الأحد , 19 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

معركتنا الكبرى.. أن يختار الشعب حكامه.. د. عبد الله الأشعل

كانت معارك مصر الكبرى هي زوال الاحتلال البريطاني ثم الصهيوني، فأصبحت معركتها الكبرى هي تحرير إرادة شعبها، فالحراك السياسي في مصر الآن قد ينتهي باستسلام النظام لرغبات الناس، وقد يستمر تعنُّت النظام، ولكن في كل الأحوال لا يجوز للقوى الوطنية أن تتهاون في إجبار النظام على الاحتكام إلى صندوق انتخاب يعلن فيه المواطن رأيه بحرية في اختيار حاكمه؛ أيًّا كان مستواه، بدءًا بالانتخابات المحلية، وانتهاءً بالانتخابات الرئاسية.

فالمعركة الآن ليس بين طوائف الحركة الوطنية، وسوف يرقب التاريخ جيدًا أولئك الذين يحاولون إجهاض هذه الصحوة الكبرى في مصر وتحريفها عن مسارها النبيل حتى تصل إلى نهاية سعيدة، تجنِّب مصر الخيار بين استمرار الانهيار والفساد والعبث بمصير أمة كبرى وبين انفجار شعبي يدمِّر كل شيء؛ ولذلك يجب أن يعمل الجميع دون نظر إلى أشخاص، فالمعركة هي بين مَن يسعون إلى دفع النظام إلى انتخابات حرة، وبين مَن يعوِّقون تحقيق هذا الهدف.

ونحن نعتقد أن استمرار هذا الزخم سوف يجمع كل أبناء مصر- بمَن فيهم أعضاء الحزب الوطني- لنصرة مصر، وإعادة إعمارها فقط عن طريق تمكين المواطن المصري، لأول مرة في تاريخه، من أن يختار حاكمه، لقد كان الشعب المصري دائمًا بعيدًا عن مراكز اتخاذ القرار حتى في عصور الحكم الوطني، ولم يعرف صناديق الانتخاب والمنافسة الشريفة بين طوائف المرشحين الشرفاء، بل عرف تاريخًا من الإدمان الحكومي على تزوير إرادته أو في أحسن الأحوال التصويت نيابةً عنه؛ حتى لا يتحمل مشاق الرحلة إلى لجان الانتخابات.

ولقد قامت نظُم الحكم الثلاثة منذ الثورة حتى الآن على هذا الأساس، فترتب على ذلك أربعة نتائج خطيرة:

* النتيجة الأولى هي أن المواطن المصري لم يعد يحفل بأي انتخابات؛ لأنه يعلم أنها محسومة سلفًا، فلم يكلف نفسه مشقة تجديد بطاقته الانتخابية، وحتى إن ذهب للتصويت فإن صوته لن يفيد؛ لأن صناديق أخرى تعد قبل الانتخابات بأسماء من توفوا أو من سيولدون في المستقبل.

وإذا ذهب بعضهم للتصويت وجد شراء الصوت علنًا ويرتفع ثمن الصوت، كلما قارب صندوق الانتخاب على الإغلاق، وكأنَّ صوته يحسب في العدِّ والحساب، ورغم أن تزوير إرادة الناخب من جرائم النظام العام الدولي فقد استراح النظام في مصر كما استراح المواطن إلى هذه القسمة.

* النتيجة الثانية هي أنه ما دام المواطن لم يشارك في الأغلب في اختيار البرلمان أو الحكومة، فإن البرلمان والحكومة كليهما لا سلطانَ للمواطن عليهما، بل إنه هو الذي يخضع لبطش التشريعات المشبوهة، وبطش السلطة الأمنية، فيزداد عزوفًا عن هذه العملية الخطيرة، وإذا تجاسرت صحف على فضح فساد البرلمان والحكم والتواطؤ بينهما بحكم تركيبهما؛ فهي إما أن تعاقب أو أن تنبح كالكلاب في الفيافي.

وهذا الاعتبار هو الذي يدفع المواطن أيضًا إلى الشعور بعدم الأمان ويبعث في نفسه الخوف من الحاضر والمستقبل، فيزداد عزوفًا عن المشاركة.

هكذا صارت المعادلة مريحةً لحكومةٍ تفعل ما تشاء، وتعد من الصناديق ما تريد، وتعلن أرقامًا توهم الجميع أنها قامت على الأغلبية، وأنها لذلك اكتسبت شرعية الوجود وشرعية العمل.

* النتيجة الثالثة هي أن ظهور المثقفين على الساحة السياسية أفقد الشعب القدرة على الحكم على مصداقيتهم، فإذا كان المثقَّف معارضًا لهذا الفساد والتردي كان ضحية التهميش والتضييق وأحيانًا المطاردة، فيفقد بعضهم مناعة المقاومة فينتهي بهم الأمر إما باليأس أو بالانضمام إلى كتيبة مثقفي السلطة، ويندرجون تحت لوائهم في التدليس على الشعب، فتاه الناس، والتبس عليهم مَن الصادق ومَن الأفَّاق، وفي كل الأحوال المثقفون الوطنيون لا حول لهم ولا قوة أمام سلطة تعلم ما تفعل وتصرُّ على المضيِّ رغم كل شيء وبكل الوسائل.

* النتيجة الرابعة هي أزمة الحركة الوطنية التي ترى أن إنقاذ الشعب مما يعانيه لن يتم إلا إذا تمَّ تأمين حق المواطن في اختيار حكامه.

ولكن المواطن ليس واثقًا أن صوته هو الذي يغيِّر، ما دام قد وثق من التجربة والشواهد أن الحاكم مُصرٌّ على البقاء بأي ثمن، وأنه لن يسمح مطلقًا بنزاهة الانتخابات، وأنه أعدَّ للأمر عدته؛ فأصبح الحزب الوطني يحصِّل الجباية ممن يحلمون بمقعد في مجلس الشعب، حتى إذا فاز بالمعقد أطلق يده في تحصيل ما دفع، وهكذا تكتمل دورة الفساد والإفساد.

فالحركة الوطنية تكافح على الجبهتين حروبًا جادَّةً، الجبهة الأولى، هي مع الشعب حتى يتخلى عن سلبيته ومشاركة السلطة في الفساد حتى لا يدوم وضعه المزري، والجبهة الثانية، هي كيف تضمن الحركة الوطنية للمواطن أن صوته سوف يكون فعلاً هو أداة الإصلاح والتغيير وكيف تضمن له نزاهة الانتخابات وتيسير الوصول إلى اللجان وكيف تؤمنه ضد بطش السلطة والبلطجية، وهي الوسائل التقليدية التي لجأت إليها في الماضي، وهي في هذه المرحلة أشدُّ حاجة إليها، حتى لا تكتسحها الانتخابات الحرة ويسدل الشعب ستارًا على عصر عليه الكثير من المآخذ وأخطرها تشبثه بالسلطة رغم كل شيء.

* النتيجة الخامسة، هي أن السلطة حتى الآن لا تظهر مدى استعدادها لتقديم ضمانات النزاهة إذا كانت حقًّا صادقةً في حديثها عن انتخابات حرة.

أرى أن الحركة الوطنية لا بد أن تصر على مطالبها، وأن تشرك الشارع معها، وأن تجره إلى صناديق الانتخاب ليختار مَن يشاء ثم تحمي صوته وتؤمِّن طريقه إلى الصندوق الصحيح، ثم تدافع عن هذا الصندوق من العبث بمحتوياته أو نقله وتزويره، ثم الإصرار على فتح الصناديق في نفس اللجان آخر النهار، وألا تنقل أو تستبدل بصناديق جاهزة، وأن تتصدَّى الحركة الوطنية مباشرةً لكل مَن يحاول أن يُعيق وصول المواطن إلى اللجان، كما حدث من قبل أو تضليله أو إرهاقه إلى حدِّ الفرار أو إرهابه حتى لا يقوى على التحدي، أو انتزاع صوته أو شرائه.

ومن المعلوم أنه لا توجد أية ضمانات للنزاهة، بل إن السوابق تؤكد تقاليد التزوير، فلتكن معركة صناديق الانتخاب هي مواقع الشهادة والبطولة، وهي الطريق إلى كل البطولات والانعتاق، بدلاً من الاستشهاد أمام محطات توزيع الخبز أو أنابيب البوتاجاز، أو الفرار من الجحيم في مصر والاستشهاد على شواطئ البحر المتوسط، أو الموت كمدًا أو بالمخدرات أو بالأوبئة المدمّرة من الاختناق برائحة الفساد، وبغير ذلك لا أملَ في استنقاذ مصر لأهلها، أو أن يختار المواطن لأول مرة حكامه.

إخوان أون لاين