الجمعة , 24 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

رسالة المرشد العام: سيبقى الأقصى ما بقيت الدنيا

رسالة من: أ. د. محمد بديع- المرشد العام للإخوان المسلمين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن والاه، أما بعد،،

القدس زهرة المدائن، وبسمة الأماكن، ليلها صلوات وابتهالات، ونهارها كدح ودعوات، وتاريخها هو تاريخ الرسالات وتضحيات المرسلين، سلَّمها النبي إلى النبي والرسالة إلى الرسالة؛ حتى تسلَّمها محمد صلى الله عليه وسلم من جميع الأنبياء في حفل باركته السماء، وعلى أبوابها استُشهد الأبطال، وفي ساحاتها استبسل صناديد الرجال المؤمنين، وعلى أبوابها يتصارع الحق والباطل صراعًا مريرًا قد يربح الباطل جولاته الأولى، ويحسم الحق في جولاته الأخيرة.

ثوابت لا تفريط فيها:

* فلسطين والقدس جزء من عقيدة الأمة الإسلامية، والتفريط فيها تفريط بكتاب الله، وحضارة الأمة وعقيدتها.

* قضية فلسطين أمانة في عنق كل مسلم، والانتصار لها واجب، والدفاع عنها فريضة، والتفريط فيها جريمة.

* التودد للصهاينة ومن والاهم، والتعامل معهم؛ حرب لله ولدينه وللمسلمين، مصداقًا لقول الله: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63)﴾ (النور).

* الجهاد لاسترداد فلسطين والأقصى فرض عين على جميع المسلمين، فالجميع مطالبون بصيانة المقدسات وحمايتها، وفي مقدمتها أولى القبلتين وثالث الحرمين، ومسرى النبي ومعراجه.

شكر مرفوض وتخاذل ممجوج

إن من نكد الدنيا على المرء أن يمر عليه يوم مثل الثالث من مارس الجاري، والذي قام فيه “نتنياهو” رئيس وزراء الكيان الصهيوني بتقديم (الشكر) إلى زعماء العرب على موقفهم المشرف؟! وأيضًا السيدة “هيلاري كلينتون” التي أعربت عن امتنانها ورضاها عمَّا اعتبرته موقفًا عربيًّا (شجاعًا)، وذلك بعد سكوتهم وتخاذلهم والامتناع؛ حتى عن الشجب والاستنكار لقرار ضمِّ الحرم الإبراهيمي في الخليل ومسجد بلال في بيت لحم إلى “إسرائيل”، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الدولية، هذا الذي حدث في الضفة الغربية تحت سمع وبصر السلطة الفلسطينية في رام الله، يتزامن مع الجهد الذي يُبذل؛ استعدادًا لبناء هيكل سليمان فوق أرض المسجد الأقصى، والذي يمثل يوم 15 مارس الجاري إشارة البدء لـ”حملة بناء الهيكل”.

للأقصى رب يحميه وسواعد تفديه

يصعِّد الكيان الصهيوني إلى الهاوية كلما اقترب أكثر من تحقيق فكرة بناء الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى.

ففي أعقاب مذبحة ساحة الأقصى (8/10/1990م) ظهر عالم الآثار الصهيوني “جوزيف سيرج” على شاشة التليفزيون الفرنسي ليقول: “إن “إسرائيل” ستبدأ قريبًا جدًّا في إقامة الهيكل الثالث على أنقاض المسجد الأقصى الذي تستطيع “إسرائيل” تصديعه باستخدام التكنولوجيا الحديثة, وبعدها بأيام في شهر نوفمبر أعلن “شامير” رئيس الوزراء الصهيوني آنذاك، معلقًا على المذبحة: “لقد حان الوقت كي تمتد حدود “إسرائيل” من البحر إلى النهر”، وفي سبتمبر 1991م أعلنت جريدة (هاحدشوت) أن حركة “أمناء جبل الهيكل” ستقوم بوضع حجر الأساس- الذي يبلغ وزنه 6 أطنان ملفوفًا بعلم “إسرائيل”- إلى مكانه في الحرم القدسي.

ولا غرو… فمن أوفى بوعده ووعيده وقضائه من الله تعالى، إذ يقول جل شأنه: ﴿إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)﴾ (الحج).

فأين ذهب “شامير”؟ ذهب إلى الجحيم، تلاحقه اللعنات، وخاب أمناء الهيكل، فلم تتحقق غايتهم، وقد رأينا بأم أعيينا مؤخرًا كيف قام الرجال والنساء والشباب من أبناء فلسطين بمواجهة الجيش المسلح بصدورهم العارية وسواعدهم العزلاء من السلاح؛ سوى سلاح الإيمان والعقيدة والتصميم على الجهاد والاستشهاد.

وصدق فيهم قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)﴾ (آل عمران).

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما وصفهم بقوله: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، يقاتلون على أبواب بيت المقدس، لا يضرهم خذلان من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك“.

عندما انتُخب “شارون” رئيسًا للوزراء، وأعلن تصريحه الشهير بالقضاء على الانتفاضة في خلال مائة يوم، مضت الانتفاضة في طريقها، واشتد عودها يومًا بعد يوم، وأحدثت في حينها ضربة هائلة لنظرية الأمن الصهيوني، وأعادت الثقة في قدرة الشعوب على استخلاص الحقوق ومواجهة العدو الغاصب، وأكَّدت للزعامات الخائرة أن دوام الحال من المحال؛ فأين ذهب شارون؟ إنه يرقد حتى الآن في غيبوبة بين الموت والحياة، لا يدري من أمره شيئًا ليتحقق فيه وعد الله ووعيده.

العرب يوفِّرون الغطاء للصهاينة

لقد كان مطلوبًا أن يغض العرب الطرف عن مخططات تهويد القدس، واقتحام المسجد الأقصى، وسرقة الحرم الإبراهيمي ومسجد بلال، وسرقة وهدم بيت المقدس، ونسيان العدوان على غزة، وما أصابها من خراب وتدمير، وهي ما زالت صابرة على الحصار والتجويع، ولإخراج المشهد المخزي كان على جامعة الدول العربية أن توفر الغطاء أو العباءة، فقامت بتمديد حق الرئيس محمود عباس في التفاوض مع الكيان الصهيوني لأربعة أشهر!!!

وإن المرء ليعجب منذ متى يقيس العرب قراراتهم بالشهور؟!!

ومنذ متى يحتاج عباس إلى إذن عربي، وهو الذي أذن لـ”إسرائيل” بأن تنفرد به عندما قرَّر في أوسلو الخروج عن وفد مدريد العربي الموحد؟!!

ولماذا هذه العباءة العربية؟!!

ولماذا على أبواب قمة طرابلس؟!!

ولماذا وسط الاستياء الأوروبي من تزوير “إسرائيل” جوازات سفر ست دول من دولها؟!!

ولماذا بعد قمة الأسد- نجاد؟!!

ولماذا مع هدم بيوت أهالي القدس؟!!

ولماذا مع رصد ميزانيات جديدة لمستوطنات “إسرائيلية” في الضفة؟!!

وهكذا نرى أن عباءة الجامعة العربية واسعة فضفاضة، فهي تغطي “نتنياهو” من دم المبحوح، وتغمر بالدفء برودة معالجة الدول الأوربية؛ لاستعمال “إسرائيل” جوازات سفر رعاياها بصورة غير شرعية في اغتيال شهيد المقاومة في دبي, وتخفي المبادرة العربية الطاعنة في السن، والمطعونة في ظهرها “إسرائيليًّا” وأمريكيًّا؛ بحيث يصعب سحبها في قمة طرابلس المقبلة… لقد أصابت “إسرائيل” عدة عصافير بحجر عربي واحد..

في مواجهة التحديات:

* أمتنا أمة عظيمة، يظهر معدنها في أوقات المحن والشدائد، ولا بد من إستراتيجية طويلة المدى، تنبع من عقيدة الأمة وهويتها ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138)﴾ (البقرة).

* إن وحدة الأمة ووحدة العمل الإسلامي ووحدة القيادات والمنهج ضرورة شرعية وحياتية لمواجهة التحديات.

* لا بد من أن نمتثل لأمر الله؛ حيث قال: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ (60)﴾ (الأنفال).

مهما علت “إسرائيل” فإنها إلى زوال

رغم امتلاك “إسرائيل” ترسانة من الأسلحة النووية، ورغم احتضان أمريكا لها، ورغم التنازلات العربية؛ فإنه لن يتوفر لها الأمن والأمان على أرضنا المحتلة، فهي ظاهرة مؤقتة وإلى زوال، والشواهد على ذلك كثيرة:

– فقد أخبرنا الله عزَّ وجلَّ في سورة الإسراء أن الصهاينة سيعلون في الأرض مرتين علوًّا كبيرًا.. وها نحن نلمح العلو الثاني والأخير الذي سيسلط الله فيه عليهم من يسومهم سوء العذاب؛ جزاء تطاولهم على الله، واستهانتهم بالحرمات والمقدسات، فيقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7)﴾ (الإسراء).

وانطلاقًا من سنة الله في التداول، وهلاك الأمم بسبب الظلم والعدوان والطغيان يقول تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)﴾ (الأنعام)، ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا (59)﴾ (الكهف).

– تعاني “إسرائيل” حالة التقهقر، بعد أن لحقت بها هزائم عسكرية متتالية، ابتداءً من حرب 73، مرورًا بالانتفاضة الأولى (87) والانسحاب من جنوب لبنان، والانتفاضة الثانية (2000)، وانتهاءً بخسارة الحرب أمام حزب الله في لبنان، وانسحابها المذل من غزة دون أن تحقق أهدافها.

– الانقلاب الديموجرافي المتوقع لصالح السكان العرب، أو ما يسمونه “القنبلة البيولوجية”، والذي تزيد فيه مواليد الفلسطينيين عن الصهاينة بنسبة 7: 1، والذي دعا الكيان الصهيوني لإعلان مسمى “الدولة اليهودية” كإجراء استباقي لتهجير السكان العرب وغلق باب حق العودة لأراضي 48.

– بشارة الرسول صلى الله عليه وسلم- وهو يعطينا الأمل- بحدوث معركة فاصلة بين اليهود والمسلمين يكون النصر فيها للإسلام والمسلمين، فقال صلى الله عليه وسلم: “لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهود من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله، إلا الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود“.

ومن هنا نقول.. إن “إسرائيل” إلى زوال، وأن الأقصى سيبقى ما بقيت الدنيا، يقول تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ (17)﴾ (الرعد).