الأربعاء , 22 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

العدوان على اللغة العربية.. د.جابر قميحة

ما أكثر المواقف التي تعرضت اللغة العربية فيها للإيذاء، بل للحرب الضروس، من جهات متعددة، وشخصيات لها فعاليتها على مستوى الدولة والمؤسسات والعالم: منهم مستشرقون، ومنهم مصريون أو إن شئت فقل: متمصرون، منهم من يدعو إلى اتخاذ العامية لغة كتابة، ومنهم من يدعو إلى إلغاء النحو، ومنهم من يدعو إلى إلغاء نون النسوة، ومنهم من يدعو إلى تسكين أواخر الكلمات.. إلخ.

ومن أشد عوامل الإضرار بالعربية والإساءة إليها وسائل الإعلام المصرية الحكومية، وخصوصًا التلفاز، وهو “تكية التليفيزيين، والتليفيزيات”.

وقد كتبنا كثيرًا عن لغة “أهل التليفزيون” المصري بقنواته الفضائية والمحلية.. الحكومية والخاصة، وما تزخر به من أخطاء نحوية وأسلوبية, وما يتميز به بعضهم من “عيوب” في النطق ذاته: فلانة يسميها الجمهور “المدفع الرشاش” وأخرى عندها قدرة شبك الحروف والكلمات كلها في نفخة متواصلة بلا تفريق بين مخارج الحروف, وثالثة ألغت الصاد والقاف والطاء والثاء والذال والضاد والظاء من معجم العربية. فكلمات مثل: “صدقني- القيادة-الطرب- الثقوب- الذمة- الضمير- يظهر”. تتحول بجهل جاهل أو جاهلة إلى: “سدأني- الكيادة- الترب- السكوب- الزمة- الدمير- يزهر”.

ورأيت واحدًا منهم يقرأ من ورقة “… ومن أبطال هذه المعركة عمرو فارس زيد…وكان عنده سيف اسمه: “الصمصا أُمَّــة” والصحيح أنه عمرو بن معديكَرِب فارس زَبًيد- وزبيد قبيلته اليمنية التي ينتسب إليها، واسم سيفه “الصمْصامة”.

ومن مظاهر الانهيار- وهو مظهر مؤسف جدًا- إلغاء همزة الوصل، وتحويلها إلى همزة قطع. على النحو التالي: “وقد- إستغرق- ألإجتماع- ألحزبي- الموسع- في- ألقاهرة…” مع أن النطق الصحيح” وقد استغرق الاجتماع الحزبي الموسع في القاهرة…” وتشبه همزة الوصل الحرف الصامت في الإنجليزية, كما نرى في الفعل (Know) – أي (يعرف) فحرف- K- لا ينطق.

هذا بعض من “بدايات النحو” يجهله التلفازيون والتلفازيات, قصدت أن أقدمه لأقول: ابدءوا يا هؤلاء من الصفر بدلاً من تضييع الوقت في التظرف المرفوض، وحشر الأجساد في “الجنز” الخانق.

حتى الدعاة الدينيين- في المواقع المختلفة- نرى منهم ما يحزننا، فواحد من هؤلاء في إحدى الفضائيات لا يؤدي فكرة أمام ضيفه “المستسلم” إلا بالعامية، مع أن العربية الفصيحة المسهلة أيسر في النطق والفهم من العامية، فصاحبنا الداعية يقول: “بس دي جات إزاااي”؟. وأنا أعتقد أنه لو قال: “وإذا سألنا كيف وصلتنا هذه؟” لكان ذلك أسهل. ولو قال: “لكننا قوم لا نصبر” لكان ذلك أسهل نطقًا وكتابة من قوله: “بس احنا عالم معندناش صبر”.

وكثير من الدعاة- إن صح أن نسميهم دعاة- مصابون بالعجز التعبيري؛ حتى لو حاول أن يتحدث بالعربية؛ وذلك لعدم التمكن من اللغة من ناحية، وضعف المادة الدينية القادرة، من ناحية أخرى.

والانهيار اللغوي لا يتوقف أبدًا، بل إنه يتسع في اطِّراد دائم في كل المجالات، ففي المدرسة نرى مدرس العربية يشرح دروسه بالعامية, قلت لواحد من هؤلاء: يا فلان إن عليك أن تشرح دروسك بالعربية الفصحى، فأجاب- بلهجة ساقطة, وعلى وجهه علامة تعجب خطيرة- الله!! يعني سيادتك عاوزني أتكلم بالنحَوًي دا التلامذه تدحك عليَّ يقصد تضحك ومش حيفهموا حاجة..

قلت: أنا لا أقصد العربية الغريبة المتقعرة, ولكن أقصد العربية السهلة الواضحة.

قال: برضه مش حيفهموا.. علشان فيهم ليبيين وسعوديين, وشوام. قلت: هذا مبرر؛ لأن تتحدث بالعربية الفصحى فهؤلاء “العرب” أقدر على فهمها من العامية المصرية. ولكن:

لقد أسمعت لو ناديت حيا =  ولكن لا حياةَ لمن تنادي

إن اللغة العربية الفصحى بالنسبة للأمة العربية تعتبر أهم من أية لغة أخرى بالنسبة للأمة التي تتكلم بها، ويرجع ذلك لتفرد اللغة العربية بعدد من السمات والملامح، يجعل منها لغة فائقة جديرة بالمكانة العليا بين لغات العالم.

1- فهي لغة القرآن الكريم: اللغة التي نزل بها جبريل- عليه السلام- على محمد صلى الله عليه وسلم على مدى ثلاثة وعشرين عامًا، لم يخترم منها حرف واحد، ولم ينل التحريف منها كلمة واحدة؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد تعهد بحفظه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)﴾ (الحجر).

2- وهي لغة قومية: جمعت العرب من قديم في وحدة لغوية متماسكة، فكانت هي لغة التفاهم والتجارة، والأدب، والشعر، والسفارات.

3- وهي لغة تراثية: بمعنى أنها كانت- وما زالت- الوعاء الأمين الذي حفظ التراث العربي والإسلامي، وصانه من الضياع، بل إنها حفظت من الضياع كثيرًا من شرائح التراث اليوناني الذي ترجم إلى اللغة العربية، وضاعت أصوله اليونانية، فترجمه علماء اليونان بعد ذلك من العربية إلى اليونانية.

4- وهي لغة قادرة: أي أن فيها من الملامح والإمكانيات الذاتية ما حرمت منه أو من بعضه اللغات الحية.

وإن اعتزازي باللغة العربية الفصحى وعشقي لها هو الذي دفعني إلى الاستشهاد بالخاطرة الآتية للكاتب أنيس منصور:

“الفرنسيون شديدو الاعتزاز بلغتهم الجميلة، القادرة على التعبير الدقيق عن كل شيء في الفلسفة والأدب والعلوم؛ لذلك يرفضون استخدام تعبيرات أمريكية، أو أسماء إنجليزية، للدلالة على ما يريدون، ففي ذلك اتهام للغة الفرنسية.

وذهب الفرنسيون إلى أبعد من ذلك.. أبعد من مجرد الرفض والاستنكار، إلى فرض عقوبات على من يفعل ذلك (أي استعمال كلمات إنجليزية وأمريكية في الحوار، أو أسماء المحلات) أي على من يهين لغته وقومه، ولا تسمح الدولة بالترخيص لأي محل أو شركة أو مؤسسة لا تحمل اسما فرنسيًّا” (الأهرام- الأربعاء- 14/ 12 / 1414 هـ – 25/ 5 /1994م).

واللغة العربية أولى بكل أولئك؛ لأنها تحمل من القيم الدينية والخلقية والتاريخية أكثر من أية لغة أخرى. ويقال: إن بدويًّا نزل سوق البصرة، فوجد بعض الناس يلحنون (أي يخطئون في ضبط الكلمات)، فصرخ فيهم غاضبًا: يا عجبا!!!… كيف تلحنون وترزقون؟ كأنه يرى أنهم يستحقون معاقبتهم بقطع أرزاقهم؛ لأهانتهم لغة القرآن.

ولكن الأدهى من ذلك حقًا أن نرى شخصيات حاكمة وقيادية تعجز عن النطق، أو مواصلة النطق بالعربية الفصيحة، ولكنهم في غير العربية منطلقون.

وقد أشار الأستاذ فهمي هويدي إلى صور واقعية ميدانية من جناية حكَّامنا على اللغة العربية. ومن هذه الصور:

1- حين وجَّه مذيع قناة الجزيرة سؤالاً إلى وزير السياحة المصري بلغة عربية فصيحة، رد عليه الوزير بالعامية, ولم يستطع أن يخاطبه باللغة نفسها.

2- شهدت مؤتمرًا في دبي حضره رئيس الوزراء المصري أحمد نظيف، وألقى فيه كلمة مكتوبة، التقطت أذني فيها أربعة أخطاء نحوية، وحين وجَّه إليه رئيس الجلسة الأمركيي الجنسية سؤالاً باللغة الإنجليزية، فإنه رد بطلاقة أثارت الانتباه؛ حتى بدا وكأن الإنجليزية وليست العربية هي لغته الأم.

3- وفي احتفال أقيم بأحد فنادق القاهرة الكبرى لتقديم جائزة الشعر للفائزين بها، وقف السيد فاروق حسني ليلقي كلمة الافتتاح، ولكنه لم يستطع وهو وزير للثقافة أن يتكلم بالفصحى لأكثر من ثلاث دقائق، وكانت عباراته ركيكة ومرتبكة، الأمر الذي اضطره إلى إنهاء كلامه بسرعة، خصوصًا أن مستمعيه كانوا جميعًا من المهتمين بالشعر واللغة العربية.

ويختم الأستاذ هويدي مقاله القيم بقوله: “… فلعلي لا أبالغ إذا قلت إن تدهور أوضاع اللغة والإزراء بها هو في حقيقته تعبير عن الهزيمة الحضارية،.. وقديمًا قيل: إن اعوجاج اللسان علامة على اعوجاج الحال، الأمر الذي إذا صح فإنه يدلنا على أن المشكلة ليست في ألسنة اعوجت ولغة تدهورت، وإنما هو استسلام للهزيمة والانكسار، وشعور باليأس من الحاضر والمستقبل.. ” (الدستور المصرية – الأحد 26/10 /2008م).

ومرة أخرى أقول: ما أكثر أخطاء الكبار جدًا في اللغة: فقد كان السادات- غفر الله له- في خُطَبِه التي تغلب عليها العامية ينطق كلمة الأضحى بكسر الهمزة، وهو خطأ غريب دميم، لا يوجد حتى في العامية, فالمثقفون والعوام والأطفال والكبار يقولون: “عيد الأضحى” بفتح الهمزة.

وكان الرئيس حسني مبارك يستهل خطبه بعبارة: أيها الأُخوة. بضم همزة الإخوة، ولكنه والحمد لله أقلع عن هذا الخطأ.

ولا أنسى أن السادات ألقى خطابًا بالإنجليزية (الثقيلة البطيئة) في مدينة “بير سبع” التي اغتصبها الصهاينة من أرض فلسطين، وبعده قام عمدة بير سبع الصهيوني وألقى خطبته بالعربية الفصحى، وهذا يعدُّ لطمة لرئيس الجمهورية, كأنما يريد هذا الصهيوني أن يقول بلسان الحال: نحن أولى بالعربية منكم. وتزداد الإهانة بشاعة إذ يقول العمدة الصهيوني بالعربية الفصحى: “وحرصًا منَّا يا سيادة الرئيس على السلام منحناكم أرضًا (يقصد سيناء) مساحتها ثلاثة أمثال مساحة إسرائيل”، ولم يعلق السادات بكلمة واحدة بل ظل يبتسم وهو يدخن البايب.

هذا وقد قالوا: إن كلام الملوك يجب أن يكون ملك الكلام، ولكننا نجد الملوك يرتكبون من الأخطاء في حق اللغة ما لا يقع فيه المتعلم العادي. وأبناء البلد لا يفوتهم أن يغمزوا أو يعبروا بالنكتة عما يشبه هذه الحالة المؤسفة. ومما سمعت: أن أحد الكبار جدًا كان يكلف متخصصًا بكتابة خطبه التي سيلقيها على الجمهور. وفي الصباح سأل الكاتب الرجل الكبير: ما رأي سيادتكم في الخطاب الذي كتبته لكم, ونفذت ما أمرتموني به من ألا يزيد إلقاؤه على ربع ساعة؟ فقال الكبير: كيف وقد استغرق إلقاؤه ساعةً كاملة؟!!.

فصرخ كاتب المقال: يا خبر أنا كتبته لسيادتك من أصل و3 صور!!!.

وإني أرى وأقترح بعد ما رأيناه من الكبار:

1- أن يوضع قانون ينص على أن يكون من مسوغات تعيين الوزير أو كل ذي موقع قيادي إتقان اللغة العربية الفصيحة كتابةً ونطقًا.

2- جعل اللغة العربية مادةً أساسيةً في كل مراحل التعليم, وفي كل الكليات النظرية والعملية والمدنية والعسكرية، وللسعودية وجود طيب في هذا المجال, فقد زاولت تدريس الأدب العربي والبلاغة العربية ثمانية أعوام في جامعة الملك فهد بالظهران, بصورة رأسية معمقة, وتولَّى أساتذة آخرون تدريس الشريعة وفروع العربية الأخرى. كل أولئك في كليات الجامعة وكلها كليات علمية متخصصة (في الهندسة، والحاسوب، والبترول، والمعادن, وغيرها).

3- حظر مخاطبة الحضور من عرب أو أجانب بغير العربية الفصيحة، وقد قرأت أن “شوان لاي” الوزير الصيني المشهور (1898-1976م) كان يلتزم اللغة الصينية في لقائه مع السياسيين الأجانب، أفرادًا ووفودًا, مع أنه كان يتقن الإنجليزية والفرنسية، وعلَّل ذلك بأن اللغة القومية قطعة مهمة من الوطن وتاريخه وتراثه، وهي بالنسبة لنا روح يجب ألا ينقطع أو يتوقف.

4- القضاء على الإعلانات المكتوبة بلغة أخرى مثل كلمة (بوتيك) و(كوافير).. إلخ.

5- عقد دراسات واختبارات دوريَّة جادة للمشتغلين في الصحف والإذاعة والتلفاز والقنوات الفضائية والمحلية.

6- إصلاح المنبع، وهو المتمثل في المدرسين، بعد أن ضعفت قدرتهم اللغوية، وأصبحت لا تصلح للعطاء.

وأخيرًا أُذَكِّرُ القارئ بأن من المفروض علينا عربًا ومسلمين أن يكون أبناء العربية خصوصًا العلماء والمعلمين والمثقفين على مستوى “عظمة العربية وجلالها” فيحافظوا على مكانتها، ويعملوا- بأقصى طاقاتهم وإمكانياتهم- على إنمائها ونشرها، وتكوين الأجيال الجديرة بالحفاظ على هذه الأمانة. وذلك لقهر كلِّ الآليات التي تهدد وجود اللغة العربية، والإساءة إليها. فهي لغة شريفة، وشرفها الشامخ يأتي من نزول القرآن بها، كما نجد في الآيات الآتية:

قول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)﴾ (الحجر)، وقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (29)﴾ (ص)، وقوله تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23)﴾ (الزمر).

———–

* gkomeha@gmail.com