله التى يحقق بها آماله .

ولتحقيق “ذلك” من الوسائل الخلقية: “ الثبات والتضحية”،  وهما ألزم للمُصلح من ظله، وسر نجاحه كله، وما تخلق بهما مصلح فأخفق إخفاقاً يزري به أو يشينه، ومن الوسائل العملية: درس طويل سأحاول أن تشهد لي به الأوراق الرسمية، وتعرف بالذين يعتنقون هذا المبدأ، ويعطفون على أهله، وجسم تعود الخشونة على ضآلته، وألف المشقة على نحافته، ونفس بعتها لله صفقة رابحة، وتجارة بمشيئته منجية، راجياً منه قبولها، سائله إتمامها، ولكليهما عرفاناً بالواجب وعونا من الله سبحانه، أقرؤه في قوله: “ إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم”.

إذا فخطواته محسوبة ومحددة وهو يستشعر عظم المهمة وثقلها ، ولذا فقد وطن نفسه على  الثبات عليها مهما كانت المشقات أو المغريات وكذلك التضحية من أجلها وهو يدرك أن وسائل الوصول إلى الغاية متعددة ومتنوعة ، وهو أيضا فى حاجة الى البحث عن المؤمنين بمثل هذه الرسالة يسعى إليهم أينما كانوا !

ولهذا السبب  ظل البنا يبحث فى تجواله عن البيئة الصالحة لفكرته ، وهو – كلما أوغل فى قرى مصر ومدنها كما رأينا فى الحلقة السابقة – يرى البون شاسعًا والطريق طويلة ، فيمتد بصره الى البلاد العربية والإسلامية الأخرى ؛ يدرس أحوالها ، ويراسل قادتها لعله يظفر بمكان أكثر ملائمة لتنفيذ فكرته .

دعوة تصون ولاتبدد

من مميزات البنا أنه لا يبدد جهوده السابقة ، ولا يفرط فى ثمرات جهاده حتى بعد أن تتبلور فكرته وتنضج ، فالجمعية الخيرية الحصافية التى أنشأها وهو طالب بمدرسة المعلمين تصبح شعبة من شعب الإخوان بعد ذلك ، وجماعة الدعوة التى كونها مع زملائه وهو بدار العلوم  لم تنقطع صلته بها حتى بعد أن غادرهم إلى الإسماعيلية ، فهو يقول : كما كنت على صلة تامة بمجموعة الشباب التي تعرفت إليها في القاهرة من قبل، وتعاهدنا على العمل للدعوة الإسلامية العامة.

وعندما تتوج جهود هذه المجموعة بإنشاء جمعية الشبان المسلمين يصف شعوره بذلك الإنجاز قائلا : وكم كنت سعيدًا فرحًا أشد الفرح حينما قرأت في الجرائد صباح يوم من الأيام نبأ الاجتماع الأول لتكوين جمعية الشبان المسلمين – وفقها الله – واختيار المرحوم عبد الحميد بك سعيد رئيساً لها على أثر مجهودات هؤلاء الإخوة من الشباب المؤمن، وأذكر أنني كتبت تواً إلى عبد الحميد بك سعيد معلنا اشتراكي بالجمعية، وواظبت على دفع الاشتراك، وتابعت خطواتها، وما طرأ عليها من تطورات وحوادث بكل اهتمام، وألقيت أول محاضرة هامة لي في القاهرة في ناديها بشارع مجلس النواب، وأظنها كانت بعنوان ”بين حضارتين” وقد كنت – ولا زلت – أكن لرجالها المؤسسين والعاملين فيها كل تقدير لجهودهم الإسلامية القيمة، ولا زلت أذكر منهم الدكتور يحيى الدرديرى، والأستاذ محمود علي فضلي، والأستاذ محمد الغمراوي، والسيد محب الدين الخطيب وغيرهم، جزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرا.

إلى الحجاز

ومن خلال  صلته بجمعية الشبان المسلمين أثناء وجوده بالإسماعيلية حيث كان البنا يبعث إليها بكثير من التقارير والملاحظات، “وكان القائمون عليها يشعرون تمام الشعور بهذه الصلة الروحية التي تربطنا رغم البعد عن القاهرة”. ومن ذلك أن فضيلة الشيخ حافظ وهبة مستشار جلالة الملك ابن آل سعود حضر إلى القاهرة رجاء انتداب بعض المدرسين من وزارة المعارف إلى الحجاز ليقوموا بالتدريس في معاهدها الناشئة، كان ذلك فى العام الدراسى الثانى للبنا فى الإسماعيلية 28  /29 وقد وصل عدد الإخوان المنتسبين لمدرسة التهذيب ما يقرب من 80 فردا .

الدولة السعودية الثالثة

حاول عبدالعزيز بن عبدالرحمن، نجل آخر حكام الرياض من آل سعود، إحياء الدولة السعودية مرة ثالثة في نهاية القرن قبل الماضي على أساس ملكي وراثي بحت جريا على نسق الدولة السعودية الثانية، ولكن الفشل كان حليفه. ولكنه لما لجأ إلى رفع شعار إحياء دعوة التوحيد، لقي استجابة واسعة عززها فيما بعد بإنشاء الهجر التي اسست على مبدأ الهجرة لتلقي العلم الشرعي والجهاد في سبيل الدعوة، فكان هذا منشأ حركة الإخوان السعودية وهى ليس لها بطبيعة الحال علاقة بالإخوان فى مصر وانما هو مجرد تشايه أسماء أوقع البعض فى الخلط  كما حدث من الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية السعودى  عام 2002 ورد عليه المستشار المأمون الهضيبى المرشد العام للإخوان وقتها .

المهم تحالف الإخوان السعوديون مع ابن سعود، وكان لها الفضل الأكبر في نجاح حملة عبدالعزيز لتوحيد الجزيرة. ولكن عبدالعزيز، بعد أن نجح في توحيد الجزيرة وضم الحجاز في عام 1926، لم يُرد أن يواصل الدعوة والجهاد في البلاد المحيطة، والتي كان معظمها تحت سيطرة أو حماية الإنجليز. وقد أدى الخلاف حول هذا الأمر وأسلوب الحكم عموما إلى صدام مع الإخوان “السعوديين “، تطور في النهاية إلى حرب حسمها عبدالعزيز لصالحه في معركة السبلة في عام 1929. وقد كان من نتيجة هذه المعركة أن اكتسبت الدولة السعودية أهم معالمها المعاصرة، فمن جهة أكد الملك على سلطته المطلقة ورفضه مشاركة الأطراف الاجتماعية الفاعلة في السلطة إلا بشروطه، رغم أن الدولة لم تقم إلا على جهاد الفئات التي أقصيت.

إلا أن عبدالعزيز مع ذلك أعاد التأكيد على الواجهة الإسلامية للدولة، وسمح للعلماء بدور محدود في الدعوة والنصح يخضع في النهاية لإشرافه هو. من جهة أخرى فإن حدود الدولة وسياستها الخارجية قامت على الاعتراف بتوازن القوى السائد، وبالأخص الهيمنة البريطانية في المنطقة.

ومع ذلك  رأى البنا أن البيئة فى المملكة الناشئة قد تكون أكثر مناسبة من مصر ولذلك تتطلع للسفر للعمل فى المدارس السعودية ولكنه اشترط ألا يعتبر موظفا يتلقى مجرد تعليمات لتنفيذها، بل صاحب فكرة يعمل على أن تجد مجالها الصالح في دولة ناشئة “هي أمل من آمال الإسلام والمسلمين، شعارها العمل بكتاب الله وسنة رسوله وتحري سيرة السلف الصالح” ، وأما ما عدا ذلك من حيث المرتبات والامتيازات المادية وما إليها فلم يجعلها موضع حديث أو تفاوض ، وقد فشلت هذه المحاولة بسبب عدم اعتراف الحكومة المصرية بالدولة السعودية وقتها !!

الشيخ محمد سعيد العرفي

لم تنقطع صلة الإمام البنا بقادة وزعماء العالم الإسلامى فى هذه الفترة المبكرة من حياته ومنهم الشيخ محمد سعيد العرفى ، يقول عنه البنا فى مذكراته :الأخ المفضال العالم العامل الفاضل المجاهد الشيخ محمد سعيد العرفي عالم دير الزور ونائبها السابق في مجلس النواب السوري، وثائرها على الظلم والاحتلال الفرنسي. وقد صادر الفرنسيون أملاكه وكتبه وحكموا عليه بالنفي، فحضر إلى مصر، واستأجر حجرة متواضعة في زقاق ابن يونس بالسيدة عائشة بحي القلعة بالقاهرة أسماه القصر العالي، وتعرفنا إلى الرجل فعرفنا فيه صدق الدين ، وقوة اليقين، والعلم الواسع في المعقول والمنقول ، والشجاعة ، والنجدة، وعلو الهمة، فهو عالم وطبيب وضابط وعابد معاً، تلقى العلم على شيوخه الأجلاء، والتحق بالجيش التركي فرقي إلى ضابط، واتصل بالقسم الطبي بالجيش، فأفاد علم الطب. وكان رامية يرمي فيصيب عشرة في عشرة، وكان مع ذلك أديبا مؤرخاً، راوياً للمنظوم والمنثور حلو الحديث، حسن الدعابة فكه المحضر، حاضر البديهة، صوفياً في تعبده وتقشفه، فيلسوفاً في تفكيره ونظراته. وقد أفدنا من صحبته الكثير، وزار الإسماعيلية فقضى معنا فيها أياماً كانت من أجمل الأيام وأسعدها، وعلم عزمنا على إنشاء المدرسة، وأخذنا نفكر في تسميتها، فقال: الإسماعيلية بلد الدعوة وهذه أول مدرسة تنشئها الدعوة والدعوة دعوة القران، والقران أول ما نزل في حراء فأطلقوا عليها معهد حراء، وقد كان. كان الشيخ سعيد العرفي ينام أربع ساعات على الأكثر في الليل ويستيقظ قبل الفجر، فيطرق علينا حجراتنا ويصيح: “ فيقوا فيقوا” إن بعد الحياة نوماً طويلاً، فنقوم ونصلي ونحمد الله ونشكر له هذا الصنيع.

كان يقول يا أخى سم، فأقول: وما أسم يا سيد محمد؟ فيقول سم إخوانك وأصحابك ومنشآتك، قل لهذا إنك تشبه أبا بكر، ولهذا: إنك تشبه عمر، فإن ذلك يبعث فيهم الحمية، ويدفعهم إلى القدوة الحسنة والأسوة الصالحة فأقول: يسلقنا الناس بألسنة حداد، فيقول: مالك وللناس. كن مع الله وافعل كل ما فيه الفائدة وسم منشآتك: معهد حراء للبنين، مدرسة أمهات المؤمنين للبنات، نادي الخندق.. إلخ، لتبقى هذه الذكريات في النفوس.

كان يقول لي دائما اسمع: لا تتحرج أبداً من أن تضم إلى الدعوة المقصرين في الطاعات المقبلين على بعض المعاصي الخسيسة ما دمت تعرف منهم خوف الله، واحترام النظام، وحسن الطاعة، فإن هؤلاء سيتوبون من قريب، وإنما الدعوة مستشفي فيه الطبيب للدواء، وفيه المريض للاستشفاء. فلا تغلق الباب في وجه هؤلاء، بل إن استطعت أن تجتذبهم بكل الوسائل فافعل، لأن هذه هي مهمة الدعوة الأولى. ولكن احذر من صنفين حذراً شديدا ولا تلحقهما لصفوف الدعوة أبداً: الملحد الذي لا عقيدة له، وإن تظاهر بالصلاح فإنه لا أمل في إصلاحه وهو بعيد عنكم بأصل العقيدة، فما ترجون منه؟ والصالح الذي لا يحترم النظام، ولا يقدر معنى الطاعة، فإن هذا ينفع منفرداً، وينتج في العمل وحده، ولكنه يفسد نفوس الجماعة: يغريها بصلاحه، ويفرقها بخلافه، فإن استطعت أن تستفيد منه وهو بعيد عن الصفوف فافعل، وإلا فسد الصف واضطرب، والناس إذا رأوا واحدا خارج الصف لا يقولون خرج واحد، ولكن يقولون صف أعوج فاحترس من هذا كل الاحتراس؟

السيد محمد زيارة الحسن اليمني

ومن الشخصيات التى التقى بها البنا الشيخ محمد زبارة أحد قادة اليمن فى هذا الوقت ولهذه الصلة أثر فى وصول الدعوة الى اليمن والفكرة التى روادت البنا فى الهجرة الى اليمن يقول الإمام البنا :

وفي ذكرى الهجرة سنة 1348 أقامت جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة حفلاً جامعاً كان من خطبائه كثير من الفضلاء، وقد ألقيت كلمة في هذه الحفل تحت عنوان ذكرى يوم الهجرة والدعوة الإسلامية وأثرها، ونشرت في رسالة المنتقى من محاضرات الشبان المسلمين.

وكان من الحاضرين في هذا الجمع السيد محمد زيارة الحسن اليمني أمير قصر السعيد في صنعاء حينذاك. فلقيني بعد المحاضرة وتحدثنا طويلاً عن مصر وعن اليمن وعن انتشار الإلحادية والإباحية المستشري في ذلك الوقت ووجوب الوقوف أمامه بكل القوى. ومن ذلك العهد توطدت بيننا صداقة قوية، وعرض علي سيادته أن أعمل مدرساً باليمن ودارت مخاطبات بهذا الخصوص بينه وبين جلالة الإمام وبينه وبين سيف الإسلام محمد رحمه الله الذي كان محباً للإصلاح ، راغباً فيه أشد الرغبة حريصاً على أن تسير اليمن إليه في خطوات فسيحة، وجرت مكاتبات بيني وبين سيف الإسلام محمد رحمه بهذا الخصوص وتعارفنا على البعد، ولكنا لم نستطع إنفاذ فكرة الذهاب إلى اليمن للعقبات الرسمية المتقدمة إذ كانت السياسة المضروبة على مصر إذ ذاك ألا تتصل بالبلاد العربية بحال.

وزار الأستاذ سيد محمد زيارة الإسماعيلية، ومكث معنا بها ثلاثة أيام وشاهد منشآت الإخوان ومؤسساتهم: معهد حراء الإسلامي، ومدرسة أمهات المؤمنين، وفرقة الرحلات، ورأي الإخوان في دروسهم ومحاضراتهم ولمس ما تفيض به نفوسهم من حب وإخاء وغيرة على الإسلام والمسلمين فأعجب بذلك كله أيما إعجاب واستمرت هذه الصلة إلى الآن وما كان لله دام واتصل.

ودامت هذه  العلاقة واتصلت وكان للصلة الوثيقة بين الإخوان وحركة الأحرار فى اليمن وأحداث ثورة 17 فبراير 1948 ما سوف نفصله فى موضع آخر .

الغريب أن الإمام البنا غير رأيه تماما فى موضوع الهجرة عندما غادر مصر وذهب للحج لأول مرة فى عام 1937 . وهذا هو موضوع الحلقة الثالثة بإذن الله .