الجمعة , 22 سبتمبر 2017
أخر الأخبار

“كيف يجهض الانقلاب؟ خريطة طريق الثورة” دراسة حديثة لرفيق حبيب

الدكتور رفيق حبيب

– حركة مناهضة الانقلاب نجحت في امتصاص كل ضربات السياسات القمعية والمذابح المتتالية والاستمرار في مقاومته.

– الرئيس مرسي القائد الرمز الصامد رفض تقويض الديمقراطية ليحافظ على شرعية الإرادة الشعبية.

– الانقلاب كان مخططا له والمشكلات مدبرة، والرئيس دخل حربا مع الفساد مما عجل بالانقلاب عليه.

– حققت حركة مناهضة الانقلاب موجات توسع تمثل أقوى استراتيجية ضد الانقلاب عبر الزمان والمكان وشرائح المجتمع.

– صورة الميادين الخالية المحاصرة بالمظاهرات في كل مصر تؤكد فشل الانقلاب وتضاؤل أي تأييد له.

– استخدام الانقلاب لسياسة تكميم الأفواه تعني إدراكه أنه مرفوض شعبيا ويجعل كشف التعتيم الإعلامي هام لإجهاضه.

– الانقلاب ينجح بالعنف وحركة مناهضته تنجح بالسلمية.

– خطة الانقلاب اعتمدت على التعتيم الإعلامي الكامل واحتكار الصورة لإخفاء حركة مقاومة الانقلاب.

– قدرة المجتمع على مقاومة عمليات التخويف الدموية، تعني قدرته على الاستمرار في كسر جدار الخوف، وهو ما يفشل الانقلاب.

خلص د.رفيق حبيب – الكاتب والمفكر – في دراسة حديثة له عنوانها “كيف يجهض الانقلاب؟ خريطة طريق الثورة” إلى أن الانقلاب سوف يجهض، عندما يستكمل بناء إرادة الثورة على الاستبداد والفساد بكل صورهما، وهي تلك الإرادة التي لم يستكمل بناؤها في ثورة 25 يناير، وأصبح من الضروري استكمال بناء إرادة الثورة الشعبية، قبل إجهاض الانقلاب، حتى إذا أدى هذا إلى تأخر لحظة إجهاض الانقلاب، وبناؤها يحتاج إلى التوسع الزماني والمكاني والمجتمعي، كما يحتاج للإعلام البديل، وانكشاف حقيقة الانقلاب، واستعادة الوعي لعامة الناس، بعد كسر التعتيم الإعلامي، كما يحتاج لبناء قاعدة راسخة للثورة، تتمثل في تكاتف الكل من أجل الحرية للجميع، رغم الاختلاف السياسي بين التيارات المختلفة.

وأكد “حبيب” أن حركة مناهضة الانقلاب حققت ضربات متتالية للانقلاب الدموي، وإنجازات تمثلت في وضع حصار مضاد للانقلاب، حصار جغرافي ومكاني وزماني ومجتمعي متزايد ومتمدد، أدى لإفشال سياسات الانقلاب القمعية وأفشل محاولة إعادة بناء جدار الخوف عن طريق الصمود والاستمرار في التواجد المتصاعد قبل وبعد مجازر الفض ومجزرة رمسيس الثانية بشكل يومي، وكسر حظر التجوال والتعتيم الإعلامي، حتى أصبح الانقلاب هو المحاصر من قوى مناهضة الانقلاب داخل ميادينه الخالية المحاطة بالقوات النظامية.

بل انتقلت مقاومة الانقلاب وتوسعت حركتها عبر المحافظات والمدن والقرى وأصبحت حركة واسعة حية في الشارع، نجحت في انضمام قطاعات جديدة لها معتبرا أن تواجد المقاومة أغلب الوقت بأغلب الأماكن لأغلب الناس وكشف حقائق لهم منها مواجهة الرئيس الصامد للفساد مما عجل بالانقلاب عليه هو أهم هدف يجهض الانقلاب.

وفيما يلي عرض لأهم القضايا التي تناولتها الدراسة:

تقويض الديمقراطية

اتبع الانقلاب العديد من الخطوات القمعية، بدءا من الانقلاب نفسه، والذي يعد أعلى درجات ممارسة عنف وإرهاب الدولة، حيث انقض قادة الانقلاب على الديمقراطية الناشئة، وقوضوا كل ما تحقق في مسار التحول الديمقراطي، اعتمادا على سلاح القوات المسلحة، وتحت غطاء شعبي. فأصبح الانقلاب ينجح بالعنف، وحركة مناهضة الانقلاب تنجح بالسلمية.

التعتيم الإعلامي الكامل

ومنذ اللحظة الأولى للانقلاب، بدأت حملة منظمة ومستمرة على وسائل الإعلام التي يسيطر عليها الانقلاب، وهو ما يعني أن خطة الانقلاب اعتمدت على التعتيم الإعلامي الكامل، حتى يتم إخفاء الجزء الآخر من الصورة، أي حركة مناهضة الانقلاب، وحتى تحتكر وسائل إعلام الانقلاب الصورة، وتركز على تبرير الانقلاب، وتقدم الرموز الانقلابية فقط، فتبدو مصر، وكأنها بلا أية حركة معارضة للانقلاب. مما جعل مصير الانقلاب مرتبطا بقدرته على تغييب الوعي، وهو ما يعني أن إفاقة الوعي العام، تفشل الانقلاب.

الانقلاب يفشل تدريجيا

ومنذ البداية، استخدم الانقلاب سياسية الاعتقال، كوسيلة لشل حركة مناهضة الانقلاب واستعادة الثورة، بدءا من اعتقال الرئيس المنتخب، ثم اعتقال قيادات جماعة الإخوان المسلمين، وحزب الحرية والعدالة، وحزب الوسط، وبقية القوى المعارضة للانقلاب. كما تمادى قادة الانقلاب في اعتقال المتظاهرين والمعتصمين، حتى يشل حركة مناهضة الانقلاب.

فأصبح استمرار حركة مناهضة الانقلاب، رغم كل الاعتقالات، تعني أن الثورة تستعاد، والانقلاب يفشل تدريجيا.

الانقلاب مرفوض شعبيا

واستخدام الانقلاب لسياسة تكميم الأفواه، يعني أنه يدرك أن حقيقته مرفوضة شعبيا، وهو ما يجعل كشف حقيقته، وكشف سياسة التعتيم الإعلامي، من العوامل المهمة لإفشال الانقلاب. ومنذ بداية الانقلاب، بدأت عملية القتل والتصفية الميدانية، في الشارع، منذ مذبحة الحرس الجمهوري، حتى مذابح فض الاعتصام، ثم مذبحة رمسيس وغيرها. وتلك المذابح المتتالية، استهدفت تخويف المشاركين في حركة مناهضة الانقلاب، حتى لا يشاركوا في فاعليات حركة مناهضة الانقلاب، خوفا من الإصابة أو القتل. لذلك استمرت عملية الهجوم من قبل البلطجية أو القوات النظامية على مسيرات حركة مناهضة الانقلاب، حتى توقف هذه المسيرات، أو تقلل قدرتها على الحشد.وهو ما يؤكد أن قدرة المجتمع على مقاومة عمليات التخويف الدموية، تعني قدرته على الاستمرار في كسر جدار الخوف، وهو ما يفشل الانقلاب.

أحداث عنف مدبرة

لم يحاول قادة الانقلاب فقط، تخويف المؤيدين لحركة مناهضة الانقلاب، ولكنه استخدم منهج التخويف مع المؤيدين للانقلاب أيضا، حيث حاصرهم بخوف من عنف وإرهاب محتمل، مستندا على أحداث عنف، أغلبها مدبر من جانب الانقلاب، وبعضها لا يرتبط بحركة مناهضة الانقلاب أساسا، مثل بعض أحداث سيناء، وبعضها حدث بسبب حالة الغضب والانفجار الشعبي، الناتجة من العنف المفرط للقوات النظامية، تجاه المتظاهرين والمعتصمين. وبقدر إدراك عدد أكبر من مؤيدي الانقلاب، أنه استهدف إجهاض حريتهم، بقدر ما ينكشف أنه انقلاب على كل المجتمع، وعلى الحرية والثورة، فينكشف الانقلاب ويفشل.

إجهاض الانقلاب

وبقدر ما تظهر مخاوف الانقلابيين من حركة مناهضة الانقلاب واستعادة الثورة، بقدر ما يظهر خوفهم من الفشل، فيظهر ضعفهم الحقيقي، وهو ما يساهم في إجهاض الانقلاب.

واتبع الانقلاب سياسات قمعية لإعادة بناء جدار الخوف مرة أخرى، لإجهاض الحرية، وعندما تستيقظ القطاعات المطالبة بالحرية، والتي ترى أن الثورة قامت من أجلها وأن الحرية لا تقايض لا بالخبز ولا بالأمن، مما يعيد المجتمع لمعركة الحرية، وهو ما يجهض الانقلاب.

إنجازات حركة مناهضة الانقلاب

التحالف الوطني لدعم الشرعية واستعادة الثورة، بدأ حركته مبكرا، فقد بدأ اعتصامي رابعة العدوية والنهضة قبل الانقلاب العسكري، إدراكا لمخطط إجهاض الثورة. واستطاع الاستمرار والصمود في الاعتصامات والمظاهرات، رغم كل السياسات القمعية التي مورست ضد حركة مناهضة الانقلاب.

والواقع أن استمرار حركة مناهضة الانقلاب، حققت العديد من الانجازات، من خلال قدرتها على امتصاص ضربات الانقلاب العسكري، واستمرارها في مقاومته.فقد استطاعت امتصاص الصدمة الأولى، وهي صدمة الانقلاب العسكري، وتحركت الجماهير الحاشدة في الأيام التالية له، بصورة أفقدت الانقلاب أية شرعية منذ اللحظة الأولى. كما استمرت الحركة بعد مذبحة الحرس الجمهوري، ومذبحة المنصة، ورغم حملات الاعتقال المستمرة منذ اليوم الأول للانقلاب. وبعد مذبحة فض الاعتصامين، في رابعة العدوية والنهضة، استمرت الحركة في التظاهر، وخرجت مظاهرات حاشدة في يوم الجمعة 16 أغسطس، أي بعد يومين من مذبحة فض الاعتصام ثم حدثت في هذا اليوم مذبحة رمسيس، والتي تبعتها مذبحة أبو زعبل، واستمرت الحركة تحشد في الشارع يوميا، واستطاعت حركة مناهضة الانقلاب كسر حظر التجوال.

حشود واسعة عبر المحافظات

قام الانقلاب العسكري، بأكبر حملة اعتقالات، في صفوف قيادات حركة مناهضة الانقلاب، واستهدف أساسا شل حركة جماعة الإخوان المسلمين، من خلال اعتقال قيادات الصف الأول والثاني، واعتقال القيادات الميدانية، والرموز السياسية، وأعضاء مجلسي الشعب والشورى. وتوقع قادة الانقلاب العسكري أن تؤدي حملة الاعتقالات، مع حملات التعذيب والتخويف والقتل، إلى شل حركة مناهضة الانقلاب، وهو ما لم يحدث.

وفي مظاهرات الجمعة 21 أغسطس، وبعد نحو شهرين من الانقلاب، وسياساته القمعية البوليسية، استطاعت حركة مناهضة الانقلاب، تحريك حشود واسعة في العديد من المناطق والشوارع بحركة واسعة، وعبر محافظات مصر، بصورة أكدت أن الحركة استطاعت امتصاص تأثير كل السياسات القمعية، والاستمرار في مناهضة الانقلاب.

ورغم أن الانقلاب العسكري استخدم العديد من أوراق الضغط، وبصورة متتالية وتصعيدية، إلا أنه لم يحقق هدفه الأساسي، وهو إجهاض حركة مناهضة الانقلاب واستعادة الثورة.

توسع حركة مناهضة الانقلاب

رغم التعتيم الإعلامي الشامل، وملاحقة كل وسائل الإعلام التي لا تنتمي لقادة الانقلاب العسكري، استطاعت حركة مناهضة الانقلاب، كشف زيف ادعاءات الانقلاب خاصة مع ممارساته البوليسية الدموية. وكانت هي أهم ما يكشف أهدافه ومخططاته أمام عامة الناس.

وكانت مذابح فض الاعتصامات، من المشاهد المهمة، التي كشفت حقيقته ومخططه الأساسي، المتمثل في استعادة الدولة البوليسية القمعية. وكانت بحور الدماء التي سالت دفاعا عن الحرية والثورة، كاشفة لما يخطط له قادة الانقلاب، ورغبته الملحة في إخضاع المجتمع لحالة من الخوف، والسيطرة عليه مرة أخرى، وإجهاض الثورة والحرية بالكامل.

مظاهرات 21 أغسطس تحاصر الانقلاب

بعد شهرين من مظاهرات 30 يونيو، التي يفترض أنها طالبت بانتخابات رئاسية مبكرة، ثم أصبحت غطاءً لانقلاب عسكري، تبدلت الصورة في مصر، بل نقول ظهرت الصورة الحقيقية. فقد كانت ملامح 21 أغسطس، كاشفة لحقيقة ما يحدث في مصر، رغم كل تعتيم إعلامي.

فمن ناحية الانقلاب العسكري، تم محاصرة الميادين الكبرى، خاصة ميادين التحرير ورابعة العدوية والنهضة وأمام قصر الاتحادية، كما تم محاصرة المساجد الكبرى، وقطع الطرق الرئيسية، من قوات نظامية، من قبل الجيش والشرطة، في مشهد يؤكد أن الانقلاب العسكري يهدف أساسا لمنع التظاهر.

واستخدم الانقلاب العسكري حالة الطوارئ وحظر التجوال، وسياسة الاعتقال المستمر للقيادات والمتظاهرين، كما استخدم التعتيم الإعلامي الفج، وملاحقة أي إعلامي لا يوالي للانقلاب، كما استمر استخدام البلطجية في التعدي على المظاهرات السلمية لفضها.

وكان من الواضح أن قادة الانقلاب، لديهم تخوف حقيقي من قيام أي اعتصام في أي ميدان مهم، وهو ما جعلهم يستخدمون العنف في منطقة المهندسين.

كما تأكد أن قادة الانقلاب يخشون من وصول المتظاهرين إلى أي من ميادين الاعتصامات الشهيرة، خاصة رابعة العدوية والتحرير، حتى لا يتم تغطية ما يحدث من حشد واسع إعلاميا.

الحصار المضاد

تحققت في يوم 21 أغسطس، عملية حصار مضادة مهمة، فقد أصبحت القوات النظامية المشاركة في الانقلاب، محاصرة في قلب الميادين الكبرى والطرق الرئيسة داخل العاصمة القاهرة، وحولها مظاهرات ومسيرات متحركة ومستمرة في كل مكان، تحاصر تلك القوات، أي تحاصر الانقلاب، وتجعله موجودا في جزء من العاصمة، وليس حتى كل العاصمة.

وتلك الاستراتيجية التي دفعت لها حركة مناهضة الانقلاب بسبب فض الاعتصامات، قدمت في الحقيقة بديلا مهما ومؤثرا لحركة مناهضة الانقلاب، وهو الحصار المضاد للانقلاب داخل قلب القاهرة، دون أطرافها. فيصبح انقلاب وسط البلد، تحاصره حركة مناهضة الانقلاب في كل أنحاء البلد.

وأول ما يستفاد مما حدث، أن حركة مناهضة الانقلاب أمامها العديد من البدائل، أما الانقلاب العسكري، فليس أمامه إلا بديل واحد، وهو أن يفرض ما يريد على كل المجتمع كل الوقت.

وقد تأكد من خلال حركة مناهضة الانقلاب، أن الانقلاب العسكري لن يستطيع فرض ما يريد على أغلب الناس، ولا في أغلب الوقت، فيبقى في النهاية انقلابا يحظى بتأييد أقلية كل الوقت، بعد أن خسر قطاعات أيدته عند بدايته، واكتشفت حقيقته بعد ذلك.

تراكم الفعل الثوري

وكلما استطاعت حركة مناهضة الانقلاب حصار الانقلاب العسكري عبر المكان والزمان والمجتمع، استطاعت واقعيا أن تراكم فعلا ثوريا، يعيد الثورة مرة أخرى، ويعيد الحرية، ويعيد أيضا المسار الديمقراطي.

وإذا كان الانقلاب يريد أن يصور نفسه، على أنه ثورة أو استكمال للثورة، ويحاول تحقيق ذلك من خلال صورة ميدان التحرير الخالي، والذي تحميه القوات النظامية حتى لا يصل له أي متظاهر معارض للانقلاب؛ فإن ذلك يؤكد على أن الانقلاب العسكري قد أدرك مدى ما يواجه من فشل، حتى لم يعد أمامه إلا الحفاظ على بعض الميادين الخالية، حتى يدعي عدم وجود معارضة له.

ولا يمكن للقوات النظامية للانقلاب غلق كل ميادين مصر، أو قطع كل طرق مصر، لذا يبقى حصارها داخل الميادين المهمة في القاهرة سببا رئيسا في تقليص التواجد المكاني للانقلاب العسكري، مع توسع التواجد المكاني لحركة مناهضة الانقلاب بصورة كبيرة وواضحة.

أما الحصار المجتمعي المهم، فهو يتحقق بقدر ما تنضم قطاعات جديدة لحركة مناهضة الانقلاب، خاصة من تلك القطاعات التي أيدت الانقلاب، وهي لا تعرف أنها تؤيد انقلابا دمويا.

موجات التوسع

المتابع لحركة مناهضة الانقلاب، يجد أنها حققت العديد من موجات التوسع، عبر المكان والزمان والمجتمع، مما جعل أداة التوسع تمثل أقوى استراتيجية لحركة مناهضة الانقلاب، وهي في الوقت نفسه، أكثر ما يخشاه قادة الانقلاب العسكري. مما يعني أن توسع حركة مناهضة الانقلاب، واستمرارها وصمودها، يؤدي عمليا إلى تقلص الأرضية التي يقف عليها الانقلاب العسكري، مما يجعله محاصرا في النهاية بحالة من الرفض الشعبي، التي تهدد بقاءه، وتفتح الباب أمام إجهاض الانقلاب العسكري.

فالتوسع في التظاهر والاحتجاج، عبر الزمان والمكان وشرائح المجتمع، أصبح أفضل وسيلة لتوسيع دائرة الاحتجاج والرفض للانقلاب. مما يعني أن حركة مناهضة الانقلاب، تحتاج للحضور في أغلب الوقت، أمام أغلب الناس، في أغلب الأماكن، من خلال أغلب شرائح المجتمع، حتى تحقق حضورا واقعيا، رغم أي تعتيم إعلامي.

المسيرات سلاح فعال

لذا تصبح عملية تسيير المظاهرات، التي تنتشر في أرجاء مصر سلاحا فعالا أمام الانقلاب العسكري، لأنه تشكل حالة من الرفض الواسع، التي تجعل الانقلاب محاصرا في الزمان والمكان والشرائح المؤيدة له. وأهم ما يفشل الانقلاب، أن يكون انقلاب أقلية، يهدف لفرض حكم الأقلية، ويهدف لفرض هوية الأقلية، وبهذا يصبح واقعيا وعمليا انقلابا ضد الأغلبية وضد التيار السائد في المجتمع، وضد أغلب المجتمع، وقد كان كذلك منذ اليوم الأول، ويبقى أن تتأكد هذه الحقيقة عمليا وواقعيا.

الرئيس الرمز الصامد

تشكلت تدريجيا حالة رمزية لحركة مناهضة الانقلاب، فهي منذ اليوم الأول ترفع صورة الرئيس محمد مرسي، ليس لأنه الرئيس المنتخب فقط، بل لأنه الرئيس الذي رفض المشاركة في الانقلاب، ورفض عملية تقويض الديمقراطية، ليس حتى يستمر في الحكم حتى نهاية ولايته، بل حتى يحافظ على شرعية الإرادة الشعبية، وشرعية الاختيار الحر لعامة الناس.

فالرئيس محمد مرسي رفض التجاوب مع مطالب قادة الانقلاب؛ لأنه أراد أساسا أن يحمي شرعية الديمقراطية، ويحمي الثورة، وحرية عامة الناس.

وبعد مذبحة رابعة العدوية والنهضة، أصبح لحركة مناهضة الانقلاب شعار تحمله، يتمثل في
شعار رابعة العدوية، وبهذا تتشكل ملاح حركة واضحة، تهدف أساسا لاستعادة الثورة المختطفة، وتحمل شعاراتها ورموزها، مما يمكنها من الحضور، عبر الاحتجاج الشعبي، وعبر القائد الرمز الصامد، وهو الدكتور محمد مرسي، وعبر الشعار الملهم، وهو شعار رابعة العدوية.

شعار رابعة رمز الحرية

فشعار رابعة العدوية، الذي وضع بعد المذبحة، أصبح شعارا للحرية في مواجهة الاستبداد، وشعارا للصمود في مواجهة القتل، وشعارا للقدرة على الاستمرار والنضال، في مواجهة الاعتقال والتعذيب والسجن. وهو بهذا شعار للحرية، في مواجهة كل ما يمثله الاستبداد والسياسات القمعية البوليسية.

وأصبح شعار رابعة العدوية، يحمل القدرة على الاستمرار والصمود، فهو شعار له رمزية خاصة، لا يستطيع أحد قتلها، كما لم يعد أحد قادرا على إجهاض الإرادة الحرة التي ترفع شعار الحرية.وبقدر ما ينتشر شعار رابعة العدوية، عبر المكان والزمان، وفي مختلف بقاع الأرض، بقدر ما يتحول إلى رمز لنضال شعب، يرفض الاستبداد، ويناضل من أجل استعادة ثورته وحريته. ليصبح شعار رابعة العدوية، رمزا للأحرار في العالم.

الرهان على الزمن

تحتاج حركة مناهضة الانقلاب إلى التوسع الزمني، ليس فقط لتحقيق كل أشكال التوسع، ولكن أيضا لكشف مخططات الانقلاب العسكري.

ولأن الانقلاب العسكري لا يستطيع إخفاء حقيقته طويلا، لأنه يريد تنفيذ مخططه، لذا فإن الزمن يخصم من أي رصيد من التأييد الشعبي للانقلاب العسكري، لصالح حركة مناهضة الانقلاب، حتى لا يبقى معه إلا مؤيدو الحكم العسكري، ومؤيدو الاستبداد.

فمع أول ظهور للتعديلات الدستورية التي يريد تنفيذها الانقلاب العسكري، اتضح أنه يريد بناء نظام سياسي، يقوم على هوية إسلامية مفرغة من المضمون، وهوية علمانية فعلية، وديمقراطية شكلية لا معنى لها أو تأثير. وأنه في سبيل تحقيق ذلك يريد أن يبني نظاما سياسيا، تكون السلطة العليا فيه لمؤسسات في الدولة، جعلتها التعديلات الدستورية دولة فوق الدولة، وهي القوات المسلحة والقضاء، مما يجعل سلطة المنتخب بلا أية فاعلية، وتبقى السلطة في يد الدولة العميقة، ممثلة في نخبة الدولة المتحكمة في مختلف مؤسسات الدولة، بأدوات أمنية بوليسية، تجعل من نخبة القوات المسلحة والقضاء، هي الحاكم الفعلي للبلاد.

مواجهة التعتيم الإعلامي

مع حالة التعتيم الإعلامي التي تواجهها حركة مناهضة الانقلاب أصبح عليها إظهار الحقيقة أمام أغلب الناس أغلب الوقت، وهو أمر ليس سهلا. ولكن التجربة أكدت أن الحقيقة تظهر أكثر لفئات أكبر مع الوقت، ومع قدرة الإعلام البديل على التمدد في ساحات الفضاء الالكتروني، وقدرة حركة مناهضة الانقلاب على تسجيل الحدث وتصويره، مما جعل الحقيقة مسجلة بشكل كامل وكافي، ويبقى نشرها بين الناس، حتى يعلم أغلب الناس ما يحدث فعليا، ويعلموا الحقيقة كاملة، وليس أي شيء آخر غير الحقيقة.

والانقلاب العسكري مثل أي انقلاب عسكري، يخشى الحقيقة، فهي دائما ليست في مصلحته، ولا تنصره. فلو علم أغلب الناس أن الانقلاب كان مخططا له قبل أن يحدث، ومظاهرات 30 يونيو، لم تكن حالة شعبية تلقائية، بل حالة مخطط لها من أجهزة استخبارات، والمشكلات أغلبها مدبر، وأن أكبر تحدي واجه الرئيس كان الفساد، وأنه دخل في حرب على الفساد، وهو ما عجل بالانقلاب ضده، وأن الانقلاب لا يريد استعادة الديمقراطية، بل يريد استعاد دولة الاستبداد والقمع، وإعادة النظام السابق، وحماية شبكات الفساد؛ لو علم أغلب الناس هذه الحقائق وغيرها، ما استمر الانقلاب العسكري، وربما لم يقم أصلا. والواقع يؤكد على أن من يحقق انتصارات متتالية، هي حركة مناهضة الانقلاب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*