الثلاثاء , 21 نوفمبر 2017
أخر الأخبار

يا مبارك …إليك ثلاثيتي .. د. جابر قميحة

ابتداء نقدم إليك تهانينا بسلامة الوصول إلى أرض الوطن ، داعين الله أن يكتب لك الصحة والعافية ، وهذه الأمنية لن تمنعني من أن أهمس في أذنك بالكلمات الآتية التى تحتضن ثلاثية هي نخاع الحياة الحقيقية المستقرة.

نعم يا مبارك … يا رئيس جمهورية مصر العربية ، إليك كلمات أوجهها من قلبي وضميري وشعوري … ؛ لأذكرك بثلاثية ذهبية عاقلة قدمها للبشرية الإمام على بن أبي طالب في كليمات قليلة مباشرة ، وهي : ضعْ فخرك ، واحطـُط كِـبرك ، واذكر قبْرك .

فهو يذكرنا بدليل الله الصامت … الذي ينفذ ولا يتكلم ، وهو الحتمية التي لا ينكرها لا مؤمن ولا كافر… إنه الموت ، فأذكرك بهذه الحتمية الحاسمة في العرض القرآني المعجز :

يقول تعالى : ” أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ….. ) النساء 78 .

ويقول تعالى : ” وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ” آل عمران (145)

ويقول تعالى مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم ، وهو أكرم الخلق من إنس وجن : ” وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ( 34)كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ” الأنبياء ( 34 و35)

ويقول تعالى : ” إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ” الزمر ( 30 و 31)

ويقول تعالى : ” وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ” آل عمران (144)

ويقول تعالى ” إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (16) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19) ” الانفطار .

**********

وإليك بعض الكلمات المأثورة،نقدمها في صحبة بعض ملامح عهدك ــ بل عهودك المتتالية ــ يا مبارك ــ نمر بها مرور الكرام ونقول :

ما أبلغ الإمام علي كرم الله وجهه إذ يقول : إذا كنت في إدبار والموت في إقبال فما أسرع الملتقى .

وأنت يا سيدي يا مبارك … أنت أولى الناس بهذا التوجيه الرباني الصادق : نعم يا مبارك لم يعد هناك مجال للتفاخر، وملء الدنيا ــ في تعال ــ بـ ” أنا ” …” أنا ” … أو ” نحن ” … ” نحن ” على طريقة المتنبي :

سيعلمُ الجمعُ ممن ضم مجلسنا = بأنني خير من تسعى به قدمُ

. فلا مجال ــ يا مبارك ــ ولا وقت للفخر والتعالي .

” وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ “الجاثية 37 .

واذكر قبرك يا مبارك … اذكر أنك صائر إلى عالم آخر … وبيت آخر

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ” لقمان (33 ) .

ومما جاء في ذكر القبر من الأحاديث والحكم :

أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «القبر أول منازل الآخرة، فإن يُنج منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه. ثم قال « ما رأيت منظراً إلا والقبر أفظع منه » ( أحمد والترمزي وحسنه الألباني )

وجاء في البخاري ومسلم والنسائي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو الله تعالى بقوله: “اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال”.

وفي سنن الترمذي عن هانئ مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: “كان عثمان إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي عند وقوفك على القبر؟

**********

وأعتقد أنك لم تقرأ ما قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ويل لديان من في الأرض من ديان من في السماء ، يوم يلقونه إلا من أمر بالعدل ، وقضى بالحق ، ولم يقض على هوى ولا قرابة ، ولا رغب ولا رهب ، وجعل كتاب الله مرآة بين عينيه .

ولم تقرأ قوله : أشقى الولاة من شقيت به رعيته .

وذكر القبر ـ يعني أن عليك أن تسير على الجادة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ، فتتوب إلى الله توبة نصوحا ، وتأخذ نفسك بالعدل ، وتصلح ما وقعت فيه من مظالم : وتطلق السجناء ، وترد الحقوق لأصحابها ، وتحكم شرعة الحق والعدل بعيدا عن الهوى

فبعد أن جرد رجالك كثيرين جدا من المواطنين من آدميتهم، ومن حقوقهم، ومن مكانتهم في وطنهم، فأصبحوا رهناء السجون، والبوابات السوداء، وحوكموا أمام القضاء العسكري بتهم لا وجود لها في الواقع … بعد كل ذلك، يطلب منهم أن يحملوا الولاء للوطن وللحاكم ، وأن يكونوا نموذجًا للإخلاص الدائم الذي لا ينقض. ولا عجب في ذلك ؛ فأنت تتمتع بصلاحيات وسلطات لم يتمتع بها رئيس ولا ملك في تارخ مصر :

فمن بين 55 مادة في الدستور المصري تتضمن صلاحيات أو سلطات اختصصت بحوالي 35 صلاحية بما نسبته 63% من إجمالي السلطات والصلاحيات, بينما ترك للسلطة التشريعية بمجلسيها 14 صلاحية فقط بنسبة 25%, وإذا وضع هذا الأمر جنبا إلى جنب مع سيطرة رئيس الجمهورية واقعيا من خلال موقعيه الرئاسي والحزبي على السلطة التشريعية, فإن معنى ذلك هو سيطرتك عمليا على 88% من إجمالي السلطات التي ينظمها الدستور.

**********

وإن القلب لينزف أسى وهو يرى الأطفال الصغار يتجهون إلى مقر المحكمة العسكرية، ليشهدوا آباءهم وهم يقدمون لهذه المحاكمات، وذنبهم أنهم عاشوا أطهارًا مخلصين للدين وللوطن، فلفقت لهم التهم، وجردوا من حقوقهم الطبيعية في التمثيل أمام القضاء العادي، وحكامنا يقولون بلسان الحال عن هؤلاء الأشراف (….أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ).(النمل 56) . ويعيش هؤلاء الأطفال محرومين من متع الحياة ، بل ضروراتها ، فبينهم وبين آبائهم سدود سوداء كجدران القبور ، فحياة الأب وموته سواء . وبعض هؤلاء الأطفال بلغوا سن الرشد ، وما زال آباؤهم يعيشون في غيابة الجب . وأصبح من الأمور العادية جدا أن يحكم القاضي حكما نهائيا بالبراءة ، ومع ذلك يصدر وزير داخليتك أمرا باعتقاله تنفيذا لقانون الطوارئ ، أي أن حكم الداخلية ـ وهو ظلم فاحش ـ أصبح أقوى من حكم القضاء . ومن البديهيات الإحصائية أن عدد أسرى الحكم يفوق عدد أسرى العرب والفلسطينين في سجون إسرائيل .

وفي عهدكم نرى أن نسبة المحرمين من خدمة الصرف الصحي في مصر تبلغ 35 % ، كما أعلن جودت الملط رئيس جهاز المحاسبات في 20 / 3 / 2010 ارتفع معدل التضخم إلى 16.2 % مقابل 5% في عام 2004 / 2005 .

كما أن عجز الميزانية في العام المالي 2010 / 2011 بلغ 117 مليار جنية … كما وصل الديون الداخلية والخارجية إلى 992 مليار جنيه .

ومن الأخطاء القاتلة تنازل مجلس الشعب عن سلطاته بتفويض سيادتكم ـ يا مبارك ـ بإصدار قرارات بقوانين في مجال الانتاج الحربي .

ومن عجب أن نرى اللواء السابق محمد عبد الفتاح عمر عضو المجلس يريد أن يرفع من قدركم فيصفك يا مبارك بأنك ” ديكتاتور عادل ” . وهو تعبير يعد ذما في الرئيس لا مدحا ، فليس هناك واقعيا من يوصف بأنه مستبد عادل ، ولا فوضى خلاقة ، وكنت أتمنى أن يقرأ هذا اللواء السابق كتاب الدكتور محمد عفيفي بعنوان ” المستبد العادل ” ، وقد نسف في كتابه ـ يا مبارك ـ هذه الفكرة تماما .

وذكر القبر قد يدفعك إلى الاكتفاء بالسنين المديدة التى حكمت فيها مصر بقبضة من حديد … خمس مدد كاملة ، وأنت حاليا تتهيأ للسادسة … هذا حرام .

وذكرك للقبر قد يذكرك بقول عمر رضي الله عنه : اللهم أخرجني منها كفافا لا لي ولا علي .

**********

يا مبارك أنت صاحب مرتب شهري ، وهذا حقك ، ولكن محظور ألف محظور أن تناقش ميزانية رئيس الجمهورية أتذكر ــ يا مبارك ــ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي أسقط دولتي الجبروت والظلم : الفرس والروم ، كان دائما يدعو : اللهم أخرجني منها كفافا لا لي ولا عليّ . ومات فقيرا بل مدين ،ا وعاش يخدم رعيته ، ويطعم الجائع ، ويكسو العاري ، ويشتد على ولاته ، ويحاسبهم حسابا عسيرا .

وأنت تعلم ــ يا مبارك ــ أن كبارا من الموظفين ، وكثيرين من كبار أعضاء الحزب الوطني يعيشون على الحرام : تهليبا ، وتهريبا ، وسرقات ، وفضائح ؛ لأنهم يعلمون أنه ليس هناك من يحاسبهم .

يا مبارك ، معذرة أن آخذ بيدك لنرى كيف كان عمر يحاسب الولاة : كان إذا استعمل عاملا وخصوصا الولاة ،( وهم في مقام المحافظين الآن ) لا يسمح بدخولهم المدينة إلا نهارا ، ولا يدخلوا ليلا ؛ كي لا يحجبوا شيئا من الأموال ، وكثيرا ما صادر أموال بعضهم كمصادرته أموال عامله باليمن ومصادرة أموال أبي موسى الأشعري عامله على البصرة ، ومصادرة أموال أبي هريرة عامله على البحرين ، وكان يرسل محمد بن مسلمة ليحاسب العمال ( المحافظين ) في البلاد التي يتولون أمرها .

هل تعلم أن رسول كسرى حضر إلى المدينة لمقابلة عمر … لم يكن له قصر كقصرك ولكنه وجده ينام في عمق تحت شجرة . وعبر عن ذلك حافظ إبراهيم بأبيات جاء فيها :

وراع صاحب كسرى أن رأى عمرا = بين الرعية عُطلا وهو راعـــــــيــها

وعهده بملوك الفرس أن لهـــــــــــا = سورا من الجند والأحراس يحميــها

رآه مستغرقا في نــــومــــه فــرأى = فيه الجلالة في أسمى معانيهـــــــا فقال قولة حـــــــق أصبحت مـثـــــلا = وأصبح الجيل بعد الجيل يرويـــها

أمنت لما أقمت الــــعـــــــدل بينهمو = فنمت نوم قرير العين هانيــهــــا

وفي عهدك ــ يا مبارك ــ ارتفع لهيب الغلاء ، وكأنما كان شاعر النيل حافظ إبراهيم يقصدك ويقصد كبار حوارييك الجاثمين على صدور شعبنا المطون بقوله :

أيها المصلحون ضاق بنا العيــ = ش ولم تحسنوا عليه القــيـــامــا

عزت السلعة الذليلة حتـــــــــــى = بات مسح الحذاء خطبا جُسامـــا

وغدا القوت في يد الناس كاليــا = قوت حتى نوى الفقير الصيامـا

ويخال الرغيف في البعد بــــــدرا = ويظن اللحوم صيدا حــرامــــــا

**********

وأذكرك ــ يا مبارك ــ بأن الكفار حينما حاصروا بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في انتظار خروجه ليقتلوه ، واستطاع بقدرة الله أن يفلت منهم ويهاجر إلى المدينة . فلما اكتشف الكفار ذلك ، اقترح بعضهم أن يقتحموا بيته، ويعتدوا على من فيه من النساء . فقال أبو جهل : ” لا ــ واللات والعزى ــ لا نفعلها أبدا ، فيلتصق بنا عار الدهر ، ويقول الناس أنهم اقتحموا البيت على النساء ” .

ولكن رجالك ــ يا مبارك ــ يقتحمون مساكن كل ذي رأي وعقيدة ، ويهتكون حرمة النساء ، ويفزعون الأطفال في الفجر ، وينهبون كل ما في المسكن ، من مال ، وملابس ، وحلي للنساء ، ثم يخربون المسكن بعد القبض على بريء جريمته أنه صاحب رأي وعقيدة ، ولسان حاله يقول :

أنا لم أسرق القروض من البنـ = ك, ولم أختلس جهارًا نهـــارًا

لم أبع ذمتي ، ولا خنتُ يـومـــًا = أو لبست الرياء ثوبًا معـــــارًا

أنا لم أقتحم بيوتًا مع الفجــــــــ = ـر، وأفزع أطفالها والعـــذاري

لا, وما زورت انتخابًا ولا كنـ = ـتُ دعيا أساير الأشـــــــــــرارا

إنما عشت شامخا بيقيــنـــــي = رافع الرأس عزة.. وفخــــــارًا

أنا ما بعـــت أمتي برخـيــص = أو بغال, ولم أخـــــرب ديـــــارًا

ما اتخذت الإرهاب دينًا ونهجًا = لا ولا حتي فــكــرة أو حــــوارًا

فلماذا أصير رهـــــــن اعتقال = وأعاني القيود والأســـــوارا ؟

وأعاني لهيب شوقي لطفـلـي = وبناتي للحزن عشن أســـاري؟

**********

نعم ــ يا مبارك ــ اذكر ، وتذكر ، وخذ نفسك ، بقول على بن أبي طالب كرم الله وجهه : ضعْ فخرك ، واحطـُط كِـبرك ، واذكر قبْرك .

gkomeha@gmail.com