الخميس , 23 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

فهمي هويدي يكتب: ميزانية مصر الخفية

ليس كل نهب في مصر يتم من وراء ظهر الحكومة، ولكن هناك نهبًا تمارسه الحكومة ذاتها، لا أقصد تربح الوزراء من مناصبهم، لكن ما أعنيه نهب من نوع آخر يستهدف مواردها المالية التي تستقطعها السلطة من بسطاء الناس، وتصب بعد ذلك فيما يسمى بالصناديق الخاصة، التي تمثل أحد مبتكرات النهب الرسمي.

وهذه الصناديق بمثابة أوعية موازية تتبع الوزارات أو الهيئات العامة وتنشأ بقرارات جمهورية، لتستقبل حصيلة الخدمات والتمغات والغرامات وغير ذلك من الموارد لتحسين الخدمات التي تقدمها الهيئات العامة. لكن تلك الحصيلة لا تدخل إلى خزينة الدولة ولا علاقة للموازنة العامة بها، ومن ثم فلا تعرض تفاصيلها على مجلس الشعب، رغم خضوعها المفترض لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات، صحيح أنه طبقا لقانون الموازنة الصادر في سنة 1973 ينبغي أن تدخل كل الإيرادات العامة ضمن الموازنة، إلا أن إنشاء الصناديق الخاصة كان استثناء على هذه القاعدة، لكن الممارسة العملية قلبت الوضع بحيث تحول الاستثناء إلى قاعدة، حتى أصبح عدد تلك الصناديق نحو عشرة آلاف صندوق، طبقا لتقدير جهاز المحاسبات.

الجديد فى الموضوع أن تقرير جهاز المحاسبات الذي قدم إلى مجلس الشعب مؤخرا ذكر أن جملة أرصدة الصناديق فى العام المالي الأخير (2008 ــ 2009) قدرت بمبلغ 1272 مليار جنيه (تريليون و272 مليارا)، وأن قيمة المخالفات التقى تم حصرها عن نفس العام 3955 مليون جنيه (نحو 4 مليارات)، هذه الأرقام المهولة لا يستطيع المرء أن يتبين خطورتها إلا إذا ألقى نظرة على بنود الموازنة العامة للدولة في العام المالي ذاته. ذلك أن إجمالي الإنفاق في ذلك العام كان في حدود 375 مليار جنيه، وهو مبلغ يشمل الأجور وشراء السلع والخدمات وفوائد الدين العام والاستثمارات. إلى جانب ذلك. بلغت الإيرادات 285 مليار جنيه، تشمل الضرائب والجمارك وعائد الهيئات الاقتصادية مثل قناة السويس وهيئة البترول وغيرها. كما بلغت قيمة العجز فى الموازنة 90 مليار جنيه.

بمقارنة الدخل الهائل للصناديق الخاصة بأرقام الموازنة العامة، نجد أن أرصدة الصناديق تعادل 446٪ من إجمالي إيرادات الموازنة العامة، كما تساوى 14 ضعف عجز الموازنة(!) المذهل فى الأمر أن هذه المفارقة التي لا يكاد يصدقها العقل لم يشر إليها تقرير لجنة الخطة والموازنة الذي عرض على مجلس الشعب بخصوص الحساب الختامي عن السنة المالية الأخيرة.

ليست هذه هي الصدمة الوحيدة، لأن أوجه إنفاق المبلغ الهائل الذي حصلته الصناديق الخاصة يشكل صدمة أخرى، إذ في حين أن أموال الصناديق ينبغي أن تنفق في الأغراض التي تخدم أغراض الهيئات التي أنشأتها، فإن جهاز المحاسبات فضح العبث الذي يمارس باسمها، حين حصر مخالفات قانونية فى إنفاق تلك الأموال قدرها بنحو 4 مليارات جنيه.

وطبقا لتقرير الجهاز فإن أغلب أموال الصناديق ذهبت لإعلانات التهاني والتعازي ومكافآت بعض العاملين، أو تجهيز قاعات ومكاتب وشراء أراض… الخ. ولم يطلق التقرير هذا الحكم جزافا، ولكنه أورد أكثر من ثلاثين مثالا لذلك الإهدار والنهب الصريح للمال العام. من ذلك مثلا أن صندوق حصيلة تراخيص إنشاء مصانع الحديد والأسمنت منح أكثر من عشرة ملايين جنيه مكافآت للعاملين بهيئة التنمية الصناعية بالمخالفة للقانون. ومنها أن صندوق تحسين الخدمة ودعم البحوث بديوان وزارة الصحة صرف 99.5٪ من حصيلة الصندوق (أكثر من 23 مليون جنيه) مكافآت للعاملين ورواتب للاستشاريين وليس لتحسين الخدمة الصحية. أما صندوق إنشاء وصيانة الطرق فقد صرف 3.2 مليون جنيه مكافآت للعاملين بديوان عام الوزارة…الخ.

لقد قدم المهندس أشرف بدر الدين عضو لجنة الموازنة استجوابا إلى رئيس مجلس الوزراء بهذا الخصوص. اتهم فيه الحكومة بإهدار المال العام وتعمد إيجاد موازنة خفية تبلغ أربعة أضعاف حجم موازنة الدولة، ولكن الدكتور سرور رئيس المجلس قام بـ«الواجب» وألقى الاستجواب في البئر المخصصة لدفن الأسئلة المحرجة للحكومة.

—————

نقلاً عن الشروق

04/04/2010