الأربعاء , 22 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

اللهم أَمتنَا رجالاً..عبد الجليل الشرنوبي

ثم كان كنيس الخراب.. في أيام الخراب.. وهمم الخراب.. وإستراتيجيات الخراب.. وسياسات الخراب.. وإعلام الخراب.. ومؤتمرات الخراب.. واتفاقيات الخراب، و…

فجأة رأيتني قزمًا.

فجأة رأيتنا أقزامًا.

فجأة لم أر حكوماتنا ولا حكامنا.

فجأة رأيت على الوجوه يخيم الخزي، وفي العقول يعشش غراب “الهوان”، وعلى الصدور رُسمت لقيمات العيش أعلامًا، والوظائف أوطانًا، والمستقبل رواتب، والمقدسات أرائك وأسِرةً وعروشًا وكروشًا!!

إنها الحقيقة التي نهرب كلنا منها، والعار الذي نرتدي جميعًا ثيابه التي تعري ولا تستر.
شاهدت، وشاهدتم، وشاهد العالم كله، (صبية فلسطين) يواجهون بصدور عارية، وأيادٍ خالية، وبمصمصات شفاهنا آلات الوحشية الصهيونية الزاحفة لسرقة أرضنا، ومقدساتنا، وبقايا رجولتنا.

وغير أني نسيت ونسيتم، ونسي العالم كله أن (صبية فلسطين) هؤلاء الذين ينسحقون تحت وطأة أحذية العدو الصهيوني، وأدوات لصوصيته؛ بشر تنطبق عليهم قوانين البشر، ويستحقون أن تحترق مشاعرنا لأجل آلامهم من أثر هراوات العدو الساقطة على عظامهم.

وتابعت، وتابعتم، وتابع العالم كله تصريحات الإدارة الأمريكية التي أكدت فيها وزيرة خارجيتها أنها لن تتخلى عن دعم أمن الكيان الصهيوني، وتوالت تصريحات أجنحة النظام الأمريكي، تؤكد كلها أنها لن تنتقد الكيان الصهيوني حتى لا يشمت فيه أعداؤه!!

ويبدو أن حالات المواجهات التي تتم في الشارع العربي والإسلامي بين نظم الاستبداد، ودعاة الإصلاح من سحل للمتظاهرين، وضربهم بالهراوات، وصعقهم بالكهرباء، وتعليق معتقليهم، وتعريتهم، وغيرها الكثير والكثير من أدوات القمع الموجهة صوب الشعوب العربية والإسلامية؛ أعطت مبررًا للعدو الصهيوني ليفتك، ويسرق، ويسلب، ويقتلع، ويهدم، ويدنس دون أن يرى فيما يفعله بالشعب الفلسطيني، ومعه مقدساتنا.. أي خطيئة؟!

فما الفرق بين سحل المنتفضين في ساحة الأقصى، وسحلهم في شارع ثروت أمام نقابة الصحفيين المصريين؟

وما الفرق بين الحصار المفروض على أهل فلسطين، والقدس، والحصار المفروض على الجامعات والنقابات في مصر؟

وما الفرق بين منع المصلين من دخول الأقصى، ومنعهم من دخول الأزهر؟

وما الفرق بين أن تهود القدس وأن تهود القاهرة بافتتاح الصهاينة معبدًا يهوديًّا بعد ترميمه، أو تهويد دمنهور بالسماح بإقامة الصهاينة احتفالاً بأبي حصيرة؟

إن ما تفعله عصابات صهيون امتداد طبيعي لما تفعله بنا أنظمتنا التي باتت تمارس ذات السياسة، وبنفس القسوة.

قوانين الاستثناء، وتزوير الإرادة، وخلود الحكام، وتوريث الكراسي، واعتقال الشرفاء، ومحاكمات الجور، وسرقة الأقوات، والمقدرات جرائم مهدت الطريق للعدو الصهيوني، وجعلت أمامه القصعة ينهش فيها، وينهب منها، ويرتع في رباها.

لا أعتقد أن لغة الخطاب يائسة لكنها واقعية.

لقد حانت ساعة الشعوب لتنتفض نصرةً للأقصى.

لقد دقت ساعة الإنسان المصري، والعربي، والمسلم ليئن، مؤكدًا أنه لا يزال من الكائنات الحية.

إن الجسد الميت لا يتألم، فقط الأحياء هم القادرون على الصراخ (آآآه).

فلتكن صرخاتنا لأجل حرياتنا نصرةً للأقصى.

ولتكن صرخاتنا في وجه الفاسدين واللصوص نصرةً للأقصى.

ولتكن صرخاتنا في مواجهة الانحدار الذي يجر أوطاننا نصرةً للأقصى.

ولتكن صرخاتنا لكسر جدار الاستبداد الصامت نصرةً للأقصى.

وفتش في عالم ولاة الأمر عن قادر على الصراخ، فلن تجد! ليس لأن ولاة الأمر فينا لا صوت لهم، ولكن لأنهم أدمنوا الصراخ في وجه شعوبهم دفاعًا عن كراسيهم وعروشهم لا عن أوطانهم وشعوبهم…

وابحث في عالم القمم العربية والإسلامية عن صرخة، فلن تسمعها إلا عبر خلافات تعمق أخرى، ونقاشات تجر انشقاقات، فالكل يريد أن يؤكد أنه الأولى بصك الوكالة الأمريكية سعيًا لرضى السامية.

ولكن من قال إن الشعوب تموت؟ أو إن الحقوق تفنى؟ أو إن الضعيف يولد، ويحيا، ويموت ضعيفًا؟ أو إن الطاقة تفنى؟ إن الحرية طاقة لا تموت، والطاقة لا تغادر جسدًا حيًّا.. والجسد لا تنبته إلا أرضه، والأرض حق خالد يأبى أن يطوى صفحاته زور العالم.

والحق أن فلسطين كانت عربيةً إسلاميةً، وأن أعلامها ترفرف فوق خارطة الزمن من قديم.

والحق أن الإنسان ما كان يومًا قردًا، ولذا ما خضع يومًا لقانون الغاب إلا وانتفض.

والحق أن المجتمع الدولي ميزانه لا يحمل إلا كفةً واحدةً محفورًا عليها نجمة سداسية دموية.

والحق أن الأقصى حرم، وأن الحرم مقدس، وأن المقدس لا يحميه أهل فلسطين وحدهم بل هو مقدس لدى مليار ونصف المليار من المسلمين على امتداد البسيطة.

والحق أن الأقصى تراث إنساني، ولا فرق في حمايته بين فلسطيني، وعربي، ومسلم، ومسيحي، وحتى بوذي.

والحق أحق أن يتبع… فلتتبع شعوبنا الحق وتنتفض وتهتف وتزمجر وتغضب.

فمتى سنغضب إن لم نغضب لمقدساتنا؟..

ارفعوا أعلام فلسطين، وصور الأقصى على المنازل، على الشرفات، على الأبواب والسيارات.. وأعلنوها (القدس عربية، القدس إسلامية)، صرخة في النقابات، والجامعات، والمدارس، والميادين، والشوارع، والأزقة، والحواري، وحتى على موائد الطعام.

لقد جاء بغي العدو في وقته، فما كان أحوج أمتنا لقضية تجمع شعوبها التي فرقتها كرة القدم، ومخالفات حكام المباريات، وجوائز المهرجانات، وتراهات الإعلام الرسمي.

فلتكن نصرة الأقصى وفلسطين فرصة للم الشمل، وهي الفرصة التي إن لم نستغلها فستمر على أشلائنا مجنزرات العدو الصهيوني تقتلنا بعجلات العجز، وتطوينا صفحات التاريخ بعد أن تبتلعنا مستنقعات الخيانة..

ولن تكون هذه نهاية القضية بل نهايتنا نحن؛ لأن القضية الفلسطينية حق لا يموت وسيأتي من بعدنا رجال ليسوا مثلنا يعرفون كيف يصنعون غدهم ويصونون حقهم، ويحمون مقدساتهم، وأعراضهم، وساعتها لن يترحم علينا أحد.

فاللهم ارحمنا بأن نموت رجالاً، ولا تعذبنا بأن يقتلنا الخوف، والعجز، والهوان بفعل الاستبداد الداخلي، والاستكبار الصهيوأمريكي…. يا رب.

————-

shrnopy@hotmail.com

إخوان أون لاين