الخميس , 23 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

المرشد العام للإخوان المسلمين في حديث شامل

– الإخوان المسلمون نسيج واحد هدفهم الإصلاح الشامل
– هذه الجماعة سياستها اللين في غير ضعف والقوة في غير عنف
– ليست السياسة- وحدها- وراء الابتلاء في طريق الدعوة
– إيماننا بالنضال الدستوري جعل مشاركتنا في الانتخابات إستراتيجية أصيلة
– قدَّمنا نموذجنا للشورى والديمقراطية وكان رد النظام علينا بالاعتقالات
– التربية الإسلامية يجب أن تكون عماد المشروع النهضوي لأمتنا
– هذه حقيقة موقف الإخوان من تصعيد المرأة في العمل العام
– شباب الجماعة عليهم أن يفهموا ليثقوا وأوصي بالاستماع لهم
– لسنا معصومين ونرجو أن نكون من خير الخطائين وهم التوابون
– الحكومة الدينية بمفهومها الثيوقراطي نحن أبرياء منها
– لا يوجد عندنا مرشد علني وآخر سري ونسير خلف القيادة بثقة
– ليست لدينا أسرار وسائلنا وأهدافنا ولوائحنا وخططنا كلها منشورة
– على من يتصدى للإصلاح ألا يقصى أحدًا فالأوطان بحاجة لكافة الجهود


بعد أن هدأت الأنفاس، وجرت انتخابات الإخوان المسلمين، وكانت نتيجتها تشكيل مكتب إرشاد جديد، وتولية فضيلة الأستاذ الدكتور محمد بديع مرشدًا عامًّا للجماعة في حالة فريدة غير مسبوقة في قيادات العمل العام بما فيه الحزب الوطني الحاكم وغيره من الأحزاب والقوى السياسية والجمعيات الأهلية وغيرها من المؤسسات.

ونجح الإخوان المسلمون في وضع صفة سابق قبل اسم فضيلة الأستاذ محمد مهدي عاكف؛ ليصبح توصيفه المرشد العام السابق؛ الأمر الذي كشف- بالمقارنة بغيرهم- الموقف المؤسسي والشورى والحب الأخوي في جماعة الإخوان المسلمين، وهو الأمر الذي أثار حفيظة النظام الذي كان يترقب إحداث حالة من الانشقاق في الصف الإخواني المترابط، فكان الرد السريع الغاضب بحملة اعتقالات، بدت في شكلها عقابًا للإخوان على تداول المسئولية والتغيير السلمي والانتخابات النزيهة.

والآن بعد كل هذه الأحداث يلتقي (إخوان أون لاين) فضيلة الأستاذ الدكتور محمد بديع المرشد العام الثامن للإخوان المسلمين، حاملاً العديد من الأسئلة حول الجماعة، وواقعها ومستقبلها ورؤيتها؛ حيث إن المرحلة التي تمر بها الجماعة خاصة والأوطان عامة مرحلة في غاية الحساسية والتحديات على الصعيدين الداخلي والخارجي، صارت تفرض على المتصدرين لحمل راية الإصلاح أن يوحدوا صفوفهم وأن يرسموا إستراتيجيات واضحة لحركتهم، وأن يتصدوا بكافة السبل لما يمكن أن يخرج بحركتهم عن طريقها المرسوم وهدفها المنشود.. إلى تفاصيل الحديث:

* فضيلة المرشد العام.. بعد توليكم المسئولية؛ هل اختلفت رؤيتكم لحركة الجماعة عن ذي قبل؟

** الدعوة لا تُرى بل تعاش، ومن ثم حين تعيش في دعوة الإخوان المسلمين تصير هي التي تحركك، وتقودك، وتوجه بوصلتك، وتتحكم في أولوياتك، ولا فرق في هذه المعايشة بين جندي ومسئول، فالهدف واحد ومشترك، وهكذا أصحاب الدعوات دائمًا، وإلا فما الذي دفع صحابة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه أن يبادروا بطرح آرائهم لموقع بدر أو لفكرة الخندق، وبينهم من لا ينطق عن الهوى… وما يختلف من ثغر إلى آخر داخل رحاب الدعوة هو طبيعة المسئوليات وحجمها مع وجود الهم المشترك.

* إذن أضافت لكم المسئولية همًّا جديدًا خاصة على المستوى الإعلامي؟

** نعم، فالأصل أن من تصدَّر فقد استُهدف؛ لكن واجبنا أن نحمل فكرتنا، وأن نحسن عرضها كمنهاج، وتقديم نموذج القدوة العملية كتطبيق، وموقنون أن طريق الدعوات لم يكن يومًا مفروشًا بالورود، وممتثلون قول الحق رب الأرباب في وصف الصف المؤمن ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾ (العصر)، فلا حق بغير حاجة للصبر عليه، ولا إيمان بغير ابتلاء، والقرآن يقول: (لتبلون…. ولتسمعن…) فهناك ابتلاء وهناك إيذاء بالقول لم يسلم منه حتى الأنبياء والمرسلين.

* لكن هل أنتم راضون عن التعاطي الإعلامي مع الجماعة وما يُشاع بين الحين والآخر حول الجماعة وقيادتها؟

** الحمد لله, نحن نستفيد من كل ما يُقال عنّا، إن كان صادقًا نضع نصيحته في عين الاعتبار، وإن كان افتراءً نحمد الله أن ذلك ليس فينا، ونصبر الصبر الجميل، ونعرض عن الجاهلين؛ لكن دعني أقول إن التدافع يولد زبدًا إعلاميًّا مع حالة القمع والظلم المفروضة على المجتمع والجماعة بفعل الاستبداد وعدم قبول الآخر، وبالتالي هذا الزبد قد ينخدع به البعض فترة، ولكن الصورة سرعان ما تتضح ليرجع الجميع إلى ما ينفع الناس، مستبدلين الزبد بالحقائق ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ (17)﴾ (الرعد).

* مما روجه البعض أن الشباب متذمر، وأن القواعد غاضبة، وأن هناك تشكيكًا وأن.. وأن.. إلى غير ذلك هل هناك دخان بغير نار يا فضيلة المرشد؟

** من حق الناس أن تتساءل، وأن يحصلوا على إجابات مقنعة ومنطقية، وفي ذات الوقت من واجب القيادة أن تتحمل مسئولياتها، وفق ما يضمن للجماعة خصوصيتها، ويحفظ لها استقرارها واستمراريتها، ومما لاشك فيه أننا حين نجد الفرصة سانحة لا نتوانى عن أن نوضِّح للناس كيف تُدار جماعتنا على مرأى ومسمع من العالم كله؛ ليراقب القاصي والداني ممارساتنا الشورية التي نقوم بها تعبدًا لله، وننفِّذها نموذجًا على قدرة الأجندة الإسلامية على مجاراة تطور الفعل الديمقراطي في العالم، ونحن نقدِّر حماسة الشباب، وحرصهم على إبداء رأيهم، خاصة في مناخ عام في مصر يكمم الأفواه، وأطالب كل المسئولين: استمعوا للشباب وناقشوهم فقد يكون لديهم ما يفيد.

ودعني أقول لمن في نفسه شيء: ليس هناك ما يمنع من أن تفهم لتثق، فما كان الفهم إلا الركن الأول في أركان بيعتنا، غير أن السعي للفهم له قنواته التي لا يعيب السير فيها من أراد الوصول، ويجب ألا تكون هذه هي الثغرة التي يتسلل منها الوهن إلى قوة الصف، ولا يتسرب إليها الشك ليضعف الثقة.

* فضيلة المرشد.. لقد قِيل إن الإخوان مارسوا تعتيمًا إعلاميًّا على انتخاباتهم حتى إن موقعهم الرسمي اكتفى بنشر النتائج فقط… هل كان هذا مقصودًا؟

** انتخاباتنا لها خصوصية، لا تتوفر لفصيل آخر، ونتائجها مغرم لأصحابها، وليست مغنمًا، ومن واجب الآخر أن يحترم خصوصية وضعنا، خاصة أن الجميع عندنا مرشحون وفق لوائح الجماعة، ولا يوجد من يزكي نفسه ويتطلع لمنصب، وما كان من تسريبات مجهولة المصدر عن الانتخابات؛ فعلى من يتابع أن يفرِّق بين ما تعلنه الجماعة وما يريده الآخرون أن يوجهوا حركتها إليه.. وبمعنى آخر ليسمع الناس منا لا عنّا، وليتركوا لنا حرية أن نختار الظرف المناسب للإعلان، فنحن جماعة منظمة ومستهدفة ونتائج الانتخابات بمثابة حكم بعد المداولات، وما يهم الناس هو الحكم وليس المداولات.

* يردِّد البعض أن الإخوان لا يراجعون أخطاءهم؟

** غير صحيح  بالطبع, فلا عصمة لبشر، وإنما هو احترام للخصوصية، وتقدير لحجم المسئولية التي لا يتحملها عن الإخوان أحد؛ فنحن نتحمل تكلفة أنشطة جماعتنا من جيوبنا، وأهم من إنفاق المال إنفاق الوقت والجهد، ونتحمل التبعات والتضحيات نحن وعائلاتنا؛ لأننا نعلم أننا بعنا كل ذلك واشترينا الجنة، وبالتالي فقراراتنا يجب أن تكون نابعة منّا، يحكمها ضمير الجمع لا الفرد، وببركة الشورى والتجرد عن الهوى صمدت الجماعة وستصمد إن شاء الله أمام أعتى العواصف، والثوابت لا يمكن أن تحدث فيها مراجعات، أما الأخطاء في الفرعيات، فكل ابن آدم خطاء ونرجو أن نكون من خير الخطائين وهم التوابون.

* تتباين الآراء حول مستقبل الجماعة ويقول بعضها بالتخوف من سيطرة المحافظين عليها.. كيف ترون هذه الآراء؟

** من كثرة تكرار هذه الأقاويل والأباطيل لم يعد عندي الاستعداد ولا الوقت كي ألتفت إلى تصنيفات لا تمت لنا بصلة، فليس في الإخوان إصلاحيون ومحافظون، بل فيها إخوان مسلمون، أساس دعوتهم أرساه الإمام البنا الذي وصفه المؤرخون بالمجدد، ودفع حياته ثمنًا لما أرساه من قواعد التجديد في الرؤية الإسلامية الشاملة، وسار على دربه رواد عظام لم يبخلوا على شجرة دعوتهم بدمائهم، محتسبين أرواحهم ثمنًا لبيعة ربانية لا لغنيمة دنيوية، ولا فرق عندنا بين العمل التربوي والفعل السياسي والفعل الدعوي؛ فلحركتنا أطر عامة وسبيل واضح، ولن تصح الحركة إلا بانتهاج الإسلام كله وبالعمل على كل المحاور الدعوي والسياسي ومعهم المجتمعي، وهكذا نستمر ونتقدم، ولا أدل على خطأ من يدَّعي علينا ذلك من أن إخواننا في السجون- فك الله أسرهم- الأخ خيرت الشاطر والأخ محمود عزت والأخ عصام والأخ عبد الرحمن والأخ محيي والأخ أسامة، ومن معهم يمثلون كل المستويات الإدارية وكل مجالات الأنشطة، وكل الأعمار يدفعون ضريبة الدعوة وضريبة الإصلاح نيابة عن مصر كلها، ونحن نسير في هذه الجماعة المباركة بسياسة (لين في غير ضعف وقوة في غير عنف)، في جميع مجالات الحياة ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)﴾ (الأنعام).

* لقد وصل اختلاف الرأي حول مستقبل الجماعة إلى الحد الذي جعل بعض الأقلام التي كانت توصف بالمنحازة للجماعة تعلن صراحة عن تخوفها من حركة الجماعة في المرحلة القادمة؟

** هذا رأي من يحلل ويتابع ويسعى لأن يرسم صورة تخضع للمعطيات التي توفرت لديه، ولست ضد ذلك على الإطلاق، فمن حق كل متابع أن يعرب عن وجهة نظره، ونحن نضع ذلك في عين الاعتبار، ونسعى لأن يؤكد الواقع صحة مسيرتنا وحقيقة خطواتنا، ولا نحجر على آراء المهتمين بالشأن الإخواني، ولكنّا نقول لهم: لا تحمِّلونا أوزار غيرنا في الحركات الأخرى ولا حتى أفرادًا كانوا معنا، وقالت قيادة الجماعة فيهم قول الفصل، وقيِّموا أداءنا، ولا تسقطوا علينا تصوراتكم وتخوفاتكم واستنتاجاتكم وتقسيماتكم أو افتراضاتكم، فالتقييم يكون للواقع والحقائق وليس الظنون والشبهات، وعلى سبيل المثال ما زال هناك بعد كل ما قدمنا من خدمات وصبر وتضحيات من يصر على وصفنا بالنظام الخاص والعمل السري.

وكذا بعد كل تصريحات الأساتذة المرشدين السابقين والمتحدثين الإعلاميين بأننا نريد حكومة مدنية ذات مرجعية إسلامية بنص الدستور؛ فإن هناك من يتهمنا، ويخوف الناس منا، ويصر على أننا نريد الحكومة الدينية بمفهومها الثيوقراطي ونحن من هذا براء.

* هناك سؤال تكرر كثيرًا؛ كيف يكون التطوير إذا لم يكن هناك إصلاحيون؟

** الإخوان كلهم إصلاحيون رافعون راية ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)﴾ (هود)، وماضون على أصول اتفقت عليها مصادر التشريع من قرآن وسنة وإجماع أهل السنة والجماعة، تنطلق شجرتنا من تربة مرويَّة بمداد هذه الأصول، وتنطلق الفروع لتجتهد في التنفيذ، وعندما نختلف على فرع تكون الشورى فاصلاً ليذوب رأي الفرد- حتى لو كان المرشد العام- في وعاء المجموع، وبالمناسبة ليس عندنا مرشد سري ومرشد علني، فنحن بفضل الله على قلب رجل واحد خلف مرشد واحد.

* قال بعضهم: “سيد قطب يحكم الجماعة”، واتَّهموا فضيلتكم بأنك قطبي، وأن مدرسة سيد قطب هي التي تسيِّر الجماعة حاليًّا.. ما تعليقكم على هذه الأقوال؟

** صاحب الظلال.. الأستاذ سيد قطب العالم والمفكر والأديب- رحمه الله- أحد أعلام جماعة الإخوان المسلمين التي أنجبت علماء ودعاة وسياسيين وتربويين، وهو واحد ممن ساهموا في البناء، ولا ينكر قدره إلا جاحد، ومن فضل الله على جماعتنا أن خبراتها تراكمية، ولا تقف عند حدود اجتهاد الفرد، بل هي محصلة لاجتهادات متواصلة، ومن ثَمَّ لم تحمل الجماعة اسم مؤسسها بعد استشهاده، ولم يكن فيها يوم تيار “البناءون أو الهضيبيون”، ولكن نحن “الإخوان المسلمون” نتحرك كجسد واحد فيه كل هذه الأجهزة والأعضاء والأنسجة لخدمة الأهداف السامية والإسلام الشامل الذي نحمل رايته نحن وكل المسلمين، أما الأستاذ سيد قطب فليسأل من أراد عنه كتاباته وإبداعاته ليقف على حقيقته بعيدًا عن التأثر ببعض وسائل الإعلام الموجه غير الحر، والذي لا يعرف لهذا الرجل قدره، ويحاول أن يؤثر على الصورة الذهنية عنه حتى يومنا هذا، ولو فاء القوم إلى رشدهم لأعادوا إلى هذا العالم قدره وبوءوه مكانته الحقيقية، فهو الذي كان يعمل مديرًا عامًّا للإذاعة المصرية بعد الثورة، ثم استقال وهو الذي عرضت عليه الوزارة فأبى، وهو الذي قدَّم نجيب محفوظ للجمهور المصري وعرفه به، فإذا أردتم أن تعرفوا قدره فاسألوا المنصفين من أصحاب رسائل الدكتوراه التي تناولت فكره وأدبه وتفسيره النفيس للقرآن الكريم، ومع هذا فهو بشر يصيب ويخطئ، ولم يدَّع لنفسه ولم يدَّع أحد له عصمة.

* كيف تقرءون تصرفًا كإقدام صحيفة (المصري اليوم) على نشر نصوص تحقيقات النيابة العسكرية معكم بعد مرور 45 عامًا عليها؟

** ليس معقولاً أو مقبولاً من أي كاتب أو جهة أن تستشهد بمحاضر محاكمة استثنائية، كان الجميع يعرف أنها نبتت في عصر من الظلم والجور الذي لم يطل الإخوان المسلمين وحدهم، بل طال كل تيارات المعارضة، ومحاولة إحياء تلفيقات كاذبة تحت التعذيب والقتل تمت في سالف العصر هي بمثابة اعتراف من ناشرها بشرعية ما تمَّ، وأظن أن هذا تصرف يُعد في إطار الشهادة، وعلى من يبغي الإدلاء بشهادته أن يتحرى الحقيقة؛ لأن صفحات التاريخ لا تغفل الافتراء حتى وإن كان بالشهادة، وسيأتي يوم تنكشف فيه الحقائق، ويكتب التاريخ كتابة محايدة منصفة، ولعلي أستطيع أن أعيد نشر شهادة واقعية صادقة رائعة لهذه الحقبة السوداء، سجلتها نونية فضيلة العلامة الشيخ يوسف القرضاوي جزاه الله خيرًا، وقد قام أساتذة أفاضل بنصرة الحق وبذكر الحقيقة جزاهم الله خيرًا أمثال: (أ. مختار نوح، ود. جاسم المهلهل، وأ. جمال سلطان، وأ. منتصر الزيات، ود. عمار علي حسن، وأ. ياسر الزعاترة، وأ. محمود سلطان وغيرهم).

قضية التربية

* فضيلة المرشد، كنت مسئولاً عن التربية في الجماعة، هل أنت راضٍ عن سير العملية التربوية في الجماعة رغم ما تعاني منه المجتمعات من أمراض اجتماعية وأخلاقية؟

** لأن التربية في الإخوان وسيلة بناء وتكوين دائمة ومستمرة، فدائمًا نحتاج إلى المزيد من الجهد لتحسين الأداء، والإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله قال: (نحن نريد: الفرد المسلم… والبيت المسلم… والشعب المسلم… والحكومة المسلمة… والدولة التي تقود الدول الإسلامية، وتضم شتات المسلمين وتستعيد مجدهم، وترد عليهم أرضهم المغصوبة ومقدساتهم المستباحة، وأوطانهم المسلوبة وبلادهم المغصوبة، ثم تحمل علم الجهاد ولواء الدعوة إلى الله، حتى تسعد العالم بتعاليم الإسلام)، وبالتالي فإن عماد البناء في مشروعنا النهضوي هو الفرد، وما عمل قسم التربية بما فيه من وسائل وأطر ومناهج إلا ترسًا من تروس ماكينة إنتاج الشخصية التي نريد، والتي لا تكتمل إلا بتكاملها مع باقي التروس؛ ليتحول المنهج إلى ممارسة وواقع، ومحاضن التربية في الإخوان المسلمين هدفها بناء الشخصية الإسلامية كلها وتقديم القدوة العملية لغيرهم، وهتافهم الدائم (الله غايتنا والرسول قدوتنا والقرآن دستورنا والجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا)، وهذا هو الأكثر بناء وقدرة على التأثير في المجتمع الذي لا تصح دعوتنا إلا بالانفتاح عليه؛ ليكون للتربية واقع ملموس بالممارسة، ويتحول الطبع إلى تطبع، والمنهج إلى حياة وحينئذٍ تثمر الشجرة فإذا قذفها بعض الناس بالحجر تلقي إليهم أطيب الثمر، ويصير الفرد الذي تستهدفه التربية الإخوانية ساعتها مواطنًا صالحًا، سواء أكان رجلاً أو امرأة.. شابًّا أو فتاةً… شبلاً أو زهرة… سياسيًّا أو واعظًا… فنانًا أو رياضيًّا، قالها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خير الناس أنفعهم للناس”، وكل المخلصين يشعرون أن غياب القيم الأخلاقية وظهور الأمراض الاجتماعية في شتى المجالات سببها غياب التربية السليمة على القيم والفضائل التي هي مشتركة في كل الرسالات السماوية.

* لكنَّ هناك اتهامًا للتربية الإخوانية بالانغلاق فهل توافقون على ذلك؟

** الحصار الخانق الذي فرض على هذه الجماعة المباركة سنين طويلة، حرمها من الانطلاق في المجتمع وحرم المجتمع من خيراتها، كما قال المرحوم عزيز صدقي رئيس وزراء مصر الأسبق عندما تأسف على هذه الجريمة التي استمرت سنين طويلة، أما الآن وقد شبت الجماعة عن الطوق وتغير العالم كله في عصر السماوات المفتوحة، والبشرية الآن كلها عطشى لهذه الدعوة وهذا الدين الذي ينتشر نوره في كل أرجاء الدنيا، فها هو نور الله لا يترك بيت مدر ولا وبر ولا حجر إلا دخله؛ لأن الله قضى وقدر ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، وعلى من يقولون بانغلاق التربية الإخوانية أن يراجعوا فهمهم للفكرة التي تستهدف السير على نهج إصلاح البشرية الذي رفعه قدوتنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه، والذي لاقى في سبيل الوصول للناس الكثير والكثير، فما زاد عن أن قال: “اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون”؛ لأن الله أرسله رحمة للعالمين أي لكل الكائنات من إنس وجن وحيوانات طيور، وحتى الجمادات كانت تحبه صلى الله عليه وسلم، وكذلك من يحملون الأمانة من بعده وعلى طريقه بإحسان إلى يوم الدين.

* وكيف تطوير المناهج التربوية في الجماعة؟

** التطوير عمومًا ليس في المناهج فحسب؛ بل ومعها الوسائل وآليات الحركة عملية ديناميكية مستمرة تسير دون توقف مع تطور خطط الجماعة على كافة محاورها التربوية والمجتمعية والسياسية والإدارية، والجماعة لا تألو جهدًا في سبيل التطور لتدارك ما فات وملاحقة المستجدات التي يفرضها الواقع.

* يقال إن الفترة الماضية طغت فيها الإداريات على التربويات ومن ثم كانت هناك حالة من الجفاف في الحركة الإخوانية.

** عندما يظهر مرض مثل هذا في فرد أو مكان فلا بد أن يراجع القائمون على الأمر طريقة إدارتهم للعمل؛ لأنه في الأصل التربية محصلة لحركة متكاملة روحية وإدارية وثقافية… إلخ، ربما يعوز الأفراد فيها أن يكونوا أكثر خبرة وقدرة على الموازنة والمواءمة؛ حتى لا يطغى جانب على آخر، لكني أعتقد أن المحاضن التربوية لو لم تكن تؤدي بنسب فوق الجيدة لما استطاعات الجماعة أن تصمد أمام حملات التضييق والسجن والاعتقال ومصادرة الأموال والنعسف والتشوية ومحاولات شق الصف، وهذا لا يعني وصولنا إلى مرحلة الكمال، وإنما المقصود هو أن يتأكد المربي والإداري أن التكامل بينهما أصل وليس مجرد مستهدف ورقي.

حتى الأعمال الإدارية إذا خلصت فيها النيات فإن السعي في مصالح المسلمين من خلالها يعدل الاعتكاف في المسجد النبوي الشريف كما يقول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم.

* وماذا عن غياب وسائل تربوية مثل الرحلة والمعسكر بسبب الحالة الأمنية ألم تتأثر التربية الإخوانية بهذا الغياب؟

** هذا هو دور التطوير والابتكار في الوسائل الذي يجعل من غياب وسيلة ما فرصة لاستحداث وسائل أخرى تتجاوز حدود الحظر، وتعوض هذا النقص وتبادل الخبرات، وتوريث الدعوة يمكن أن يتم عبر قنوات عدة، وأعتقد أن الميديا الجديدة كـ (الإنترنت) يمكنه أن يكون قناة تواصل متميزة.

وكذلك التربية الروحية على مائدة القرآن ولو بشكل فردي أو ثنائي وهو أحد الصور للتربية الإيمانية ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا للهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ وكذلك الأسرة فهي من زاوية محضن أساسي ومن الزاوية الأخرى أحد مراتب العمل.

* لكن الإنترنت هو ما أغرى أفرادًا عدة في الجماعة بالخروج بأسرارها للخارج؟

** لا يوجد عندنا أسرار وسائلنا وأهدافنا ولوائحنا وخططنا كلها منشورة ومتاحة للجميع، وتبقى إشكالية المدونات مثلاً أو منتديات الإنترنت تكمن في حب تجريب الوسائل الجديدة، وهو ما يحتاج لوقت لتنضج فكرته وتتضح صورته، وإن كان من أخطاء قد حدثت من البعض فهذا مردوده بالدرجة الأولى ليست لعيوب في الأشخاص، ولكن بسبب حالة القمع العامة للحريات في مصر والتي حرمتنا من وسائل تربوية تتيح الفرصة للتلاقي والتحاور المباشر؛ ولذلك فالحوار الداخلي بين أفراد الجماعة وأجيالها يجب ألا يتوقف حتى تتكامل الأفكار وينقح بعضها بعضًا؛ لنتغلب على المناخ السيء الذي يسود مصر كلها وأعتقد أن غياب الحوار عن الشعب المصري كله وحرمانه من حرياته تسبب في انسداد واحتقان قد تظهر آثاره بشكل كبير رغم صغر حجم المشكلة ولكن المناخ العام غير الصحي ينذر بالخطر.

* بعض المراقبين يقول إن هناك داخل الجماعة تيارًا سلفيًّا مؤثرًا في أفرادها وله مظاهره؟

** كل أفراد الإخوان ينتظمون في الصف مؤمنين بشمولية الدعوة؛ فالإخوان دعوة شاملة قال عن طبيعتها مؤسسها “نحن دعوة القرآن الحق الشاملة الجامعة فهي حقيقة صوفية وطريقة سنية ودعوة سلفية نقية: لإصلاح النفوس وتطهير الأرواح وجمع القلوب على الله العلي الكبير، وجمعية خيرية نافعة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتواسي المكروب وتبر بالسائل والمحروم وتصلح بين المتخاصمين، ومؤسسة اجتماعية قائمة: تحارب الجهل والفقر والمرض والرذيلة في أية صورة من الصور، وحزب سياسي نظيف يجمع الكلمة ويبرأ من الغرض ويحدد الغاية ويحسن القيادة والتوجيه”.

وسيظل من يقول ذلك عاجزًا عن رؤية الصورة كاملة طالما كانت رؤيته متحاملة الهدف منها هو البحث عن عيوب في الصورة لتشويهها، ونحن نقتدي بالسلف الصالح رجالاً ونساءً وهو ما نعتز ونفخر به، وهذا هو معنى السلفية الذي يحتاج إلى تصحيح المفهوم السائد في مجتمعاتنا عند البعض.

* فضيلة المرشد عبر الفترة من العام 1995م وحتى اليوم والجماعة تتعرض لحملات من الاعتقالات والمحاكمات الاستثنائية؛ بسبب ممارستها للعمل السياسي سواء داخل الجامعات أو المجالس المحلية أو النيابية وحتى النقابات، هل يمكن أن تفكروا في سحب الجماعة من الشارع السياسي للتقليل من هذه الضغوط؟

** ما حدث في عام 1965م من اعتقالات للإخوان دفعوا ثمنها من أرواحهم ودمائهم وحرياتهم، لم يكن سببها بأي حال من الأحوال الممارسة السياسية، وإنما كان مجرد العمل التربوي والدعوي، وكانا وقتها هما القدر المتاح ولم يكن مسموحًا للإخوان ولا لغيرهم النشاط السياسي، وبالتالي من يعتقد أن هذه الابتلاءات من 1995م وحتى الآن بسبب نشاط الحركة في المجال السياسي؛ فهو بحاجة إلى أن يعيد إعمال النظر في تصوره.

فنحن نسير بين الناس هاتفين فيهم يا قومنا: إننا نناديكم والقرآن في يميننا والسُنة في شمالنا، وعمل السلف الصالحين من أبناء هذه الأمة قدوتنا، وندعوكم إلى الإسلام وتعاليم الإسلام وأحكام الإسلام وهدي الإسلام، فإن كان هذا من السياسة عندكم فهذه سياستنا، وإن كان من يدعوكم إلى هذه المبادئ سياسيًّا؛ فنحن أعرق الناس والحمد لله في السياسة، وإن شئتم أن تُسموا ذلك سياسةً فقولوا ما شئتم فلن تضرنا الأسماء متى وضحت المسميات وانكشفت الغايات.

وأحب أن أُذكِّر من يتصور هذا أن حكوماتنا المتعاقبة قد قامت بإغلاق العشرات من مدارسنا وجمعياتنا الخيرية ومستوصفاتنا وحضاناتنا التي أنشأناها خدمةً لأبناء مجتمعنا المصري، فهل هذه ممارسات سياسية تستحق العقاب؟!، ورغم كل هذا فإننا سنتبنى- بعون الله- حملةً مليونيةً لمحو الأمية نحمل فيها الخير والنور لأمتنا المصرية.

* إذن.. ماذا عن اقتراح أن يكون الانغلاق على الذات لإعادة ترتيب البيت من الداخل؟

** الحركة والعمل هما ما يرتبان البيت من الداخل، ولا يمكن أبدًا أن يظل الاستبداد واقفًا ليشاهدك وأنت ترتب البيت من الداخل لتخرج له بعدها أقوى، هذا محض خيال!، ومِن رحم الأزمات تتولد الإبداعات، والإخوان تصنعهم الشدائد وتصقل هممهم، وتتفاعل لتوسع من دوائر علاقاتهم، كما أنها تُجلي صفهم وتمحصه، لتجرد النفس من الهوى وطلب المغنم؛ لأننا لا نطمع أن نحكم بالإسلام بل نسعى لأن يحكمنا الإسلام مؤمنين بقوله تعالى ﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21)، وقوله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (الطلاق: 3).

* لكن وجود الإخوان في الحياة السياسية أثر عليها، وشلَّ النقابات ودفع النظام لتقنين تزوير الانتخابات وغيره من مظاهر شملت حتى النوادي الرياضية والجمعيات؟

** هل نحاسب على إيجابيتنا وتفاعلنا ضد الفساد والاستبداد، وهل من المعقول أن نبحث عن مبررات للظلم والتقصير في حق المجتمع كله، والتي عانى منها الإخوان وغيرهم من شرفاء هذه الأمة، وهذه آراء لا تعبر إلا عن سلبية وتبعية يرفضها الإخوان جملةً وتفصيلاً، فلا يتصور عاقل أن اكتساب الإخوان ثقة الناخبين في النقابات أو النوادي والاتحادات أو أية انتخابات أخرى، وعدم قدرة النظام على مواجهة نشاطهم بشرف تعطي له مسوغًا لتجميد نشاطها، أو تزوير نتائجها، هذا ليس له إلا مسمى واحد “استبداد وظلم”، ولقد أُمرنا أن نواجه الظلم، وأن نصدع بالحق في وجهه، وخير الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر.

وأدعو من يتبنى هذه الرؤى والأفكار من غيرنا ومن خارج النظام ألا يركن إليها؛ لأنها تدخله في دائرة تبرير الاستبداد، وأظنها مرتبة أدنى من السكوت على الحق، والله عز وجل كلفنا السعي ولم يكلفنا النتائج، وقال لنا في القرآن عندما يحاول البعض تثبيط همتنا ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، فماذا كانت النتائج ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ﴾، ولم يقل حتى غيروا السوء، واختتم جل في علاه بقوله ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (الأعراف: 164- 165).

* معنى هذا أن موقفكم من المشاركة في الانتخابات القادمة هو نفس الموقف السابق من الجماعة بالمشاركة؟

** نعم المشاركة عندنا استراتيجية أصيلة، ولا تعني إلا شيئًا واحدًا، وهو إصرارنا على التمسك بدعوتنا وروحها الإصلاحية، ويبقى قرار المشاركة من عدمه وكذا حجم المشاركة في أي انتخابات مرهون بظروفها وملابساتها، فلكل مشاركة ظرفها الحاكم.

* هل يمكن القول إن القرار محكوم بالظرف أم بطبيعة الصفقة مع النظام والتي لم تتضح ملامحها بعد؟

** هذا هو ما يسمونه بعبثية التصور، فلو كانت هذه الأساليب هي التي تسير ركب الإخوان لما أُزهقت روح الإمام البنا على قارعة الطريق، وتحت سمع وبصر كل الدنيا تحت إرهاب أجهزة الدولة، وإذا كان للإخوان حظ من هذه الأساليب الملتوية لما نالهم ما نالهم من بطش الزبانية في السجن الحربي وغيره من سجون مصر ومعتقلاتها في طول البلاد وعرضها، والذي استمر منذ اغتيال الإمام البنا وحتى يومنا هذا، ولولا أن الإخوان يؤمنون بأن الغايات النبيلة لا تستخدم إلا وسائل مثلها لعقدوا صفقات، وأداروا ملفاتهم بالبرجماتية السياسية كما يفعل غيرهم.

محاولات شق الصف

* النظام ترك الإخوان يديرون ملف انتخاباتهم الداخلية بحرية غير معهودة لماذا؟

** النظام لم يقصد بما فعل تمكين الإخوان من إجراء انتخاباتهم بحرية، وإنما كان يراهن على شق الصف وبمحاولات مستميتة ليفت في عضد الجماعة، وعندما وجد نفسه قد فشل في مستهدفه عاد إلى ممارساته المعهودة وأساليبه المفلسة بتلفيق الاتهامات، واعتقال الشرفاء، وترويع الآمنين بالمخالفة للدستور والقانون، وعدم احترام أحكام القضاء السابقة، والتي برَّأت هؤلاء جميعًا من التهم نفسها التي يُسجن الإخوان بسببها!.

* فسر البعض حواركم للجزيرة وحديثكم عن موضوع التوريث على أنه مهادنة للنظام.

** إنها التفسيرات الخاطئة التي تحكمها الأهواء، وتؤثر عليها الرغبات في تشويه صورتنا، موقفنا من هذا الموضوع واضح تمامًا، وهو أن كل مصري يريد أن يخوض الانتخابات فعليه أن يتوجه لصندوق الانتخابات النزيه، والمراقب والبعيد عن الشبهات؛ ليكون فيصلاً بين رغبته وإرادة الأمة، أما بأية وسيلة أخرى فهذا ما لن يقبله الإخوان، وفي ظل الدستور الحالي وممارسات النظام الظالم وعدوانه على الحريات العامة لا يمكن أن نتوقع انتخابات حرة ونزيهة؛ ولذلك فإننا نسعى مع غيرنا من المخلصين لهذا الوطن لتحقيق الإصلاح الدستوري والقانوني والسياسي المنشود.

* ألا يوجد عند الإخوان أية نية لفتح باب الحوار مع النظام؟

** النظام هو الذي لا يريد الحوار مع أي أحد، وهذا من طبائع الاستبداد القديمة لا يسمع إلا صوته ولا يرى إلا ذاته، وما أعنيه أن على النظام أن يتحمل مسئولياته تجاه المرحلة الراهنة، ويتوجه بخطابه إلى الشعب بفصائله المختلفة، ويفتح باب الحوار الوطني الحقيقي؛ لأن المشروع الصهيوأمريكي فوضوي ويستهدف كل المقدرات، ولا يوجد لمواجهته سبيل إلا التترس بالشعوب، وأنا مشفق على النظام من البقاء وحيدًا في هذه المواجهة التي تعرضه لضغوط لن يتحملها منفردًا، وتبعاتها لن تطاله منفردًا.

وعلى المسئولين في هذا النظام أن يكونوا صادقين مع الشعب، ويعيدوا له حريته وإرادته ويحترموا اختياره، وينزلوا على رغبته؛ حتى تصبح الأمة بحق هي مصدر السلطات إن كانوا صادقين.

وأذكر كل مسئول في هذا البلد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب الدعاء المستجاب يقول “اللهم من ولي من أمر أمتى شيئًا فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه”، فليختر كلٌّ لنفسه إما أن يدعو له رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أن يدعو عليه.

أعضاء الإرشاد السابقون

* الحديث عن واقع الجماعة بعد الانتخابات الأخيرة في مكتب الإرشاد يفرض أن نتساءل عن علاقة الأعضاء السابقين فيه بالمكتب حاليًّا!.

** الجماعة تحرص دائمًا على الاستفادة بطاقات وإمكانات وخبرات كل أبنائها، على اختلاف أعمارهم ومواقعهم، بل هي حريصةٌ على الاستفادة من خبرات كل مخلص خارج الجماعة؛ فالحكمة ضالَّة المؤمن أينما وجدها فهو أولى بها، وانظر إلى المناسبات التي يشارك فيها الإخوان من أفراح وأتراح؛ لتجد شبابًا وشيوخًا وكهولاً يجمعهم الحب في الله، ولا توجد بينهم فوارق إدارية، ولا مناصب تنفيذية، فمنْ كان في القيادة كان، ومنْ كان في الساقة كان، هذا هو سرُّ الأخوَّة التي تميِّز جماعتنا.

ولئن كان فضيلة الأستاذ محمد مهدي عاكف قد استطاع أن يسنَّ سنةً تتجاوز واقع الحظر؛ فإن له في القلوب مكانةً ومنزلةً، وكذلك إخواننا الأفاضل الدكتور محمد حبيب، وفضيلة الشيخ محمد عبد الله الخطيب، والأستاذ لاشين أبو شنب، والأستاذ صبري عرفة، والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، وغيرهم من أعضاء المكتب الحالي، وكل أخ على ثغر في هذه الدعوة المباركة.

وربما كانت الجماعة بحاجة إلى أن تمر بهذه التجربة لتضيف إلى رصيد خبراتها خبرةً جديدةً، هي القدرة على التجديد في هياكلها، وتحمُّل تبعاته وابتكار الوسائل والآليات الجديدة، وللعلم فإن التحرر من قيود الواجبات الإدارية يطلق طاقات البحث والدراسة، وتقديم المشورة والاقتراحات لتحسين أداء الجماعة، وأنا- بفضل الله- أستشير عددًا كريمًا من الأساتذة والإخوة والأفاضل من خارج المكتب ومن خارج الهيكل الإداري؛ بل ومن خارج الجماعة، ومن إخواننا المسيحيين ليكونوا أعوانًا لنا على أداء رسالتنا لخير مصر ولخير العالم أجمع.

* معنى هذا أن الجماعة وصلت إلى مرحلة تمام الأداء وتكامل الخبرات!.

** لا أقول هذا ولا يجب أن يقوله أحد إلى قيام الساعة، ولو قامت القيامة وفي يد أحدنا فسيلة فسيغرسها، فنبتة هذه الدعوة تنمو كلما مرَّت عليها السنون، وتقوَى بالممارسات المختلفة، وتقوِّم مسارها، والله يبارك في عملنا ببركة النزول على رأي الأغلبية.. إنها الروح التي يجب أن تحكم المسلمين؛ ولذا انصاع سيف الله المسلول خالد بن الوليد- رضي الله عنه- لقرار القيادة بترك إمارة الجيش، وهو الذي جهَّز خطة المعركة وسلَّمها لأبي عبيدة عامر بن الجراح- رضي الله عنه- وببركة التجرد كان الانتصار.

لا يهمُّ في دعوتنا من يشغل مقعدًا في القيادة، ولكنَّ المهم هو تسيير الركب، والركب يسير بكل أفراد الإخوان حتى أصغر شبل في الجماعة، ولا ندري بركة منْ هي التي تتنزَّل علينا الرحمات بسببها، وكذلك الدعوات الصالحات من كل المؤمنين والمؤمنات، يلهمنا الله عز وجل بها التوفيق عندما يتكرَّم بقبولها.

الإخوان والقيادات النسوية

* هناك أصوات نسائية تطالب أن يكون للأخوات نصيبٌ في القيادة، فما رأيكم؟

** هناك أصواتٌ تبحث عن أي باب تنال به من الجماعة؛ فأخواتنا فاعلاتٌ في كافة مستويات الجماعة، ولا يعني كونهن معفياتٍ من بعض المهام الإدارية لرفع الحرج عنهن أنهن معفياتٌ من العمل، والمشكلة في التعامل مع المرأة مشكلة النظام لا الإخوان، وأعني أن النظام حريص على أن يضع الإخوان في هذا الإطار، بل ويقف دون نجاح رموزنا النسائية في الانتخابات التي كان يقف خلفها جموع الإخوان، شيوخًا وشبابًا ونساءً، فمنْ تحديدًا الذي لا يعطي للمرأة حقها؟!، ومنْ الذي يروِّع الزوجات والأمهات والبنات في جوف الليل دون مراعاة لحرمتهنَّ، ولا احترام للإنسانية، فضلاً عن مخالفة الدستور والقانون والأعراف الإنسانية العامة.

* ما أهم الأولويات التي أضفتها فضيلتكم على أجندة عمل الجماعة منذ تولِّيكم المسئولية؟

** أن أُتمَّ ما بدأ، وأواصل السير في ركب الجماعة، وللجماعة خطتها المرحلية التي تمَّ اعتمادها منذ قرابة عامين، والتي تنتهي دورتها في 2012م، وهذا يعني أن تغيير الأشخاص لا يعني عندنا تغييرًا في الرؤى والإستراتيجيات، وإن كنت أتمنَّى- ومعي إخواني جميعًا- أن تزداد الروح الإيمانية بالتربية القرآنية وبالسنة النبوية الشريفة، وأن نجمع شمل كل الإخوة، بل وكل المخلصين من أبناء مصر للنهوض ببلدنا الغالية؛ لأنها تستحق أفضل مما هي فيه بكثير، وكذلك الاهتمام بقضايا أمتنا العربية والإسلامية، وعلى رأسها- وفي القلب منها- فلسطين الحبيبة.

* كيف ترون مستقبل المنطقة في ظل تردِّي الأوضاع في العراق وزيادة القلاقل والفتن، سواءٌ في اليمن أو الصومال والسودان، إضافةً إلى القضية الفلسطينية؟

** المشروع الصهيوأمريكي تتسارع خطواته، وهو في العراق في مأزق حقيقي، فلم يتحقق من نظرية (الفوضى الخلاقة) إلا شقّها الأول (الفوضى)، وبالتالي مطلوبٌ أن يرتفع الوعي الشعبي الإسلامي والعربي بخطورة هذا المشروع على أمن الفرد قبل الوطن كله؛ لأن أي تغيير قادم على المجنزرات والمصفَّحات وحاملات الجنود والطائرات لا يمكن أن يستهدف الإصلاح والتحرير وإنما الاحتلال والسيطرة.

ولم يعُد مقبولاً من الأنظمة العربية والإسلامية أن تكتفي بدور المتلقي والمتفرج، بل وأحيانًا السائر في ركب المشروع دونما نظر لتبعاته، وعلى الشعوب أن تواجهه متبنيةً المقاومة والممانعة ضد هذا المشروع برفض عامٍّ وشعبيٍّ لكل أشكال الهيمنة الصهيوأمريكية؛ لسبب بسيط؛ هو أن هذه الشعوب هي التي تدفع الفاتورة.

أما القضية الفلسطينية فهي تتعرَّض حاليًّا لمؤامرة مستمرة عن طريق جرِّ بعض ممثليها لمفاوضات غير مشروطة، والتفاوض من أجل التفاوض لن يؤدي إلا إلى تنازل وخسارة؛ ولذا على المفاوض الفلسطيني أن يدرك أن الجدار الذي يركن إليه في تفاوضه هو المقاومة، فلينسَ الجميع- بجميع ألوان طيفهم- خلافاتهم، وليجلسوا على مائدة واحدة، زادها الحق الفلسطيني الأصيل، وغير مطلوب من الأنظمة العربية إلا أن توحِّد جهودها للدفاع عن مقدساتها، ولمّ الشمل الفلسطيني، ودعم المقاومة، وألا تنخدع بوعود العدو الصهيوني الذي لا يحترم أيَّ عهد أو مواثيق، ويستمر في التهويد و”الاستيطان”، وكانت آخر جرائمه ضم الحرم الإبراهيمي ومسجد بلال بن رباح إلى الآثار اليهودية، وتنفيذ العملية الخسيسة باغتيال المجاهد محمود المبحوح، كما أنني أطالب الجميع بعدم الركون إلى الإدارة الأمريكية المتربِّصة دائمًا، والمنحازة إلى الصهاينة على طول الخط.

* الإخوان متهمون بالانحياز لحماس فيما يخص الشأن الفلسطيني؟

** الإخوان منحازون للقضية الفلسطينية والمقاومة، وفي القلب منها حماس وباقي الفصائل المجاهدة، وقد دفعوا ويدفعون ثمن هذا الموقف من حياتهم وحريتهم؛ فنحن نؤمن أن السبيل لحل القضية الفلسطينية هو المقاومة، وأن الحق الفلسطيني لا يتجزأ على مستوى القدس والحدود والعودة، ومن يسعى لغير ذلك أو للتفريط في شيء منه فنحن لا نتفق معه، وننصحه ونوجهه ونرده إلى أصل الحق، و”حماس” قدمت وتقدم الكثير لصالح القضية الفلسطينية، وتتحمل في ذلك الكثير حسبة لله تعالى، ولكن حماس في نفس الوقت تدير أمرها بما يتناسب والواقع الذي تعيشه، ومسئولية القضية الفلسطينية التي تتحملها مع باقي فصائل المقاومة.

* كيف تقيِّمون ما يحدث من تفاعل في الشارع السياسي المصري والدعوات لمراقبة الانتخابات دوليًّا والزج بأسماء بعينها للترشح للرئاسة؟

** جماعة الإخوان المسلمين تمارس كل أعمالها، وتبني آراءها طبقًا للمبادئ والأصول الإسلامية المعروفة في كل المجالات، ولذلك أحب أن أؤكد عدة أمور:

1- يمد الإخوان يدهم لكل العاملين للإصلاح في هذا البلد؛ لنتفق على حد أدنى عام للإصلاح مثل: (إلغاء القوانين الاستثنائية وحالة الطوارئ- فتح باب حرية تشكيل الأحزاب وإصدار الصحف- الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات)، ولنضع سويًّا أجندة عمل لتفعيل ما نتفق عليه.

2- من حق كل العاملين لصالح هذا البلد أن يطالبوا بالإصلاح بالطريقة التي يرونها دون حجر على رأي أو إقصاء لفصيل.

3- الحديث عن المرشحين لانتخابات الرئاسة القادمة سابق لأوانه، والمهم ليس أبدًا في اسم من يترشح وإنما في المواد الدستورية والقوانين والآليات التي ستحكم وتدير هذه الانتخابات وغيرها من انتخابات، وهذا هو ما ينبغي أن ننشغل به حاليًّا، خاصة أن المؤشرات التي أديرت بها بعض الانتخابات الأخيرة كمجلس الشورى وتكميليات الشعب لم تكن تنبئ إلا بإرادة مستبدة من النظام في الإقصاء لكل معارض ومصلح.

* لكن بعض القوى السياسية تعلن رفضها التواصل مع الإخوان بدعوى أنها جماعة محظورة أو غير ذلك من دعاوى

** هذه رؤية خاطئة؛ حيث إن من يتصدى للعمل العام والإصلاح يجب ألا يقصى أحدًا؛ فالإصلاح لا يمكن أن يقوم على فصيل بمفرده، وعلى أية حال فإن أبواب الجماعة مفتوحة للجميع لنتعاون من أجل تحقيق مصالح الوطن العليا، وفي مقدمتها الحريات العامة للجميع، وما أجمل هذه الكلمات: (نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه).

* كيف يرى المرشد العام الثامن للإخوان الإعلام والإعلاميين؟

** أتوجه إلى كل العاملين في هذا الحقل بالتحية، وأراهم أمل هذه الأمة في نشر الحقيقة والتصدي للفساد والاستبداد، وأقول لهم تذكروا أمانة القلم الذي أقسم به الله وحال تذكركم اعلموا أنه ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق: 18)، واستوثقوا قبل أن تكتبوا حتى لا تصيبوا قومًا بجهالة.

* بمناسبة هذا الحوار عبر (إخوان أون لاين) ماذا تحب أن تقول لإخوانك وأخواتك على الدرب؟

** إخواني وأخواتي أينما كنتم.. إنها دعوتكم حياتكم.. دنياكم وأخراكم.. والواجبات فيها أكثر من الأوقات.. وإيقاع العصر أسرع.. ووسائل التواصل أمضى؛ فليكن لكم من الزاد ما يعينكم على الجد في السير والسعي للخير، موقنين بـ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ (البقرة: من الآية 197)، وكونوا كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن لله عبادًا اختصَّهم بقضاء حوائج الناس، كل الناس، حبَّبهم في الخير، وحبَّب الخير إليهم، هم الآمنون يوم يفزع الناس”، ولكن لا فعل بغير طاقة، وليس أفضل من المحطة الربانية للحصول على هذه الطاقة.. ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ (البقرة: من الآية 197) ولا تحملنكم وعورة الطريق على اليأس؛ فإن أصحاب الدعوات لا يعرفون اليأس، والقانطون ليس لهم مكان على درب الإصلاح.. ﴿وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ (يوسف: من الآية 87)

وتذكَّروا دومًا أن سرًّا من أسرار قوتكم هو كونكم إخوانًا؛ فالزموا أخوَّتكم واجعلوها سلوكًا لا شكلاً وواقعًا، لا حلمًا؛ ليقوى صفُّكم، ويحولَ دون أن تتسلَّلَ إليه عللُ الوهن والشك, واملكوا من أدوات الواقع ما يعينكم على الاقتحام والإمساك بزمام المبادرة، محقِّقين في كل مجال حياتيٍّ ريادةً يستوي فيها العامل والموظف مع الطالب مع العالم الأكاديمي والحرفي والمهني وربة المنزل..

ولتكن لفكرتنا بكم وسائل إعلام متحركة، تشرح وتوضح وتردُّ، وتشحن الهمم، وتُحيي موات القلوب، وتفتح مغاليق العقول؛ فأنتم- كما وصفكم مؤسس هذه الجماعة المباركة- “روح جديد يسري في جسد هذه الأمة ليحييه بالقرآن”، جعلكم الله هداةً مهديِّين، لا ضالِّين ولا مضلِّين، وأبشروا ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص: 5).

وأخيرًا لا آخرًا مع خالص تحياتي ودعواتي بالتوفيق لكل العاملين في مواقعنا، وكل المتعاملين معها.

أجرى الحوار الأستاذ/ عبد الجليل الشرنوبي مدير موقع إخوان أون لاين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*