الخميس , 23 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

عذراً أبا الطيب: فقد أكل الثعالب الشجر! د. عبدالله الأشعل

عندما زار أبو الطيب المتنبى مصر منذ أكثر من عشرة قرون فى زمن الإخشيد، وضع معادلة اقتصادية ظلت سارية حتى وقت قريب فى مصر. فإذا كان علم الاقتصاد هو علم الندرة وأن وظيفة هذا العلم هى التوفيق بين الموارد المحدودة والحاجات المتجددة، فإن دولاً وشعوباً حية بإدارتها الرشيدة وليس بما تظهره من إيمان أو انتماء إلى دين معين، سوى الإيمان بالوطن قد خلقت الموارد التى فاقت هذه الحاجات وأصبحت مشكلتها هى خلق الحاجات حتى تدور عجلة الموارد ودورتها الاقتصادية. على الجانب الآخر، فقد ظن المتبنى أن تاريخ مصر الاقتصادى، هو صراع بين الثعالب التى تغافل الحراس، وبين العناقيد والثمر الذى تفيض به أرض مصر، وأنه رغم أن الثعالب قد أكلت حتى بثمت، إلا أن الخير والثمر لايزال الأوفر، يتحدى بوفرته جشع الثعالب وحاجتها البيولوجية المستمرة لنهب الثروات فى غيبة رقابة الحراس.

والحق أن مصر الآن قد انقلبت فيها كل القوانين، ولو عاد المتنبى لأدرك أن نظريته كانت تقوم على أربعة فرضيات: الفرض الأول أن الثعالب هم فئة اللتئام وأنها قليلة وطنية أو أجنبية ولكن صفة اللؤم والخسه والاندفاع للسرقة هى طباعهم. لأن الثعلب يقفز فوق الأسوار ويتسلل إلى الحدائق والزروع. الفرضية الثانية، هى أن الثعالب كانت تسرق لترد غائلة الجوع وكان الخير الوفير فى مصر يفيض عن هذه الحاجة البيولوجية. الفرضية الثالثة، هى أن الثعالب كانت تغافل الحراس وتحصل على منيتها فى غفلة منهم، وهى مرات نادرة. أما الفريضة الرابعة، فهى أن السجر ورأس المال كان يتزايد فيتزايد معه الثمر والخير مما كان يكفى السرقات ويغطى على غيرها، فلاتظهر السرقة بالمقارنة بهذا الخير الوفير.

الذى حدث فى مصر هو تجفيف منابع الزرع والضرع عمداً وتشكيل عصابات محترفة ولدت بجينات هدفها تخريب مصر والقضاء عليها، فقامت بشكل منظم ومبرمج تنفيذ خطتها، بدأت بالزراعة فقضت على مقوماتها، فأصبحت مصر تستورد معظم حاجاتها من الخارج، ودمرت الصناعة وباعت مصانعها للثعالب الجديدة فى عملية تصفية لرأس المال تحت عنوان الخصخصة لم تعرف لها مصر مثيلاً فى قسوتها ووضوحها وفجورها، والثعالب تردد أنها تحسن صبيعاً وتتحايل لإنقاذ جرائمها كلما تنبه بعض الحراس لها. وصار الحراس مرتشين يساهمون فى إنقاذ الجرائم مقابل الفتات. أما فى القيم والتعليم والثقافة فقد انحدرت إلى الحضيض وأصبحت قيم السرقة والاثراء بلا سبب ونهب الثروات بالتواطؤ والهروب إلى الخارج قاعدة ثابتة فى مصر، وأصبح الأعمى خيراً من المبصر، وأصبح المبصرون والمثقفون ينخرطون فى الدفاع عن دمار مصر وخرابها، كما يتصدون لكل من يبنه إلى ما انزلقت إليه مصر من حال ودمار، وأصبح هؤلاء يتصدرون المجالس والشاشات وأجهزة الإعلام، “وإذا قيل لهم اتقوا الله أخذتهم العزة بالإثم وقالوا بل نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون حقاً ولكن لايشعرون”. ولكن أصحابنا يعملون أنهم يفسدون وأنهم يلبسون الحق بالباطل، بل إن رجال الدين منهم صاروا يستدعون قواعد الحلال والحرام وتكفير المصلحين وهى حال سوف تدفع المتبنى إلى تجنب الظهور إذا قدر له ذلك. فلم يعد النيل والشمس والهواء والشعب والسكن والزرع يثير فى النفس ما كان، وكأنهم جميعاً فى حداد، أو كأنهم ينتظرون رحمة ربك.

لقد ذكرنى هذا الموقف قصيدة جميلة لأحد الشعراء المحدثين عنوانها عودة صلاح الدين بمناسبة اغتصاب الأقصى ونحن عليه شهود وحكامنا عنه قعود، وكأنه ليس الأقصى الذى كرمه الله فى قرآنه.

قال صاحبنا أن الناس فى دعواتهم يتلهون لكى يعود صلاح الدين، ثم عاد صلاح الدين فلم يلتفت إليه أحد ولم يستمع لدعوته أحد، فاكتشف أن الشعب ليس بحاجة إلى صلاح الدين، إنه بحاجة إلى أن يكون من جنس الشعب الذى انتصر به صلاح الدين. فكيف نصلح شعب أفسده عمل منظم من قياداته، وكيف يخرج مثل هذا الشعب قائداً هماماً كصلاح الدين: إنها إشكالية مصر فى هذا العصر!

المصريون